القلم العلمي

 

هل يمكن تفسير السلوك على أنه نتيجة برامج مخزنة فى المخ ؟!

مصطفى حامد



ما هو برنامج الكمبيوتر ؟ انه يتكون من مجموعة من التعليمات المتعاقبة التي يؤدى السابق منها إلى التالي ولها بداية ونهاية وتتكرر نتائج البرنامج كلما شغلناه وللفرد أيضا ردود أفعال شبه ثابتة إزاء المواقف المتكررة .

وبرنامج الكمبيوتر له مدخلات INPUTS ومخرجات OUTPUTS ، وكذلك برنامج السلوك . فمدخلاته هي ما يسميه علم النفس بالمثير ومخرجاته هي ما يسميه علم النفس بالاستجابة. ففكرة البرنامج السلوكي لا تتناقض مع فكرة مثير - استجابة .. لكنها تقترح أن نضع بينهما البرنامج السلوكي الذي يشبه برنامج الكمبيوتر . لكن مدخلات البرنامج السلوكي ليست فقط المثير المباشر لكنها تشمل كل ما يدركه الإنسان حوله في هذه اللحظة وكل ما يتذكره من خبرات . والاستجابة تكون عادة مجموعة من الحركات المتتالية و التي لا يمكن تصور تكرارها إلا إذا كانت مخزنة ويتم استدعاؤها عند الحاجة . وهى مخزنة فيما يسمى فى مجال الكمبيوتر بالبرنامج الفرعي SUBROUTINE و إذا نظرنا إلى برنامج الكمبيوتر فإننا نجد أنه يمكن أن يشتمل على أربعة أساليب برمجية :

 1- أسلوب التوالي Sequential ومثاله فى الكمبيوتر (سوف يتم كتابة الأمثلة بلغة BASIC ) 10 x=10 20 y=20 20 z=x+y فلا يمكن تحديد قيمة Z إلا إذا حددنا قيمة X و Y . وتتحدد قيمة Z من خلال علاقة رياضية محددة في الخطوة 30 . ومثاله في السلوك :

1- يضغط السائق على دواسة البنزين

 2- تزيد سرعة السيارة . فلا يمكن أن تزيد سرعة السيارة إلا إذا ضغط السائق على دواسة البنزين . فالسرعة تتوقف على شدة ضغط دواسة البنزين وتربط بينهما علاقة ميكانيكية ثابتة .

 2- الأسلوب الشرطي Conditional ومثاله في الكمبيوتر 10

 IF X = 3 THEN Y=10 ELSE Y=100 وهنا تتوقف قيمة Y على تحقق شرط معين هو قيمة X وليس على علاقة منطقية محددة . ومثاله في السلوك :

 - إذا نجحت هذا العام سأحضر لك هدية وان لم تنجح سأحرمك من المصروف . ففي هذا المثال فإن الهدية أو الحرمان من المصروف يترتبان على تحقق شرط معين من عدمه ، وهذا الشرط ليس مرتبطا بهما ارتباطا مباشرا حتميا . فيمكن أن يحصل هذا الشخص على هدية في عيد ميلاده مثلا ، لكن السيارة في المثال السابق لن تزيد سرعتها إلا إذا ضغطنا على دواسة البنزين .

 3- أسلوب التكرار : Looping ومثاله في الكمبيوتر : 10 FOR I = 1 TO 10 20 PRINT “Good Morning” 30 NEXT وهذا البرنامج سوف يطبع عبارة “Good Morning” عشر مرات ومثاله في السلوك : - كرر بيت الشعر عشر مرات لتحفظه . ودائما التكرار مرتبط بشرط و إلا استمر إلى مالا نهاية .

والشرط هنا هو بلوغ عدد مرات التكرار عشر مرات .

4- أسلوب البرنامج الفرعي : Subroutine والبرنامج الفرعي في الكمبيوتر يؤدى عملية معينة تتكرر الحاجة إليها ولذا يتم تخزينها في برنامج فرعى ويتم استدعاؤها عند الحاجة بدلا من تكرار كتابته في كل مرة ومثاله في السلوك تعلم قيادة السيارة . فأثناء تعلم القيادة نكون كأننا نكتب البرنامج الفرعى للقيادة ونخزنه فى المخ ثم نستدعيه كلما جلسنا أمام عجلة القيادة. فأساليب برامج الكمبيوتر مطبقة كما رأينا فى برامج السلوك .

و إذا رجعنا إلي البرنامج البسيط 10 X = 3 20 Y = 4 30 Z = Y + X فإننا نجد أن كل خطوة من هذه الخطوات تمثل عملية عقلية . إذن فبرنامج الكمبيوتر ما هو إلا تسجيل للعمليات العقلية . والكمبيوتر حين ينفذ البرنامج فهو فى حقيقة الأمر ينفذ هذه العمليات العقلية بنفس الأسلوب الذى ينفذ به المخ مثل هذه العمليات . فبرنامج الكمبيوتر تقليد للمخ . ولذا ليس من العجيب أن نعود فنقول أن المخ يعمل بأسلوب الكمبيوتر . والسلوك منتج من منتجات عمل المخ ولذا من الطبيعى أن يتم إنتاج السلوك بنفس الطريقة. وبرامج الكمبيوتر الخاصة بالذكاء الاصطناعى تحاول أن تضيف إلى الكمبيوتر قدرات مثل الإدراك والتعلم . فهى هنا تقلد السلوك . ولذا مرة أخرى ليس من الغريب أن نقول أن السلوك يتم بنفس الأسلوب . فالفعل المنعكس الشرطى مثلا هو تماما برنامج كمبيوتر مكتوب بالأسلوب الشرطى IF (الطعام) OR (الجرس) THEN (اللعاب) لكن من يكتب هذه البرامج داخل المخ ؟ إن الكلب لم يولد ببرنامج الطعام / الجرس . لكن يمكن أن نقول أنه ولد ببرنامج إشرافي له قدرة على كتابة البرامج السلوكية وتخزينها فى المخ وتشغيلها عند الحاجة .

والكمبيوتر له نوعان من الذاكرة: النوع الأول Read Only Memory (ROM) وهذه الذاكرة بها البرامج الأساسية لتشغيل الكمبيوتر ولا يتعامل معها مستخدم الكمبيوتر ولا تمسح بإطفاء الجهاز والنوع الثاني Random Access Memory (RAM) وهى الذاكرة التى يتعامل معها المستخدم فيضع فيها بياناته أثناء العمل وهذه الذاكرة تمسح عند إطفاء الجهاز .

 وللكمبيوتر وسائل تخزين للبيانات هى الأقراص Disks يمكن أن تخزن عليها وتستدعى منها البيانات والبرامج . ويمكن تصور أن المخ به تقسيمات مشابهة وأن ال ROM الخاصة بالمخ توجد بها البرامج الإشرافية التى يولد بها الإنسان أو الحيوان . وفكرة برامج السلوك تحتاج منا أن ننظر إلى السلوك على أنه مجموعة من الحركات الدقيقة المتعاقبة التى تشكل الأداء السلوكى الذى نلاحظه . كما تحتاج أن ننتبه إلى أن هذه البرامج يتم كتابتها وتخزينها واستدعاؤها بعيدا عن تدخل ما نسميه الوعى أو العقل الواعى . فالنشاط البرامجى نشاط لا شعورى أو لعله هو ما يسميه علماء النفس اللاشعور .فالوعى هو قشرة إدراكية سلوكية قد يكون محتواها هو نفسه نتيجة من نتائج تشغيل برامج السلوك. والدليل على ذلك ما اكتشفه علماء النفس من أن الإنسان قد يصدق الفكرة التى تريحه نفسيا .

فالتصديق هنا عملية عقلية واعية يعتقد الوعى من خلالها أن فكرة ما صحيحة . لكن هذا الاعتقاد قد يكون زائفا ولا يدرك الوعى هذا الزيف . ولذا يمكن أن نتصور أن عملية التصديق وعملية عدم إدراك الزيف هى قرار تم اتخاذه داخليا نتيجة عمل برنامج سلوكى داخل المخ . و الوعى هنا يشبه شاشة الكمبيوتر التى قد تظهر عليها نتائج عمل البرنامج بغير أن يظهر البرنامج نفسه . وهناك سؤال : إن برامج الكمبيوتر تحقق أهداف المبرمج . فما هى أهداف برامج السلوك ؟ إن هدفها هو مصلحة صاحبها فالبرامج الإشرافية التى يولد المخ بها لها هدف واحد هو حماية مصالح صاحبها . إذن فهذه البرامج هى رحمة من الخالق لكن ما هو الجزء من المخ الذى يكتب الآن هذا الكلام ؟ لعله الجزء الأعلى فى البرامج الإشرافية وهو البرامج التحليلية التى تحلل كل شئ حتى نفسها ‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! وعندما تعمل هذه البرامج فان نتائج عملها تظهر على شاشة الوعى ، فيرى صاحبها فى هذه الحالة أعمق مما يرى غيره ، ويصبح كمستخدم الكمبيوتر الذى له بعض الدراية بالبرمجة . لكن ما هى المصالح التى تحاول هذه البرامج تحقيقها ؟ يمكن أن نقول أن هذه المصالح قد تتمثل فى الغرائز والدوافع المعروفة فى علم النفس . ويمكن أن نتصور أن الأمراض النفسية هى نفسها برامج طوارئ يتم تشغيلها عندما تعجز البرامج السلوكية العادية عن تحقيق الرضا لصاحبها . ويمكن تقسيم برامج السلوك إلي أنواع مثل :

 1- برامج التقليد : وهذه البرامج تجعل الشخص يقلد الأشخاص المحيطين به ولعلها أول برامج يتم كتابتها . ومن خلالها يتعلم الطفل المشى والكلام والعادات السائدة .

 2- برامج خبرات السرور : وهى تمكن صاحبها من استعادة السرور كلما سنحت الفرصة .

 3- برامج خبرات الألم : وهى تمكن صاحبها من تجنب الألم بقدر الإمكان . 4

- برامج التوافق الاجتماعى : وهى تجعل صاحبها مقبولا من المجتمع .

5- برامج المثل العليا : وهى تجعل صاحبها يتجه إلى تحقيق أهداف عامة لها نفع غير مباشر مثل تجنب السرقة الذى قد يحرمك من الاستفادة مما يمكنك سرقته لكنة سيؤدى إلى صلاح المجتمع وهذا سيعود بالنفع عليك .

 6- برامج الدفاع النفسى : مثل السخرية من الآخرين .

7- برامج التكيف المرضى وهى ما نعرفه بالأمراض النفسية . فلعلها برامج طوارئ تعد خط الدفاع الأخير لحماية الإنسان من عجزه عن التكيف .

 8- البرامج الثابتة : وهى برامج سلوكية يولد بها المخ وهى شبه ثابتة لدى كل أفراد النوع . ومنها برامج الإرضاء الغريزى وبرامج الأمراض النفسية. لكن هذه البرامج الثابتة يمكن أن يتم إدخال بعض التعديلات عليها طبقا لبيئة وظروف كل فرد .

 9- البرامج الفرعية : وهى برامج تخزن فيها خبرات متكاملة معينة ويتم استدعاؤها كلما دعت الحاجة مثل برنامج قيادة السيارة أو الكتابة على الآلة الكاتبة أو عزف آلة موسيقية .

10- برامج التقاليد الاجتماعية : وعندما تكون التقاليد الاجتماعية مستقرة فان برنامج التقاليد الاجتماعية يتم كتابته بأسلوب تقليد الآخرين . أما عند نشأة أو تطور التقاليد الاجتماعية فان هذا البرنامج يتم كتابته تقريبا فى نفس الوقت عند كل أفراد المجتمع استجابة لتغيير الظروف العامة للمجتمع . والتقاليد هدفها مصلحة المجتمع بينما البرامج السلوكية الأخرى هدفها مصلحة الفرد مباشرة .

11- برامج إدارة الحياة : وهى برامج النضج . ومن خلالها يدير الإنسان شئونه المختلفة بعد أن يكون قد جمع معلومات تمكنه من ذلك .

12- برامج الإبداع : ولعلها أكثر البرامج السلوكية إثارة للحيرة , لان نتائجها غير كامنة بصورة واضحة فى مقدماتها . فلا هى تعتمد على التقليد أو على الخبرات السابقة أو على الاستنتاج المنطقى .وحتى إذا قلنا أنها إعادة توليف لعناصر سبق إدراكها ، فما مصدر هذا التوليف ؟ لو كان مصدره مثلا نظرية الاحتمالات لوجب على المخ تجربة آلاف وربما ملايين احتمالات التوليف حتى يصل إلى التوليف النهائي ‍! لكن لم لا ؟ ربما كان المخ يطبق عند الإبداع نظرية الاحتمالات فالمخ يعمل بسرعة فائقة . ولعل سرعة عمل مخ المبدع تفوق سرعة مخ الناس العاديين. ربما !!

 13- برامج الضحك : وهى نوعان : الأول هو برامج إثارة الضحك و الثانى هو برامج الاستجابة لإثارة الضحك.والنوع الثانى موجود لدى الناس جميعا تقريبا .

أما النوع الأول فموجود لدى الظرفاء فقط. وبرامج إثارة الضحك هى برامج فى غاية الدقة فانك إذا تأملت شخصا وهو يلقى نكتة فان أقل زيادة أو نقص فى كلماته أو حركاته سوف يفسد النكتة فورا ! وهكذا فكما أن الكمبيوتر بدأ بتقليد المخ . فلعل صورة المخ قد تصبح أوضح إذا قارنا عمله بعمل مقلده ...... النشيط ...... الكمبيوتر .




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home