قصة

 

الذبح خارج السلخانة

د. خلف عبد العزيز



كتبت إليه على استحياء وهي تنظر إلى شفتيها في المرآة التي تضعها على مقربة من شاشة جهازها: "لا يمكن أن أقابل أجنبياً فالمبصر والأعمى والصبي والشيخ يعرفونني" ... " ومن أدراني فقد تكون أنتَ أنثى تدخل إلى الموقع باسم رجل؟". قال لها إنه مُحصن و لا يمكنه هو أيضاً أن يلتقي بامرأة أجنبية على مرأى ومسمع من الناس فهو أشبه بأمير تأنس كل نساء المدينة وفتياتها برؤيته وهُن يعرفنه من قامته الفارعة وعينيه العسليتين المنفرجتين كمصباح شديد الإضاءة، وسيارته الفارهة التي يُشار إليها بالبنان في كل الطرقات ... إن كل ما يقصده أن يختلسا اللحظات معا فيبوح لها وتبوح له ....

قال لها إن بإمكانه أن يطلب من مساعديه أن يقوموا مقامه في العمل ثم ينتظر قدومها في آخر الشارع الشعبي الذي تقيم فيه حيث تتزاحم الأجساد والباعة والسوقة والدهماء فلا يعرف أحدُ أحداً .... كتبت إليه "ولماذا لا نذهب إلى شقتك الكائنة في الحي الفخم حيث يقيم أصحاب الفضيلة والنفوذ؟" .... رفض بشدة متعذراً بالقلق والحراس المتناثرون في كل مكان كي يحيلون دون زحف الغرباء و الباعة الجائلين والمتلصصين والسوقة والدهماء ....

كتبت له أنه ليس بوسعها أن تذهب وإياه بعيداً عن المدينة فزوجها لا يطمئن إلى مكوثها بمفردها في المنزل، وهو يهتف إليها من آن إلى آن حتى يطمئن قلبه ...... أشار عليها بأن تحول مكالمات خط المنزل إلى الجوال .... شرح لها طريقة التحويل .... أعجبتها الفكرة ... "يا إلهي لا ترد الأفكار الطيبة إلا على ألسنة العشاق!" .... إن رجلاً عبقرياً ومثقفاً وثرياً مثله لا تندم امرأة في الجلوس والاطمئنان إليه ... إنه يستحق ولا شك تلك النزوة التي لم تمارسها من ذي قبل .... نظرت في صورة "مايك برانت" التي تتخذها خلفية للشاشة وقالت لنفسها ربما يمنحها هذا الغريب في زهاء الساعة أو الساعتين ما تمنت الحصول عليه دون جدوى من بعلها على مدار عام كامل ... عجيب أن تحيا المرأة حياتين: حياة اليقظة المريرة مع من يقلص مصيرها بورقة،  وحياة تحلم فيها برجل يشعل فيها الدفء ويرتشف من رحيقها كل يوم ..... ربما كان هذا الرجل ذاك الذي يخاطبها في أحلامها التي تعتريها كل ليلة بصوت خافت حنون ثم يحملها إلى عمق الصحراء على جواده  ... لعَل السيارة هي الجواد .... إنه بالقطع هو .... هذه هي الشَعرة الرقيقة التي جاهد نفسه (فرويد) في مدها كجسر ورابط بين اليقظة والأحلام .......

قال لها إنه من المستحسن أن يذهبا إلى شقة صديقه الذي غادر البلاد ولن يعود إلا العام القادم .... سيسبقها إلى هناك ويترك الباب مواربا كي لا تُخطأ المكان .... سحرتها الفكرة .... على عَجَلٍ أغلقت الجهاز ووضعت المساحيق ثم خرجت تبحث عن سيارة أجرة.

حينما رآها تدخل إلى الشقة ورأته بصقت في وجهه فصفعها وقال لها: "أنتِ طالق"                   




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home