القلم الفكري

 

زواج فرند

رغداء زيدان / سوريا




بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
في وقتنا الحاضر أخذنا نسمع بمصطلحاتٍ جديدةٍ لم نسمع بها من قبل, منها مصطلح فقه الأقليَّات، هذا المصطلح الذي يقصد فيه مطلقوه الفقه الخاصَّ بالأقليَّات المسلمة الموجودة في البلاد الغربيَّةِ والَّتي يعرض لها في حياتها ما تشعر فيه بالحاجة إلى تشريعٍ يوافق ما بين الإسلامِ وحياة هذه الأقليَّاتِ في تلك البِلاد، ويجعلها أكثر انسجامًا مع قوانينِ ومتطلبَّاتِ الحياة الغربِيَّةِ, مثل "زواج الفرند" الَّذي أُطلُقِ مُؤخَّرًا, حيث سمعنا عن فتوى أطلقها الشَّيخُ الزَّنداني ويقول فيها أن هذا الزَّواجَ يُعتبُر حَلاًّ لمشكلةٍ يعاني منها الشَّبابُ المسلم الموجود في البلاد الغربِيَّةِ المتحلِّلَةِ حيث يتعرَّضُ لإغراءاتٍ كثيرة، وَرُبَّما لا يستطيع الزَّواج، فيمكن له أن يتزوَّجَ من امرَأَةٍ مسلِمَةٍ ويبقى كلُّ واحِدٍ منهما في بيت أهلِهِ ريثما تَستَقِرُّ الأحوالُ ويستطيعانِ في الوقت ذاته أن يلتقِيَا بِشَكلٍ شَرعِيٍّ بعيدًا عن الزِّنا ومعصيةِ اللهِ.
وفي الحقيقة فإنَّ هذا الأمر من جهة الحلال والحرام هو أمرٌ مباحٌ طالما أنَّ عقد الزَّواج مستوفٍ لشروطه من إِيجَابٍ وقبولٍ وَشهودٍ وَموافَقَةِ وَليِّ الأمر. ولكن هل يتوافق هذا الأمر مع روح التَّشريعِ الإِسلامِيِّ بالنِّسبَةِ لتكوين الأسرة المسلِمة؟...
لقد وصف الله تعالى العلاقة الزَّوجِيَّةَ على أنَّها مودَّةٌ ورحمة، وعلى أنَّ الزَّوجَ هو لباسٌ للمرأة وأنَّ المرأَةِ هي لباسٌ للزَّوج، أي أَنَّ العلاقة الزَّوجِيَّةَ لا تقتصر فقط على إِشباعِ الرَّغباتِ الجِنسِيَّةِ، بل هي أعمق وأسمى من ذلك.
وَبمجرَّدِ أن يتمَّ الزَّواج فإنَّ هناك واجباتٌ ومسؤوليَّاتٌ تترتَّبُ على الطَّرفينِ، الزَّوجُ وَالزَّوجَةُ، وأهمُّ هذه الواجبات هي تكوين الأسرة المسلمة وتربيَّةُ الأولادِ الصَّالحينَ الَّذينَ سيبنون الوطن. وَحديث النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وَسَلَّمَ وَاضِحٌ في هذا الشَّأنِ حَيثُ قال: (( يا مَعشَرَ الشَّبابِ، من استطاع منكم الباءَةَ فليتزوَّج، فإِنَّهُ أَغضٌّ للبَصرِ وَأَحصَنُ للفَرجِ، وَمن لم يستطع فليصم فَإِنَّ الصَّوم له وجاء ))، وقد أخرج هذا الحديث كُلٌّ من البُخارِيِّ وَمسلم. وفي هذا الحديث يَحِثُّ النَّبُّي صلَّى الله عليه وسلَّمَ الشَّبابَ على الزَّواجِ، ولكن بشرط امتلاك القدرة على تَحَمُّلِ نفقاته ومسؤوليَّاتِهِ وتبعاته، ومن لا يملك هذه الاستطاعَةَ لم يأمره بقضاء شهوته عن طريقٍ آخر، إِنَّمَا أرشده إلى علاجٍ آخر هو الصَّومُ الَّذي يُسكِّنُ الشَّهوات، ولم يفرِّقُ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ بين بلدٍ وآخر في هذا الشَّأن.
وإذا قيل إنَّ الإِباحِيَّةَ الموجودة في البلاد الغَربِيَّةِ تجعل من مقاومة الشَّبابِ المسلم ضعيفةً فإنَّ هذا الأَمرَ مردودٌ، لأنَّ الإباحيَّةَ منتشرَّةً في كلِّ البلاد حتَّى الإسلاميَّة مِنهَا، ووسائل الإعلام وانتشارها واعتمادها بشكلٍ أساسِيٍّ على الإثارةِ والإِغرَاءِ لتسويق نفسها، أَكبرُ دليلٍ على انتشار هذه الإباحِيَّةِ في كلِّ مَكانٍ.
وليس معنى قولي أَنَّني ضِدّ التَّيسيرِ أوِ تسهيل الأمورِ، فالإسلام هو دين اليُسرِ، ولكن أخشى أن يكون في مثل هذه التَّبريرات مدخلٌ للشَّيطانِ لِتَحليلِ ما حرَّمَ اللهُ، وبحُجَّةِ الأقليَّاتِ أو غَيرِهَا نهدِمُ ديننا الَّذي فيه عزَّتُنا وَقوَّتُنا, وباعتقادي فَإِنَّ من أكثر الأمور التي أضعفت المسلمين وأوصلتهم إلى ما هم فيه من ذُلَّةٍ وَضعفٍ، هو محاولةُ المسلمينَ تطويعُ دينهم بما يناسب الغرب بِحُجَّةِ أَنَّ الإسلامَ هو دينٌ مَرِنٌ ويناسب كُلَّ الأزمانِ، وهذا القولُ صحيحٌ ولكن يجب أن ننتبه إلى أنَّ في الإسلام قواعدٌ وأساسيَّاتٌ لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها, وأَنَّ للإسلام نظامٌ وأهدافٌ وَغايَاتٌ سامِيَّةٌ هدفها تغيير المجتمع الفاسد وليس التَّغيُرُ بما يناسب هذا المجتمع الفاسد وذلك عن طريق النَّفاذِ إلى تحليلاتٍ وتفريعاتٍ لا تفيد المسلميَن في نَهضَتِهِم وَتَقَدُّمِهِم.
إِنَّ التَّطويرَ وَالتَّجديدَ مُهِمٌّ جِدًّا، وَمُراجَعَةُ الذَّاتِ مُهِمَّةٌ أَيضًا، ولكن يَجِبُ الانتِبَاهُ وَالتَّروِّي حَتَّى لا نقع في الخطأِ، ولنا في قصص غيرنا عبرَةٌ، فمن ذلك ما روي عن ناسِكٍ مُتَعَبِّدٍ جاءه رجُلٌ يريد السَّفَرَ وَطَلَبَ مِنهُ أَن يَقبَلَ زَوجَتَهُ أمانةً عِندَهُ لحين عودتِهِ، وأخبَرَهُ أَنَّهُ اختارَهُ هو من بين كُلِّ النَّاسِ لما يعرف من تقواه وورعه وخوفه من الله, وقبل النَّاسِكُ ذلك بعد توسُّلاتٍ كثيرَةٍ من الرَّجُلِ، وَأَسكَنَ النَّاسِكُ المرأة في غرفةٍ مقابِلَةٍ لِصَومَعَتِهِ وَصار يُقَدِّمُ لها الطَّعامَ فَيَضَعَهُ أمام باب الغُرفَةِ وَيطرق الباب ثُمَّ يَدخُلُ إلى صومَعَتِهِ، وبعد ذلك تخرج المرأة وتأخذ طعامها، واستمَرَّ على ذلك حتَّى حدَّثَتهُ نفسه بِأَنَّ هذه المرأة ليست بحاجَةٍ إلى الطَّعامِ فقط، بل هي بِحَاجَةٍ إلى المؤنِسِ الَّذي يُحدِّثُها وَيَطمَئِنُّ عليها. فَسَمَحَ لِنَفسِهِ برؤيتها والحديث معها ثُمَّ أخذ ينسى عبادته وصلاته وشغل بها حتَّى وقع في معصيَةِ اللهِ مَعَها.
وهكذا تَبدَأ المَعاصي بِالنِّيَةِ الحسنة، ثُمَّ تَتحوَّلُ إلى إطاعة النَّفسِ ثُمَّ بِعَدَمِ القُدرَةِ على مقاوَمَةِ شَهَواتِهَا وَرَغَبَاتِهَا، وَقانا اللهُ من ذلِكَ, وفي الخِتَامِ نَذكُرُ قول اللهِ تَعالَى: (( أَفَحُكمُ الجَاهِلِيَّةِ يَبغونَ وَمَن أَحسن من اللهِ حُكمًا لِقَومٍ يُوقِنون ))، (المائدة 50 ).

وَالسَّلامُ عَلَيكُم
 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home