دراسات هامة

 

مستقبل الأحوال العربية فى منظور غربى

سيد يوسف



مستقبل الأحوال العربية فى منظور غربى

سيد يوسف

 

يبدو أن سرعة التغير باتت أكثر مما اعتاده الناس فى السنوات الماضية يشهد على ذلك نمو بعض الدول الآسيوية وتأخر الدول العربية وصعود نجم الهند إيران والصين، وبعض الانقسامات فى حلف الأطلسي، ونمو اتجاه العولمة والإرهاب، والنجاحات التى يحققها تيار الإسلام السياسى، وانحسار الاتجاه العلمانى فى الدول العربية ...إضافة إلى مفردات أخر.

 

ولعل تلك المتغيرات قد حدت بالمجلس القومي الاستخباراتي NIC التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA...إلى تبنى مشروع ""خريطة العالم لعام 2020" والتى قدمت ترجمته الباحثة  شيرين حامد فهمي والذى نشر فى موقع إسلام أون لاين نذكر منه ما يتصل بأحوال أمتنا العربية نتبعه بتحليل موجز لبعض مفرداته حسبما يقتضيه المقام.

 

كانت أهم مفاتيح التغيير الواردة بالمشروع :

 

(1)

عولمة الاقتصاد وسيولة التكنولوجيا كما يلى:

*  يتوقع ريادة الصين والهند للقارة الآسيوية كلاعبين عالميين جديدين بما سيؤدى ذلك إلى أحداث درامية... مع توكيد أن كيفية استخدام هاتين الدولتين لقوتهما المتصاعدة سيظل قيد الدراسة والتأمل.

 

*  ويتوقع وجود أزمات شيخوخة فى أوروبا واليابان بسبب متغيرات متعددة منها وجود مشكلة ضخمة تتمثل في زيادة عدد كبار السن من ناحية، ونقص عدد الشباب أو القوى العاملة من ناحية أخرى؛ وهو ما سيؤدي بدوره إلى تأثيرات سلبية على الاقتصاد الأوربي بأكمله، وفيما يخص اليابان فإنها تواجه مشكلة إضافية خلاصتها أن اليابان ستكون مسئولة في السنوات المقبلة عن الخيار بين مهادنة الصين ومشاركتها فيما سيصب في مصلحتيهما وموازنة الصين والوقوف حيالها في توازنٍ وتحدٍّ. ويُضاف إلى الأزمة اليابانية - في المنطقة- الوحدة الكورية المرتقبة في السنوات القادمة التي من المفترض أن تؤدي إلى أزمة هي الأخرى بالنسبة لكثير من الدول الآسيوية

 

* ويتوقع انتهاء التقسيمات الثنائية من أمثال: شرق وغرب، شمال وجنوب، نام وغير نامٍ، صناعي وغير صناعي، متحالف وغير متحالف...ومن ثم ستفقد التقسيمات الجغرافية التقليدية أهميتها تدريجيا على مستوى العلاقات الدولية، على أن يحل محلها هيكل عالمي من نوع جديد، يقوم على قاعدة المدينة/العالم أو عالم المدن المتضخمة؛ حيث ستكون التكنولوجيا والتجارة هما الرابط الأساسي بين تلك المدن؛ وهو ما سيُزعزع من رابطة الو لاءات، ويجعلها أكثر تخلخلا.

 

* ويتوقع أن تمثل العولمة اتجاها متضخما (mega-trend)، يملي قوته في كل مكان على وجه الأرض؛ ومن ثم، فإنه من المنتظر أن يصير لمثل هذا الاتجاه تأثير جبار على جميع الاتجاهات الرئيسية الأخرى التي ستكون -في عام 2020- قد تشكلت وتأطرت وفق النموذج العولمي...مع الوضع فى الاعتبار أن هناك إصرار من الحكومات والمجتمعات المدنية على تغيير أطر العولمة، وإعادة تشكيلها، ومن ثم عدم إبقائها على حالها.

 

 

* توقع زيادة كبيرة بدرجة ملحوظة فى الاقتصاد العالمي حيث يفترض أن يكون الاقتصاد العالمي قد ازداد بنسبة 80% عن عام 2000، وأن يكون معدل دخل الفرد قد ازداد تقريبا بنسبة 50%" ، كما يتوقع اقتطاف معظم دول العالم من ثمرات هذا الرخاء ، على أن تكون الثمرة الكبرى من حظ القارة الآسيوية التي سوف تتحكم في أكثر وأسرع الأسواق انتشارا، والتي سوف تتحكم في أكبر عدد من المصانع والشركات عبر القومية؛ هذا إذا ظلت القارة على تطورها الاقتصادي السريع...مع احتمالية كبيرة فى سوء عدالة فى التوزيع.

 

* يتوقع أن تكون الدول الأكثر استخداما لأحدث أنواع التكنولوجيا هي نفسها الدول الأكثر استفادة من خيرات العولمة... وهذا لا ينطبق على الدول فقط، بل على القوى الاجتماعية أيضا.

 

* كما يتوقع أن تصير الصين والهند من قادة الدول التكنولوجية في العالم؛ وأن تصير الدولتان من أكبر الدول المتخصصة في التكنولوجيا رفيعة المستوى ، التي من المفترض أن تمثل الثورة التكنولوجية القادمة، وهي تكنولوجيا "النانو" أو المنمنمات.

 

* ويتوقع أن تصير الشركات عابرة القارات ذات نكهة آسيوية، بعد أن ظلت عقودا طويلة ذات نكهة أمريكية، كما يتوقع أن العولمة ستأخذ سمتا غير غربي في غضون الأعوام القادمة ، وستكون الشركات الآسيوية العالمية هي المحرك الأساسي لنشر التكنولوجيا في مختلف ربوع العالم، كما ستكون المحرك الأساسي للدفع بعجلة النماء الاقتصادي في الدول غير الصناعية.

 

* يتوقع مزيدا من الطلب على الطاقة حيث ينتظر أن ينمو إجمالي الطاقة المستهلكة إلى 50% في ظل العقدين القادمين، مقارنة بـ34% فيما بين 1980 و2000. فدول مثل الصين والهند - بأعداد سكانها المتنامية- لا بد أن يزيد احتياجها للطاقة؛ الأمر الذي سيعني انشغالا متزايدا من هاتين الدولتين بمصادر الطاقة؛ وهو ما سيؤثر بقدر كبير على تشكيل سياساتهما الخارجية...أما بالنسبة لأوربا فسيكون تكالبها أكثر على الغاز الطبيعي؛ وهو ما سيُلزمها بالدخول في علاقات إقليمية مع كل من روسيا وشمال إفريقيا لما يتمتعان به من وفرة هذا النوع من الطاقة.

 

* احتمال تصاعد دور روسى مرتقب... نمو كبير ملفت للنظر فى اقتصاد البرازيل وإندونيسيا.

 

 (2)

سياسات الهوية:

 

* يتوقع ظهور أشكال جديدة من سياسات الهوية - التي ترتكز أساسا على القناعات والمعتقدات الدينية- سوف تمثل ضغطا على الحكومات ، ففي ظل عالم يتجه سريعا نحو العولمة والكوكبة، وفي ظل عالم تموجه الهجرات السريعة أيضا... يأتي الدين ليلعب دوره في منح أتباعه مجتمعا مهيأ تهيئة كاملة، ليكون عزوة لهم، موفرا لهم "شبكة أمان اجتماعي" في أوقات الحاجة؛ وأكثر ما يلعب الدين هذا الدور في وسط مجتمعات المهاجرين.

 

*  ويؤكد المشروع على مركزية وأهمية الإسلام السياسي من بين جميع الهويات؛ حيث يتوقع لمثل هذه الهوية أن تصير ذات تأثير عالمي جم بحلول عام 2020. فتضافر عوامل عدة في الدول العربية والإسلامية - مثل الفقر وتأثير التعليم الديني وأسلمه النقابات وانتشار المنظمات غير الحكومية ذات البعد الديني- يؤكد على حتمية وصول الإسلام السياسي إلى أعلى درجات الأهمية في سلم الهويات؛ وهو ما يؤهله ليصير أكبر وأهم حركة اجتماعية وسياسية يشهدها العالم.

 

* وفي الغرب، سيبقى الإسلام السياسي خيارا متاحا أمام المهاجرين المسلمين الذين - على الرغم من كونهم منجذبين للرخاء الغربي ولفرص العمل هناك- يشعرون بالغربة والوحشة وسط الثقافة الغربية التي تناقض ثقافتهم الإسلامية... وأكثر ما يخوف الغرب من الإسلام السياسي هو قدرته على حشد الجماعات الإثنية والقومية المحبطة، وتفعيلها بعد ذلك لخدمة أهدافه، والمشروع لا يستبعد أبدا قيام الإسلاميين السياسيين بخلق سلطة لهم عابرة لجميع الحدود القومية.

 

(3)

الدمقرطة تزدهر بالشرق الأوسط:

 

* إذا كانت الحكومات العربية قد استطاعت كبح جماح الإسلاميين السياسيين في تسعينيات القرن العشرين فإنها لن تستطيع فعل ذلك عام 2020. فهي إن ظلت سلطوية، فستعاني من ضغوط الدمقرطة؛ وهي إن صارت ديمقراطيات مبتدئة وضعيفة، فستعاني من نقص القدرات اللازمة على التطور والتعايش في ظل التحديات.

 

* ومن المتوقع أن يقل وازع الدمقرطة بحلول عام 2020، فمن المفترض أن تأخذ الدمقرطة طريقها في الانحسار، خاصة في الجمهوريات السابقة للاتحاد السوفيتي السابق وفي جنوب شرق آسيا ، إلا أنه من المتوقع على الوجه المناقض، أن تبدأ الدمقرطة في الازدهار بالدول الرئيسية في الشرق الأوسط التي حرمت عنوة، طيلة العقود الماضية، من خوض التجربة الديمقراطية.

 

(4)

الهجرات

 

يتوقع تدفق عدد كبير من الجماعات الإثنية في داخل الدولة الواحدة؛ وهو ما يعرض الأخيرة لتحديات جسيمة في كيفية استيعاب تلك الجماعات المتدفقة... بلغة أخرى، إن تزايد عدد الهجرات من شأنه تعريض عدد أكبر من الدول القومية إلى معضلات إثنية، تتمثل في الإشكالية التالية: كيف يمكن امتصاص الجماعات الإثنية في داخل التراب الوطني القومي، واحترام هوياتهم وخصوصياتهم في نفس الوقت؟

 

* ويتوقع للمؤسسات - التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية- مثل هيئة الأمم المتحدة UN وصندوق النقد الدولي IMF أن تتحول إلى "موضة" قديمة، ما لم تُطبِع وتهيئ نفسها على التأقلم مع التحولات الكبيرة التي سيشهدها النظام العالمي، وأولها بزوغ قوى جديدة.

 

(5)

 

انعدام الأمن

من خلال بروز 3 عوامل يتوقع انعدام الأمن العالمي:

* اكتساح العمالة الصينية والهندية للسوق العالمية.

* الصراعات الداخلية أو الحروب الأهلية التي ستصير أكثر تهيجا.

* في بقاء الورقة النووية معلقة في الأفق حيث وما أسهل الحصول علي السلاح النووى في عام 2020!.

 

(6)

مخاوف غربية وتوقعات

 

* يظهر المشروع بوضوح  مخاوفه من تجاوز "الإرهابيين" لحدودهم المألوفة، واستخدامهم للأساليب غير المألوفة التي قدمتها لهم تكنولوجيا المعلومات على طبق من فضة ، كما يتخوف من نشوء جماعات راديكالية أخرى - على غرار "القاعدة"- واحتضانها للحركات المنشقة المختلفة المنتشرة بوضوح في العالم الإسلامي؛ ويتخوف من تمدد "الأيديولوجية الإسلامية" - كما يسميها- في مناطق بعينها، مثل جنوب شرق آسيا، وآسيا الوسطى، وغربي أوربا.

 

* كما يتوقع تجاوز تنظيم "القاعدة" من قبل جماعات إسلامية أصولية أخرى حيث يتوقع قيام حركات إسلامية كبرى - تتقارب فكريا وعمليا مع "القاعدة"- بالالتحام مع الحركات المحلية المنشقة؛ وهو ما يرى فيه الغرب خطرا جسيما على الأمن العالمي، وما يزيد الأمر خطورة هو استغلال تلك الحركات لـ"تكنولوجيا المعلومات" بصورة مكثفة ومرعبة في نفس الوقت؛ فعبر هذه التكنولوجيا سيتمكن الإرهابيون من نشر تهديداتهم في كل مكان؛ إذ إنهم لم ولن يعودوا بحاجة إلى مراكز ينطلقون منها لينفذوا عملياتهم؛ فما وفرته لهم هذه التكنولوجيا من اتصالات ومعلومات أغنتهم عن تلك الحاجة؛ ومن ثم، تحولوا إلى مجموعات إلكترونية من الجماعات والخلايا والأفراد. ولذا، فإن كل ما يتعلق بتدريب الإرهابيين، وبتعليمهم المهارات know how المطلوبة، وبدعمهم ماديا، سيصبح متاحا "أون لاين".

 

* ويتوقع أن أغلب الهجمات الإرهابية القادمة سوف تكون تقليدية، ولكن مع تطويرها للآليات المُستخدمة ضد الجهود الرامية لمناهضة للإرهاب، وكما لن ينال الأسلحة والتكنولوجيات "الإرهابية" تغيير واضح - فتظل على تقليديتها- فإن المفاهيم العملياتية "الإرهابية" لن ينالها بالمثل أي تغييرات ، ونقصد هنا بالمفاهيم العملياتية: تصميم العمليات الإرهابية، وتنسيقها وتخطيطها، ودعمها.

 

* ويبدى الغرب مخاوف كبيرة من شغف عدد كبير من الإرهابيين للحصول على الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، مما يمكن أن ينبئ بحرب ضروس تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل.  حيث إن الإرهاب البيولوجي سيكون أكثر تكيفا وتأقلما مع الجماعات الإرهابية الأصغر، والأكثر حصولا على المعلومات، وآخر ما يتخوف منه الغرب هو تمكن الإرهابيين من تدمير شبكات المعلومات الحساسة من خلال هجماتهم الإنترنتية.

 

* يتوقع بحلول عام 2020 ألا توجد دولة تستطيع محاربة القوات الأمريكية لكن من المرجح أنه ستوجد دول كثيرة موجعة للولايات المتحدة، تستطيع أن تكلفها الكثير إذا ما قامت بأي فعل عسكري مرفوض". فامتلاك إيران وكوريا الشمالية للأسلحة الكيميائية والبيولوجية والنووية، وامتلاك دول أخرى لها على عام 2020، سيزيد من تكلفة أي ضربة أمريكية سواء كانت ضد هذه الدول أو ضد حلفائها.

 

(7)

السيناريوهات المقترحة

وسط هذا العالم الهائج المتقلب، يمكننا تخيل أشكال عالمية عديدة -على امتداد الخمسة عشر عاما القادمة- يتمحور معظمها حول تحدي نظام الدولة القومية من ناحية، وإرساء عولمة أكثر استفحالا وتشعبا من ناحية ثانية....يضع المشروع أربعة سيناريوهات تخيلية، لا تعكس المستقبل الحقيقي بقدر ما تعكس الصور الممكنة للعالم الذي سنعيش فيه عبر العقدين القادمين؛ وهي تتضمن الآتي:

 

* عالم دافوس Davos World: يقدم تصورا عن عالم تقوده الصين والهند؛ تحققان فيه نماء اقتصاديا لا مثيل له من الضخامة والقوة؛ وهو ما يعيد تشكيل حركة العولمة، فيجعلها أكثر اتجاها لما هو غير غربي.

 

* سلام أمريكا Pax Americana: يقدم تصورا عن مدى قدرة الولايات المتحدة على إثبات هيمنتها بالرغم من كل التحديات العالمية، وقدرتها على تشكيل نظام عالمي جديد.

 

* خلافة جديدة A New Caliphate: يرشح ذلك العالم الذي سينقاد من قبل حركة إسلامية عالمية، تغذيها الهوية الدينية "الراديكالية" التي ستشكل تحديا للمعايير والقيم الغربية التي يقوم عليها النظام العالمي.

 

* حلقة من الخوف Cycle of Fear: يتخيل ذلك العالم الذي ستسوده المخاوف من انتشار أسلحة الدمار الشامل؛ فتصير الاحتياطات الأمنية مكتسحة لجميع بقاع الأرض لمنع حدوث أي هجمات مدمرة.

 

ملاحظة ذكرها المشروع: يؤكد المشروع أن الولايات المتحدة قادرة على محاربة جميع تلك التحديات، وعلى استبقاء دورها الريادي؛ وهو إن دل على شيء فإنما يدل على الثقة العمياء التي يضعها المجلس القومي للاستخبارات في القيادة الأمريكية.

 

ملاحظات وخاتمة

يغلب على المشروع التحليل فى المنظور الاقتصادي والسيطرة أو بلغة اختزالية التشبع بمفهوم العولمة فى منظوره الأمريكى، ويبدو لى أن الغرب خلق قصة الإرهاب- دون تقديم تعريف له-  حتى إنه صدقها حين روج لها، ولم يغب الخوف من الخسارة فى التحليل والتوقعات الغربية، وفى فكرة إحياء تكتل عربى أو وحدة عربية أو بلغة القوم خلافة ما يثير الخوف لدى الغرب.

 

غفل المشروع الإشارة إلى احتمالية انتهاء الدور الأمريكى وإن كان قد أشار إلى ضعفه لا سيما وقد أحدثت فيه المقاومة العراقية أفاعيلها التى يحتمل أن تستمر لعقود عديدة، وهى التحليلات التى أشار إليها كتاب غربيون وأمريكيون أيضا.

 

فى ظل ضعف العرب، ونمو الآسيويين، وضعف أمريكا،أغفل المشروع تطلعات الكيان الصهيونى والذى يبدو لى انه سيتطلع إلى القوة الجديدة الناشئة ليبلغ قوته بحبل من الناس.

 

كما أغفل التقرير الإشارة إلى مستقبل الصراع فى المنطقة العربية بين العرب – المسلمين- وبين العصابات الصهيونية وهو الأمر الذى ما يزال له تأثيرات على الطاقة ومجريات الأمور سواء فى الغرب أو الاتحاد الأوروبي.

 

سيد يوسف




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home