القلم الفكري

 

المسخ و الرأس الأكبر

سامر سكيك-فلسطين




قد يطغى على حديثي التوجه السياسي هذه المرة، فالحديث عن الكيان الصهيوني و تداعيات نشاطه و تأثيرها على دول الجوار، و العالم بشكل عام يجبر المرء على تسييس فكره، و هذا بدوره ينعكس على تصنيف المادة فلا تبدو فكرية خالصة.
على أية حال فما دفعني للكتابة أمور شتى حريٌّ بنا أن نقف عندها بشيء من التفكر و التحليل، فلقد استفزتني على سبيل المثال تلك النغمة الحالية التي تتكدس بها عقول الشباب اليائسة من هذا الواقع المحبط نتيجة للحصار، و انعكاساته على الحركة الاقتصادية ، و التفاعلات الاجتماعية داخل الأرض المحتلة، هذه النغمة المخيفة تتطلب وقفة جادة و متأملة لوعظ الشباب و ترشيد المجتمع بكامله عموما بحقيقة ما يجري.
لقد شاءت قدرة الله تعالى على أن يكون شعب فلسطين هو صدر هذه الأمة العاري في مواجهة هذا المسخ لوحده و كل المسوخ السابقة، و لقد عقدت على كل من سكن هذه الأرض منذ فجر الإسلام كل الآمال في حماية كلمة الإسلام و الذود عنها، فلم يألُ خاتم النبوة جهدا في إعلاء شان هذه الأرض وقاطنيها ممن تمسكوا بالعقيدة تمسكهم بأرواحهم، و لذلك كان لا بد أن تفهم عقلياتنا جميعا أن هذا القدر هو قدر الله و أن قبولنا لهذا القدر بكل تسليم أحد أهم أركان ولائنا لله تعالى، و إثبات صفاء عقيدتنا، فلا يصح أن نرفض هذا القدر و نكفره، و نلعن الواقع و نهجره.
من ناحية أخرى فمن الواضح أن المسخ الصهيوني الذي تدعم وجوده و نماءه الماسونية أو (الرأس الأكبر) المتغلغلة في عروش الدول و أكواخها يحسن التخطيط جيدا، و لقد ظهر ذلك جليا منذ أن جُرَّت أقدام المقاومة إلى مؤتمر مدريد و تبعات ذلك من اتفاقيات هزيلة مثل أوسلو و غيرها، و رأب الانتفاضة المشتعلة في الداخل، و التي هددت أمن الكيان المسخ باكمله، ثم تتابُع حزبي العمل و الليكود في استلام سدة الحكم حيث أُوهم العالم كله بتبني العمل لقب الحمائم الراغبين في صنع سلام حقيقي، و الليكود الذي تبنى لقب الصقور لتشددهم و تطرف توجهاتهم، حيث ساعد ذلك في التهامنا للطعم و ارتمائنا في أحضان المفاوضات مع العمل في البداية و الذين أظهروا حسن نية زائفة و قاموا بإبرام اتفاقيات أرى من وجهة نظري أنها لو نفذت فعليا لكان ذلك انتصارا في سجل المقاومة لا يمكن تجاهله، و لكن باستلام النتن ياهو سدة الحكم تم إلغاء كل ما تم التفاهم بشأنه، و امتنعت الحكومة الجديدة عن القبول بأي اتفاقية وقعتها الحكومة العمالية السابقة، و أصرت على البدء من نقطة الصفر، حيث تم التراجع اكثر من خمس سنوات للخلف من عمر العملية السلمية الهزيلة،و الحرب الشعواء على مائدة التفاوض و هكذا دواليك..
إن رؤساء الحكومات في الكيان الصهيوني ما هم في حقيقة الأمر إلا دُمى لا تضر أو تنفع بإرادتها المطلقة و إنما تحركها أيدٍ خفية، هي الماسونية و الصهيونية العالمية، و رؤساء الحكومات أولئك مجبرون على كل ما يخطونه من خطوات تتوافق مع أهداف و استيراتيجيات الفكر الماسوني و الصهيوني، و أكبر دليل على هذا هو سقوط الحكومة العمالية الحالية بشكل مفاجئ و غير متوقع، و ارتفاع أسهم الليكوديين و على رأسهم شارون الذي لم تكن زيارته للحرم القدسي سوى جزء من الخطة الرهيبة التي جرَّت المنطقة إلى ما هي عليه الآن، فلم تكن هناك وسيلة سواها أجدى نفعا و أكثر سرعة لدى الرأس الأكبر لهدم العرش الباراكي المتصدع الذي أعرب في معظم الأحيان عن تنازلات كنا نعلم يقينا استحالة تقديمها و طرحها على موائد المفاوضات، و الذي دق بدوره أجراس الخطر في الرأس الأكبر الذي بادر إلى تنحية هذه الحكومة التي تنكرت لبروتوكولات حكماء صهيون على حين غرة.
إن نظرة الرأس الأكبر تؤمن بالتضحية بالعشرات من إفرازات هذا الكيان في سبيل تحقيق عمر زمني أطول للكيان، وضمان إحكام سيطرته على زمام الأمور، والاحتفاظ بكل ما جاء في بروتوكلاته و تخليده، حتى و لو لزم الأمر إقحام هذا المسخ في حرب مكشوفة يضمن كسبها في ظل هذا الوضع المزري للشعوب المسلمة التي نأت بنفسها عن تطبيق منهج الإسلام.
و لعلنا بهذا نجد أنفسنا في وضع لا نحسد عليه، فمواجهة هذا المسخ لا تتطلب شعاراتٍ جوفاء، و خطبا بلهاء كما اعتادت آذان الشعوب من أنظمتها الحاكمة، فمن المستحيل تحقيق نصر بقيادة أي منها، لأنها ببساطة موجهة من قبل الرأس الأكبر الذي باستطاعته الإطاحة بعروشها دون سابق إنذار، و إنما النصر يأتي بغتة من داخل الشعوب نفسها، فالخير فيها باقٍ إلى الأبد، و ما رأيناه من دعم شعبي واسع للانتفاضة الثانية يؤكد ذلك.
فلننتظر فرجا من الله أو فتحا قريبا، و لكن لا ننسى دورنا وإن كان هناك ثمة شعور بضآلته و قلة حيلته.




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home