دراسات هامة

 

المستشرقون الجدد

إبراهيم عوض



"المستشرقون الجُدُد"

دانيال بايِبْس وبقية أفراد العصابة

د. إبراهيم عوض

(إلى روح المرحوم مجدى محرم)

 

Ibrahim_awad9@yahoo.com

http://awad.phpnet.us/

http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9

 

 

صدر هذا العام (2007م) عن الدار المصرية اللبنانية للدكتور مصطفى عبد الغنى (المحرر الأدبى بجريدة "الأهرام" المصرية) كتاب بعنوان "المستشرقون الجدد- دراسة فى مراكز الأبحاث الغربية" يقع فى نحو 150 صفحة بما فيها الملاحق الإنجليزية التى نشرها فى نهايته، واستغرقت حَوَالَىْ خمسٍ وأربعين من تلك الصفحات. وفى هذا الكتاب يتناول الدكتور عبد الغنى ما يراه ظاهرة طارئة فى عالم الاستشراق، ألا وهى تحول المستشرق التقليدى إلى خبير فى مراكز البحث التى تعتمد عليها الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، فى رسم سياساتها تجاه العالم العربى والإسلامى. والمقصود بـ"مركز البحث" ما تكررت إشارة المؤلف إليه باسمه فى الإنجليزية: "a think tank"، وهو مصطلح كان يعنى فى أوائل القرن الماضى: "الذهن"، ثم تطور معناه منذ أواسط ذلك القرن فأصبح يعنى ما يمكن أن نسميه بـ"صهاريج الفكر"، على  أساس أن معنى "tank" هو الصهريج أو الخزان الكبير الذى نودع فيه ما نحتاج إليه من ماء أو نفط أو ما إلى ذلك. والمقصود "مؤسسات البحث"، أو "المراكز البحثية" كما ورد فى كتاب الأستاذ المؤلف حسبما نوّهنا قبل قليل، وهى مؤسسات تلجأ إليها بعض الحكومات والهيئات للاسترشاد بما يمكن أن تمدها به من أفكار وأبحاث وتحليلات وتوقعات واقتراحات فى حل ما يواجهها من مشاكل أو فى رسم ما يتعين عليها انتهاجه من سياسات وخطط فى المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية الهامة، وإن كان المؤلف قد ترجم ذلك المصطلح أحيانا بـ"دبابات الفكر" لـَمْحًا منه لدور تلك المراكز المدمر بالنسبة للدول الصغيرة التى كُتِب عليها الاكتواء بنار السياسة المبنية فى ضوء ما يبديه العاملون فيها من أفكار واقتراحات مجرمة ظالمة. ومعروف أن  كلمة "tank" تعنى، فيما تعنيه، "الدبابة"، وإن كان الأصل فيها هو المعنى الأول. وإلى القارئ حصادَ ما تقوله خمسة من المعاجم الإنجليزية شرحا لمعنى ذلك التعبير، الذى قد يُسْتَعْمَل بدلا منه تعبير مشابه هو: "a think factory":

1- a research institute or organization employed to solve complex problems or predict or plan future developments, as in military, political, or social areas. Also called think factory (Dictionary.com Unabridged).

2- A group or an institution organized for intensive research and solving of problems, especially in the areas of technology, social or political strategy, or armament (American Heritage Dictionary).

3- a company that does research for hire and issues reports on the implications (WordNet).

4- or organization dedicated to problem-solving and research, especially in such areas as technology, social or political strategy, and the military. For example, The congressional leaders rely too heavily on that conservative think tank. This term originated about 1900 as a facetious colloquialism for brain and was given its new meaning about 1950 (American Heritage Dictionary of Idioms by Christine Ammer).

5- An institution in which scholars pursue research in public policy. Largely funded by endowments and grants, think tanks work to improve public awareness of policy issues (through publications) and to influence the government to act upon issues of national importance (American Heritage New Dictionary of Cultural Literacy, Third Edition).


      وفى دائرة المعارف المشباكية: "الويكيبيديا: wikipaedia" نقرأ تحت ذات العنوان:

"A think tank is an organization, institute, corporation, or group that conducts research, typically funded by governmental and commercial clients, in the areas of social or political strategy, technology, and armament.

History of think tanks:

Since "think tank" is a term that has only found use since the 1950s, there is still some debate over what constitutes the first think tank. One candidate is the Fabian Society of Britain, founded in 1884 to promote gradual social change. The Brookings Institution, founded in the US in 1916 is another candidate for the first think tank. The term think tank itself, however, was originally used in reference to organizations that offered military advice, most notably the RAND Corporation, formed originally in 1946 as an offshoot of Douglas Aircraft and which became an independent corporation in 1948.

Until around 1970, there were no more than several dozen think tanks, mostly focused on offering non-partisan policy and military advice to the United States government, and generally with large staffs and research budgets. After 1970, the number of think tanks exploded, as many smaller new think tanks were formed to express various partisan, political, and ideological views.

Etymology and usage:

Until the 1940s, most think tanks were known only by the name of the institution. During the Second World War, think tanks were referred to as "brain boxes" after the slang term for the skull. The phrase "think tank" in wartime American slang referred to rooms in which strategists discussed war planning. The first recorded use of the phrase to refer to modern think tanks was in 1959, and by the 1960s the term was commonly used to describe RAND and other groups assisting the armed forces. In recent times, the phrase "think tank" has become applied to a wide range of institutions, and there are no precise definitions of the term. Marketing or public relations organizations, especially of an international character, sometimes refer to themselves as think tanks, for example".

وقد تعرض كاتب المادة إلى أهم المراكز البحثية فى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال واليونان وروسيا وبولندا وسويسرا والسويد والدانمارك والصين وهونج كونج وتركيا وإيران والبرازيل، ولكنه لم يتطرق إلى ذكر أى مركز عربى رغم وجود مثل تلك المراكز فى بلاد العرب بطبيعة الحال. لكن السؤال هو: هل يهتم صناع القرار السياسى والعسكرى والاقتصادى عندنا بالرجوع إلى تلك المراكز لاستطلاع آرائها والأخذ بما تقدمه من دراسات ومقترحات وحلول؟ أم هل ينظرون إليها نظرهم إلى قطعة أثاث جىء بها لمجرد الزينة والاستعراض ومجاراة الآخرين حتى لا يقال إننا متخلفون عنهم، بغض النظر عن إدراكنا لقيمتها واستفادتنا منها أو لا؟ وأغلب الظن من شواهد الحال أن الاحتمال الثانى هو الأقرب إلى الصواب، وهى ظاهرة مؤسفة، إذ معنى ذلك أن حكامنا لا يكتفون بإهمال رأى شعوبهم، بل لا يَرَوْن فى أنفسهم حاجة إلى استشارة العقول الكبيرة فى البلاد المنكوبة بهم، طبعا لاعتقادهم العميق فى أنهم مُلْهَمون يُوحَى إليهم بما ينبغى لرعاياهم من حلول وسياسات. وهذا هو السر فى أن الوزراء والمسؤولين الحكوميين فى بلادنا يقولون دائما، كلما نوَوْا أو تظاهروا بأنهم يهمون أن ينجزوا شيئا، إنهم يفعلون ذلك "بتوجيهات جلالة الملك أو سيادة الرئيس". ذلك أن حكامنا إنما خُلِقوا ليوجِّهوا شعوبهم ولا يحتاجون إلى من يستشيرونه فى شىء، إذ ما الحكمة من مثل تلك الاستشارة ما داموا يَتَلَقَّوْن الوحى من السماء مباشرة رغم أن النبى محمدا المتصل بالسماء حقا وصدقا كان حريصا على استشارة من حوله فى كل صغيرة وكبيرة؟ بل ما جدوى تلك الاستشارة إذا كان الشعب نفسه لا يهتم بشىء من ذلك، بل هو لا يقدّر أصلا هؤلاء الحكماء الذين ينبغى لحكّامه استشارتهم، لكنهم لا يفعلون، ولا يشعر لهم بأية قيمة أو فائدة؟ إن شعوبنا بوجه عام إنما تعيش فى مستوى غرائزها ولا تتطلع إلى ما هو أعلى من ذلك!

وعلى أية حال فالمعروف أن عددا من حكام العرب والمسلمين أميون أو يكادون أن يفكوا الخط فى أحسن الأحوال، وفى كل الأحوال لا يُعْرَف عن أى منهم أنه يقرأ شيئا. وعلى أية حال أيضا فإنهم لا يُدْنون منهم فى العادة إلا من يُسْمِعونهم الكلام المعسول وينافقونهم ولا يصدّعون أدمغتهم بالحقائق المرة التى تفقأ عين كل من عنده عين! ثم إنهم ضعفاء عاجزون أو شبه عاجزين أمام القوى الكبرى، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى هذا فحتى لو افترضنا المستحيل وقلنا إنهم يريدون الاستفادة من تلك المراكز وما فيها من خبراء فإن تلك القوى تجبرهم على نبذ هذه النية وتئدها لهم فى ضمائرهم قبل أن ترى النور، وتأمرهم بعمل ما تريد هى فيأتمرون دون أن يتنحنحوا مجرد نحنحة! وقد ذكر الدكتور مصطفى عبد الغنى من هذه المراكز مركز الشيخ زايد فى الإمارات، ذلك المركز الذى كان تابعا للجامعة العربية وأثار منذ قريب ضجة عالمية حين اتهمته الدوائر الغربية بتشجيع الإرهاب.

ولكى يكون القارئ معى فى الصورة سأنقل له ثلاثة نصوص لا غير مما عثرت عليه وأنا بصدد إعداد هذه السطور: فأما أولها فهذا البيان الذى وجدته فى واجهة موقع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الرئبس الراحل لدولة الإمارات العربية المتحدة: "http://www.alshamsi.net/zayed/zayed_human.html"، وهو بعنوان "زايد وحقوق الإنسان": "اختصر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كافة القوانين والدساتير المتعلقة بحقوق الإنسان وتجاوزها فعلا بقرارات حكيمة ومبادرات طيبة وضعها من خلال نظرته الثاقبة وفكره المتوقد للحفاظ على أغلى ثروة يمتلكها الوطن. كما قال سموه دائما إن الإنسان هو أغلى ثروة يمتلكها الوطن. ومنذ البداية قطعت دولة الإمارات العربية المتحدة العهد على نفسها بألا تنمية بدون تنمية الإنسان أولا، ومن هنا كان مسعاها نحو العمل بكل جهد وإخلاص من أجل كفالة حقوق الإنسان وصيانة حريته ورفاهيته وتوفير كل السبل الممكنة للنهوض بقدراته نحو الأفضل، وهيأت كل المستلزمات التي تمكن من أن يكون هذا الإنسان في مقدمة خططها الآنية والمستقبلية، وسنت لهذا الغرض العديد من القوانين الدستورية والقوانين ذات الاختصاص من أجل ذلك الهدف.

وكان الهاجس الأول لصاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله هو تنمية الإنسان، فكان دستور حمايته ورفاهيته وصيانة مكتسباته حاضرا في ذهنه منذ زمن بعيد، وقبل أن يوضع دستور مكتوب. فقد عمل وبكل تفان وإخلاص من أجل أن ينهض بهذا الشعب نحو العزة والوحدة، وكان إيمانه بالوحدة والسعي نحو تحقيقها هو الهدف الذي من أجله قاد الكفاح من أجل الإنسان لأنه أدرك منذ زمن بعيد بأن الوحدة قوة، والإنسان هو هدفها وغايتها. فالإنسان عند صاحب السمو رئيس الدولة هو أساس أي عملية حضارية حيث يقول إن الاهتمام بالإنسان ضروري لأنه محور كل تقدم حقيقي مستمر، فمهما أقمنا من مبانٍ ومنشآت ومدارس ومستشفيات، ومهما مددنا من جسور وأقمنا من زينات، فإن ذلك كله يظل كيانا ماديا لا روح فيه وغير قادر على الاستمرار. إن روح كل ذلك هو الإنسان القادر بفكره وفنه وإمكانياته على صيانة كل هذه المكتسبات والتقدم بها والنمو معها.

وأوضحت إحدى الدراسات الصادرة عن مركز الشيخ زايد للتنسيق والمتابعة أن دولة الإمارات العربية المتحدة هي من الدول التي آمنت أن أساس التنمية هو الإنسان، وبناء عليه سعت إلى كفالة حقوقه وحرياته وصاغت في سبيل ذلك العديد من القوانين الدستورية المشرعة لكل الحقوق والحريات، ودعمتها بالقوانين الوزارية، وسعت بكل ما تملك إلى وضع القوانين التي تحقق المصلحة العامة حيث سعى صاحب السمو رئيس الدولة منذ قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة إلى أن يضع لهذه البلاد دستورا يعبر عن إيمانه بهذا الشعب ويعبر كذلك عن طموحاته الهائلة من أجل هذا الشعب وتأمين حقوقه المدنية والسياسية، ولم يغفل ذهنه المتوقد أي جانب من جوانب هذه الحقوق.

وقد جاء دستور دولة الإمارات العربية المتحدة معبرا حقيقيا عن كرامة هذا الإنسان، فقد حرم التعذيب والمعاملة القاسية احتراما لكيان هذا الإنسان، ورفض الاستعباد وفرض العمل بالقوة وحق الحرية والسلامة الشخصية والإقامة والانتقال وحق المساواة أمام القضاء وفق القانون. وأنصف دستور دولة الإمارات الإنسان أيما إنصاف، فقد كفل حريته الخاصة في المنزل والمراسلات والفكر والضمير والديانة والحق في الرأي والتعبير وحق العائلة في التمتع بالحماية في المجتمع والدولة والمساواة المطلقة أمام القانون، وحظر استبعاده عن بلاده ومصادرة أمواله وحقه في الجنسية والعقوبة الشخصية وحرية المسكن.

 ومن أبرز ما جاء به دستور الإمارات في صيانة حقوق الإنسان استقلال القضاء وحق المواطن في مخاطبة السلطات العامة وحق تشكيل الجمعيات واحترام الملكية وحق اللجوء السياسي، ولم يغفل الدستور حقوق الطفل والمرأة، وأكد على العنصرين الاساسيين في الأسرة، وهما المرأة والطفل، وصيانة حقوقهما، ووفر كل السبل من أجل رعايتهما من مستشفيات ومدارس ورياض أطفال ومراكز رعاية الأسرة، وكفل حقوقهما في القانون الدستوري للدولة احتراما لمكانتهما في المجتمع وحب القائد لهما. وشملت أكثر من 23 مادة في الدستور الحريات الشخصية للإنسان، فضلا عن الحريات الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. واعتبر الدستور أن المساواة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين والمواطنات من دعامات المجتمع الأساسية. كما نص الدستور على أن الاسرة هي أساس المجتمع، ويكفل القانون كيانها ويصونها ويحميها. وقد استعرضت الدراسة ما نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومفهوم حقوق الإنسان عالميا وإسلاميا وعربيا، وكذلك الآليات الإقليمية والدولية لحماية حقوق الإنسان والموقف العربي من العالمية والخصوصية في حقوق الإنسان. وأوضحت هذه الدراسة بالجداول والأرقام مقارنة بين الحقوق المدنية والسياسية الواردة في الدستور المؤقت لدولة الإمارات والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تؤكد على أن تشريعات دولة الإمارات العربية المتحدة شاهدة على تقدم وتمدن هذه الدولة واحترامها لحقوق الإنسان وإطلاقها لهذه الحقوق والحريات وعدم تقييدها من خلال تبني وإقرار عدة ضمانات من أجل الإنسان وحقوقه وحرياته في مختلف المجالات وكافة الظروف. كما أكدت الدراسة على أن دولة الإمارات تعتبر من الدول العربية القليلة الملتزمة بتقديم تقرير سنوي لاجتماعات الاتفاقية الدولية المتعلقة بإزالة جميع أنواع التمييز العنصري والتفرقة العنصرية. وأكملت دولة الإمارات انضمامها الرسمي للعديد من الاتفاقيات الدولية كان آخرها الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل مطلع العام 1997، وشاركت بفعالية وإيجابية في الحوار الدولي لحقوق الإنسان من خلال المؤتمرات الدولية التي نظمتها الأمم المتحدة.

كما أنه لم تسجل تقارير المنظمات الدولية العربية والعالمية أي انتهاكات لحقوق الإنسان بالإمارات، ووثقت الدراسة لعدد من الاتفاقيات والعهود والوثائق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، ومنها وثيقة انضمام حكومة دولة الإمارات إلى اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.
ومن الجدير بالذكر أن الدراسات التي يقدمها مركز زايد للتنسيق والمتابعة عن الإنسان وحقوقه في القانون الدولي تناولت عناوين بارزة هي على صلة بالواقع الدولي لحقوق الإنسان من أبرزها: حقوق الإنسان- ثوابت المبدأ ومتغيرات الزمن، والميثاق العربي لحقوق الإنسان، وحقوق الإنسان في الإسلام، وأيضا المصادر الحقيقية لحقوق الإنسان، وكذلك القانون الأساسي لمنظمة العفو الدولية، والاتفاقيات الدولية التخصصية في حقوق الإنسان، وكذلك الحماية الإقليمية لحقوق الإنسان، وغيرها من الدراسات العظيمة التي قدمها هذا المركز ومازال يقدمها في خدمة الإنسان والإنسانية (من دراسة أعدها مركز الشيخ زايد للتنسيق والمتابعة ونقلاً عن موقع جريدة الإتحاد على الإنترنت بتصرف)".

ولا يسع المرء حين ينتهى من ذلك الكلام إلا أن يتساءل: ترى ما جدوى إنشاء مثل ذلك المركز إذا كان الحاكم من حكامنا لا يحتاجه ولا يحتاج شيئا آخر غير ما تثمره عبقريته التى لم تلدها ولادة، أكرر: لم تلدها ولادة، نعم لم تلدها ولادة، لأنه ببساطة لا وجود لمثل تلك العبقرية ولا لأية موهبة بالمرة؟ ولا أظن أنه قد نُسِىَ بَعْدُ ذلك الحاكم العربى الذى أنفق واقفا فى واحد من مؤتمرات حرب الخليج الأولى (كأى تلميذ غبى بليد ثخين العقل غليظ الإحساس لا أمل فى أن يتطور من المرحلة الديناصورية إلى المرحلة الإنسانية) دقائق عصيبة بل قاتلة مرت كأنها دهر، وهو يحاول أن يتهجى بضع كلمات لا راحت ولا جاءت كتبوها له بحروف فى ضخامة الفيل كى يقرأها فى ذلك المؤتمر أمام عدسات التصوير التى يشاهدها العالم كله، وهو يتهته ويفأفئ ويبأبئ ويتأتئ ويمأمئ ويفسفس ويبسبس ويمسمس، ولا يتتعتع (رغم كل هذه التأتآت والبأبآت والمأمآت والفأفآت والفسفسات والبسبسات والمسمسات) من موضعه ولا فيمتو مليمتر واحد فى الساعة، وكانت فضيحة مدوية! وكنت، والله العظيم، وأنا أشاهد ما يجرى، أتمنى لو انشقت الأرض وبلعتنى، تعاطفا مع المسكين. وتساءلت: ألم يكن الرجل، بدلا من هذه الشحططة والمرمطة، قادرا على ارتجال كلمة من تلك الكلمات السخيفة التى يزعجنا بها حكامنا فى الفاضية والملآنة ويظل المذياع والمرناء يحرق بها أعصابنا أياما وليالى ويفقع مصاريننا ومرارتنا أيضا بالحديث عن اهتمام العالم كله: العلوى منه والسفلى، والظاهر والخفى، وعالم الجن وعالم الإنس وعالم الملائكة، وعالم الحيوانات والطيور والحشرات والزواحف والديناصورات المنقرضة من قبل أن نصطبح بخلقة هؤلاء العباقرة بملايين السنين، إن كان لنا أن نصدق علماء الأحياء وطبقات الأرض فى موضوع عمر الأرض، وكيف أن العالم أجمع لا يهنأ له نوم ولا يروق له بال، ولا يهدأ له بلبال، إلا إذا شنّف آذانه كل يوم عدة مرات لعدة أسابيع بسماع الكلمة العبقرية التى لم يمر لها مثيل من قبل ولن يجود الدهر بهذا المثيل مستقبلا؟ لكن يبدو أن المسكين أراد أن يثبت للغرب أنه واحد من أولئك الذين يستطيعون فك الخط، فلم ينجح للأسف فى ادعائه، بل لم يقيض له الله أن يحصل ولو على ملحق. ثم يقولون: مراكز بحثية فى العالم العربى! شىء لله يا مراكز!

نعم هناك مراكز بحثية فى العالم العربى، لكن الذى يستفيد منها هو الغرب والولايات المتحدة بوجه خاص، وهذه هى الحقيقة الناصعة، بل الحقيقة الوسخة التى لا يفلح فيها أومو ولا بِرْسِيل ولا أى منظف كَحْيان عَدْمان من منظفاتنا التى كُتِب عليها السوء والرداءة كأى عمل نمارسه وأية صناعة ننتجها، أما حكامنا فهم فى الغالب يديرون أمور حياتنا كما كان يفعل أى فلاحٍ فى كفر من الكفور المصرية أيام زمان حين يتربع على المصطبة، وهات يا فتاوى فى كل أمور الحياة، وهو لا يعرف الألف من كوز الذرة. ألم يقولوا فى المثل: سكة أبو زيد كلها مسالك؟ فحكامنا، والحمد لله، سالكون تمام التمام و"جِدْعان آخر مجدعة"، ويعجبونك جدا، ومقطِّعون السمكة وذيلها، ويفهمونها وهى طائرة، ولا يحتاجون لشىء اسمه المراكز البحثية التى لو كان لدينا ذرة صدق وإنصاف لبللناها وشربنا عصيرها على الريق كى نستفيد شيئا مما أنفقناه عليها ولا نخرج من المولد بلا حمّص.

وأحب، قبل أن أترك هذه النقطة، أن أقول لمن سينخرط الآن فى فاصل من النقد للرجل وأمثاله: إنه ليس وحده هكذا، بل معظمنا كذلك بدرجات متفاوتة، وما المدارس والمعاهد والجامعات وما يُنْفَق عليها من مليارات سوى واجهات زائفة لا تخفى وراءها علمًا ولا جِدًّا ولا اهتماما بشىء، وإنما هو الوقت نضيعه دون تحصيل علمٍ جِدّىٍّ أو تطهير عقلٍ حقيقىٍّ أو اكتساب مهارة جديدة. وكلنا نعرف هذا، لكننا لا نريد أن نُقِرّ به رسميا، فهنيئا لنا! وقس على التعليم الانتخابات والمجالس النيابية والتأمين الصحى... وهلم جرا.

وهنا أجد لزاما علىّ رغم هذا أن أشير إلى ما نبّه إليه الدكتور مصطفى عبد الغنى من أهمية مثل تلك المراكز بما تمثله من سمة إيجابية "لأية دولة تسعى إلى النهوض وتحافظ على مكتسباتها القومية بأدوات البحث ورموزه، خاصة فى بلادنا العربية بكل ما تواجهه الآن من مخاطر. ففى هذا القرن من الزمان الذى شهد تطورا هائلا فى مختلف الميادين والحقول عُرِفَتْ عمليات الاهتمام المعرفى وتبادل المعلومة والمعرفة والخبرة العلمية ضمن إطارٍ مؤسَّسِىٍّ دائم هو ما نطلق عليه اليوم: "مراكز البحوث والدراسات"، فأصبحت الشعوب والأمم والحضارات تتبادل معارفها وتحافظ على مميزاتها وخصائصها انطلاقا من وِرَش العلم البحثية المنتشرة فى أرجاء المجتمعات المتحضرة. كما أصبحت مراكز البحث وسيلة فُضْلَى لعرض الـمُنْجَز الفكرى والعلمى والحضارى لأية أمة من الأمم. ويمكن أن تلعب فى حالتنا، حالة الصراع العربى الإسرائيلى، دورا إيجابيا إذا أحسنّا التعامل معها وبها" (ص 10). وهذا كلام طيب، بيد أنه يتعلق بما ينبغى أن يكون لا بما هو كائن فى بلادنا فعلا، اللهم إلا إذا كان قصده استفادة المثقفين لا الحكام، إذ لا أظن أن حكامنا بحاجة إلى مثل تلك المراكز أصلا للسببين اللذين سبق ذكرهما.

أما النص الثانى الذى عثرت عليه وأنا أعد هذه الفقرات، وأحببت أن أقدمه للقارئ هنا، فهو المقال الذى قرأته منذ عدة ليالٍ فى صحيفة "المصريون" الضوئية، وهو عن مواعيد امتحانات الثانوية العامة فى آخر هذا العام. و سوف يتسم الكلام هذه المرة بالتواضع لأننا لن نتناول فيه حاكما عظيما ممن يفهمونها وهى طائرة ويأتون بالذئب والثعلب أيضا فوق البيعة، ومعه الأسد (نعم الأسد الذى يغنى له الأطفال: ملك الغابة، يا ملك الغابة. تلاعبنى ملك والاّ كتابة؟)، بل وزيرًا "كُلّشِنْكَانًا" لا يهشّ ولا ينشّ من "العشرة بمليم" كالليمون فى الأيام الخوالى، أيام أن كان الليمون بعد العصر لا ينباع، وعنوان المقال هو "بلد عشوائيات"، وتاريخه 25 إبريل 2007م، وكاتبه جمال سلطان. يقول المقال، أو كاتبه إذا أردتَ الدقة: "بابتسامته العفوية الجميلة ظهر لنا الدكتور يسري الجمل وزير التعليم قبل أسابيع وهو يزف لنا بشرى أن جدول امتحانات الثانوية العامة هذا العام سيكون وفق اختيار أولياء الأمور والطلاب وبما يناسب الجميع، وبالتالي تم طرح صيغة مقترحة للجدول لتلقي المقترحات. ثم بعد أن تم الحصول على الملاحظات والمقترحات خرج علينا الدكتور يسري بنفس الصورة الحلوة المبتسمة وهو يعلن بسعادة وفخر عن إصدار جدول امتحانات الثانوية العامة الجديد. وعمم الخبر مع صورته الجميلة على الصحف القومية والمستقلة، لكن يبدو أن "الحلو" لا يكتمل، فبعد أن تأهل الطلاب والطالبات نفسيا للجدول الجديد، حيث تتم عملية رياضية ذهنية مثيرة جدا للفروق الوقتية بين المادة وأختها، إذا بنا نفاجأ بمعالي الدكتور يسري يعلن بشكل عاجل إلغاء الجدول الذي تم اعتماده، وذلك، حسب قوله، بناءً على شكاوى من بعض أولياء الأمور. طبعا ليس أي أولياء أمور، وإنما هم من أولياء الأمور الذين يملكون حق "الفيتو" في هذا البلد المغلوب على أمره. ثم أكد معالي الوزير على أن الجدول "المعدل" تم تعديله بعد حوار عبر "الفيديو كونفرانس" بحيث يأخذ صيغته الأخيرة. ثم خرج الدكتور يسري بنفس صورته الحلوة المبتسمة ليزف بشرى صدور الجدول، وبالتالي تعميمه على مديريات التعليم التي وزعته على المدارس التي قامت بطبعه، ومن ثم توزيعه على الطلاب. وما إن بدأ الطلاب يستقرون نفسيا بعد هذا القلق والتوتر حتى فاجأ الدكتور يسري الجميع أمس بنفس صورته الحلوة المبتسمة وهي تعلن أنه، بكل أسف، أن الجدول "المعدَّل" الذي تم اعتماده لامتحانات الثانوية العامة وتعميمه على المديريات والمدارس والطلاب لن يصلح وتم إلغاؤه، حيث خرج عباقرة الوزارة، بدون مشورة أولياء الأمور هذه المرة، بجدول جديد، يا رب يكون الأخير، خلطوا فيه المواعيد وأربكوا ما استقر في وعي الطلاب وذهنهم من ترتيبات. وقالوا إن الجدول الجديد "المطور" تم وضعه بناء على ظروف انتخابات مجلس الشورى المقبلة، وكأن جهابذة الوزارة وجيش مستشاريها لم يكونوا يعرفون أن انتخابات الشورى ستكون في هذا التوقيت. والحقيقة أن الناس ما زالت في حيرة: هل هذا آخر كلام الوزير أم أنه سوف يخرج بعد عدة أيام لكي يفتح الباب من جديد للحوار و"الفيديو كونفرانس" أو أن يأتيه الوحي في النهاية من قيادة نافذة تطلب منه تعديل الجدول من جديد فيظهر لنا الجدول "المحسَّن"؟ هذا الذي حدث يكشف عن مدى العشوائية التي تدار بها البلد. موضوع الثانوية العامة مسألة ذات حضور طاغٍ في الأسرة المصرية، ولها أولوية قصوى على كثير من شؤون الحياة. وهذا في تصوري خطأ، وأسبابه متراكمة، والمسؤول عنه أكثر من طرف، سواء في الجهاز الإداري والتعليمي أو التوظيف السياسي الفِجّ للعملية التعليمية أو في وعي المجتمع نفسه. فإذا كان العبث يتم في مسألة بهذا القدر من الخطر والحساسية، وإذا كانت هذه العشوائية تتم في قضية لا تحتمل عشوائية أصلا لأن المناهج والسياسات لم تتغير من عدة سنوات فيما يخص الثانوية العامة، فكيف بنا في تعاملنا مع بقية شؤون البلد؟ أو بمعنى آخر: كيف يذهب خيالنا إلى مدى العشوائية التي تتم في الأمور الأخرى التي لا نراها ولا نتابعها إلا صدفة وبدون قصد؟ لك الله يا شعب مصر".

هذا، ولى تعليق سريع وتافه على المقال ملخَّصُه أننا كلنا تقريبا ذلك الوزير، فلا ينبغى أن نتصور أننا طاهرون بُرَءَاءُ وأنه هو وحده المعيب، بل الكل يتصرف عشوائيا كالوزير وأَزْفَت منه. كما أن الميت لا يستحق كل هذه الجنازة الحارة، فالطلبة فى الجامعة على سبيل المثال لا يتعلمون شيئا يستأهل، بل كل ما هنالك أنهم يحفظون بعض الملخصات آخر العام يُسْقَوْنَها سقيا بملعقة ملوثة من كوز قذر لينسَوْها تَوَّ خروجهم من الامتحان، ثم هم لا يعرفون كيف يكتبون جملة واحدة، لا أقول: سليمة، بل جملة لها معنى، أما الخط فحدث ولا حرج، فهو فى غالب الأحيان شىءٌ مقئٌّ لا يمت إلى الكتابة بصلة، ولا أدرى من أين تعلمه هؤلاء المعاتيه الرسميون. وبالمناسبة فالملخصات يكتبها لهم واحد منهم أو طالب فاشل عنده كَمٌّ من الجرأة بل الوقاحة يخيِّل له أنه قادر على تلخيص مواد ومقررات لا يفقه فيها شيئا لأنه من نفس العينة والسلالة التى منها سائر الطلاب، فمن أين يأتيه الفهم والتحصيل؟ إن هو إلا عَتَهٌ رسمى بشهادة مختومة بخاتم النسر، الذى اقترح أن يستعيضوا عنه بأبى فصادة حتى يوافق شَنٌّ طبقة، وكان الله يحب المحسنين، ويكره الكسالى الثرثارين! ووضْع الطلاب هنا كوضْع من تدعوه إلى أكلة نظيفة شهية فى مطعم فخم فيؤثر عليها شطائر الفول والبطاطس من عربة فى الشارع مربوطة إلى حمار يغسل صاحبها أطباقه فى جردل موضوع تحت فم الحمار وأنفه، فهو (أى الحمار، أو صاحب الحمار: لا فرق) يشمه ويعطس فيه ويشرب منه، فضلا عن أسراب الذباب والغبار والهباب الذى يحط على الطعام ويغرم بها صاحبنا غراما وانتقاما! ولكن ماذا تقول فى الذوق الفاسد والطبع المعوجّ؟ مرة أخرى: هنيئا لنا!

وأخيرا هذا هو النص الثالث الذى وعدت القراء به، وهو يعطينا فكرة عن أحد المستشارين المقربين إلى رئيس أكبر دولة عربية. يقول د. عماد عبد الرازق تحت هذا العنوان الجانبى: "أسامة الباز متلعثما تليفزيونيا- أول وآخر مرة!" من مقال منشور بجريدة "القدس العربى" اللندنية يوم السبت 30 مارس 2007م بعنوان "الأعمال الكاملة لانتحاري إرهابي مسيحي، والمتلعثم الرسمي باسم الحكومة المصرية يتلعثم": "لو كنت من رئاسة الجمهورية المصرية لاستصدرت حكما قضائيا بالحجر على د. أسامة الباز ومنعه منعا باتا من الظهور على شاشة التليفزيون، أي تليفزيون، محلي أو عربي أو حتي يبث في كوكب عطارد. من أجل هذا الرجل المخضرم في عالم السياسة يجب استحداث منصب جديد خصيصا أقترح تسميته: "المتلعثم الرسمي"، وهو تنويع على وظيفة المتحدث الرسمي. لقد شاهدت الدكتور الباز ضيفا على برنامج "اليوم السابع" وكادت الدموع أن تفر من عيني حزنا وكمدا عليه. فما رأيت رجلا قط في مثل هذا الحيص بيص وهو يرد علي أسئلة محمود سعد. واحد من أكثر المذيعين المصريين لزوجة ومطاطية، فهو المترفق دوما، الحنون للغاية علي ضيوفه، تأخذه الشفقة بهم حتي تخاله سيركع أمامهم ويقبل أياديهم طلبا للصفح والمغفرة إذا ما تسبب أحد أسئلته في إحراجهم أو إزعاجهم أو أي شبهة من هذا القبيل. ولهذا أيضا تجده يسبغ عليهم من كرم الضيافة أطنانا من عبارات المديح والإطراء. يتحسس طريقه نحو الأسئلة بعد أن يخففها ويهندمها ويهذبها ويقلمها ويشذبها، ويطعمها بجمل وعبارات اعتراضية واستطرادية من قبيل: "علي سبيل المثال" أو "لنفترض جدلا أو لنتخيل، و أنا لا أقول إنك قلت كذا أو فعلت كيت"... وهكذا إلى أن يبعد جميع الشبهات والشكوك والايحاءات عن فحوى السؤال حتي يصير مائعا ساقعا لا طعم له ولا لون ولا رائحة. مع كل هذا كان د. أسامة الباز كارثة تليفزيونية بكل المقاييس. نعم كان الرجل أشبه ببطل تراجيدي في إحدى المآسي اليونانية العظيمة الخالدة، البطل الذي كان نبيلا حتي سقط سقطته التراجيدية نتيجة علة أو خلل في شخصيته، فحلت عليه لعنة الآلهة وسقط من عليائه مضرجا في أهواله التي صنعها مزيج من قدره الغشوم وحمقه أو النقيصة الأخلاقية المتأصلة فيه. على الرغم من أن د. الباز لم يكن في يوم من الأيام بطلا ولا يحزنون، لكن هكذا على الأقل كان الناس يحسنون الظن به، وأنا واحد منهم مع كل هذه المناصب التي شغلها في قمة الهرم السلطوي لأكثر من ثلاثين عاما، إلى أن شاهدته متحدثا تليفزيونيا. نعم أحسست بالشفقة كما نحس بالشفقة على أوديب الذي فقأ عينيه أو هاملت غارقا في جحيم شكوكه وهلوساته وانجرافه نحو هاوية الجنون، يطارده شبح أبيه المغدور بالتآمر بين أمه وعمه الخؤون، أو الملك لير وقد استبد به الجنون والخرف. أشفقت علي الدكتور الباز ولعنت من نصحه بالموافقة على الظهور في البرنامج ليدلي بهذه الإجابات المهترئة، والتبريرات المهلهلة لسياسات لا يجرؤ حتى على تبنيها أو ادعاء أنه كان من صانعيها، وحين ينبري للدفاع عنها (كلمة "ينبري" كبيرة إلى حد ما)، حين تساوره نفسه الأمارة بالسوء أن يدافع عنها، تكون الطامة الكبرى وينكشف المستور. كان الرجل يتلعثم تلعثم من ضبط متلبسا كما ولدته أمه في وضع مخل بالآداب، يهرف بكلمات وعبارات لا تعني شيئا البتة، ومضيفه المسكين يجاهد ويكابد في أن يستخرج المعاني من وسط ركام الهراء الذي ينسكب من فم الرجل الباز (وياللمفارقة في اسمٍ ليس علي مسمي بالمرة، فهو أبعد ما يكون عن "الأسامة" وعن "الباز"). وكلما شط الدكتور واشتط يعيده محمود سعد بأدبه المتصنع لدرجة التزلف إلى لب الموضوع ويعيد على مسامعه السؤال عينه بشحمه ولحمه ودمه، ولكن دون جدوى  تذهب جهوده المضنية أدراج الرياح. إنه حتى لا يجيد التهرب من الأسئلة، ولم يدل بتعليق واحد تشتم منه رائحة الذكاء أو الألمعية. تتعقد منه الخطوط، ويتوه في الزحام وتخونه الكلمات وتضيع منه الأفكار، ونضيع معه ونحن نعتصر جباهنا لنتأكد أن البلاهة لم تحط علينا فجأة، ونفرك آذاننا لنتأكد أن الصمم لم يعترها بعد، ونحملق في الشاشة ونفرك عيوننا لنتأكد أن هذا هو د. أسامة الباز مستشار رئيس أكبر دولة عربية للشؤون السياسية بشحمه ولحمه ودمه وقده وقديده، حامل الدكتوراه من بلاد العم سام. ويا ميت ندامة ع الفرع العدل لو مال. كانت المناسبة مرور "عُشْرُمِيت" سنة علي مبادرة الرئيس السادات وزيارته للقدس".

كذلك أبرز كاتب مادة "think tank" فى "الويكيبيديا" ما يوجَّه إلى هذه المراكز البحثية من نقد، وهو ما لم يفت مؤلفنا فذكره فى كتابه ونبّه إلى الأخطار والمصائب التى تقع على رؤوسنا من وراء المراكز الأمريكية بالذات. ومن هذا النقد أن أعضاء تلك المراكز لن يمكنهم مقاومة الرغبة الطبيعية فى استمرار الدعم المالى الذى تقدمه هذه الجهة أو تلك ويدخل بطبيعة الحال جيوبهم، فنراهم يتخَلَّوْن بدرجة أو أخرى عن الحيادية المطلوبة منهم أو على الأقل: المفترضة فيهم، ويقدمون من النتائج ما يرضى أولئك المموِّلين محوِّلين من ثَمّ تلك الأجهزة إلى توابعَ أيدلوجيةٍ لمن يدفعون لهم، توابعَ تعمل على تشكيل الرأى العام وتوجيهه إلى الناحية التى يريدها هؤلاء حتى لو كان فيها مخالفة صريحة للعلم ونتائجه، كما هو الحال مثلا فى عمل بعض تلك المراكز على التشكيك فى أن يكون التدخين السلبى مؤذيا لصاحبه على عكس ما انتهت إليه الأبحاث العلمية فى هذا السبيل، وذلك خدمةً لشركات الدخان. يقول كاتب المادة:

"Critics such as Ralph Nader have suggested that because of the private nature of the funding of think tanks their results are biased to a varying degree. Some argue members will be inclined to promote or publish only those results that ensure the continued flow of funds from private donors. This risk of distortion similarly threatens the reputation and integrity of organizations such as universities, once considered to stand wholly within the public sector. Defenders state that think tanks arose to challenge the liberal orthodoxy of the universities in place starting in the 1970s.

Some critics go further to assert think tanks are little more than propaganda tools for promoting the ideological arguments of whatever group established them. They charge that most think tanks, which are usually headquartered in state or national seats of government, exist merely for large-scale lobbying to form opinion in favor of special private interests. They give examples such as organizations calling themselves think tanks having hosted lunches for politicians to present research that critics claim is merely in the political interest of major global interests such as Microsoft, but that the connections to these interests are never disclosed. They charge, as another example, that the RAND Corporation issues research reports on national missile defense that accelerate investment into the very military products being produced by the military manufacturers who control RAND. Critics assert that the status of most think-tanks as non-profit and tax exempt makes them an even more efficient tool to put <FONT face="Time




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home