دراسات هامة

 

بين قرنين(2)

محمد الشامي



مؤتمرون ، مأمورون ، متآمرون

محمد الشامي

لن نستعيد ارث مؤتمرات القمم العربية فليس فيها ما يشجع على ذلك وأن كان فيها الكثير مما يستوجب التوقف عنده مما بني عليه خلال الاعوام الماضية ،لذا سنبدأ من قمة بيروت والتي تعد اخر الققم العربية التي خرجت بأتفاق بين المحاور السائدة على مشروع الحد الادنى ، جاء ذلك فيما العراق يهيأ للانقضاض عليه ، وعرفات سجين اسوار المقاطعة وأسير الاتفاقيات الموعودة التي لم تنفذ منذ مدريد وحتى اوسلو ، وقد بدا واضحا خلال التحضير للمؤتمر السياق الامريكي الذي يقول اعطونا العراق فنعطيكم دولة فلسطينية مؤقتة ، ولما تأكد للمؤتمرين عبر رسالة عرفات الصوتية للمؤتمر ان الصهاينة ومن خلفهم الادارة الامريكية ليسوا في وارد تقديم شيء فلسطينيا وأن الامر ليس اكثر من مقايضة عمياء مرحلية هدفها تخفيض سقف قرارت المؤتمر الى الحد الذي لا يتناقض مع المشروع الامريكي في المنطقة ، ارتبك المؤتمر وكاد ان ينفجر من الداخل ، وعليه فأن قرارته والمعروف انها كانت حبرا على ورق لم تكن لتساوي ثمن الورق والحبر التي كتبت عليه كما قال شارون حينها ، هذه القرارات جاءت بالحد الادنى المتوافق عليه عربيا وهو مرفوض امريكيا وصهيونيا ، الا انه يجب الاشارة هنا الى ان سقف قرارت المؤتمر كانت اعلى من سقف اوسلو الذي وافق عليه عرفات فقد جاءت المقررات تتحدث عن انهاء الصراع الفلسطيني الصهيوني قبل المباشرة بالتطبيع مع الكيان على المستوى العربي رافدين هذا الشرط بشروط تفصيلية تعني الجنوب اللبناني بما تبقى محتلا من ارضه ، والجولان المحتل ، ومسألتي القدس واللاجئين ، وبالتالي جاءت رزمة القرارت رغم اعتراضنا عليها ، مخالفة للشروط الامريكية السائرة في سياق التحضير للحلقة العراقية في المشروع الشرق اوسطي ، وعلى الرغم من تجاوز معظم الانظمة سقف المقررات منذ ذلك الحين وحتى الان خصوصا بشأن العلاقة مع الكيان الصهيوني ، او في مسألة توحيد مسارات القضايا العربية المشتركة ، الا ان ضباب الحرب على العراق والدخان المتصاعد من اعصاره قد غطى الحركة العربية المنقوصة وغير الملتزمة بقرارات القمة ، الا ان كل هذا لا يزال يعتبر تجاوزا للمقرررات ، كما انه لا يفي بالغرض المنشود للادارة الامريكية حيث ان الاداء العربي الرسمي الحالي لا يزال دون مستوى الحدث ودون مستوى الخطة والمزايا التي انتجتها الهجمة على العراق والتي ارست منهجا جديدا لتتمجور حوله صراعات المنطقة وتسهم في اخراج الادارة الامريكية من المستنقع العربي بأقل حجم من الخسائر دون اضطرارها للخروج النهائي بل بالانسحاب الى الخط الامن خلف الصراعات التي تم افرازها مذهبيا وعرقيا وقوميا لتشكل البديل الداخلي العربي للمشروع بدل ابراز بنيته الامريكية والتي لا يضمن احد عدم التعارض معها .

ومن هنا فأن القمة المزمع عقدها في العربية السعودية في النصف الثاني من شهر اذار القادم عليها مهام جسام ، تقتضي تدوير الزوايا بين المشروع الامريكي للمنطقة والمشروع العربي في قمة بيروت والذي كان صاحبه ومقدمه للمؤتمر الملك عبدالله ملك السعودية الحالي ، بحيث يتم حذف الشروط القاضية بربط عملية التطبيع مع الكيان بالحل النهائي للمسألة الفلسطينية ، كما وان التعويل على استمرار كون القضية الفلسطينية هي شأن عربي مسألة تقتضي اعادة النظر بها بعد محاولة انتزاع اعتراف حماس بوجود الكيان بأي شكل من الاشكال حتى لو كان الدم الفلسطيني المحرم ثمنا له .بحيث يتم اختزال الامر بأعتباره خلافا حدوديا يمكن للعرب فيه ان يكونوا محايدين وعلى مسافة واحدة من الافرقاء الفلسطينيين والصهاينة . وعليه فقد رأينا حال التهدئة التي ارتسمت ملامحها في مكة المكرمة توطئة للمؤتمر من اجل انجاحه بأعتبار ان المسألة الفلسطينية كانت دائما اداة تفجير في يد اخصام المشروع الامريكي في المنطقة .

اما الاتجاه الاخر للقمة القادمة فيتلخص محوره بتبديل اولوية الصراع من كون الولايات المتحدة باتت تحتل اراض عربية ، كما حال الصهاينه تماما ، الى البديل القومي المتمثل بالتهديد الايراني الفارسي المستهدف للدول العربية عبر نشر مذهب التشيع ، والبحث عن مدلولات له في اطار المثلث الشيعي الذي انلقت رؤيته من مصر وعبرت خط المملكة الاردنية وصولا الى العربية السعودية ومعظم دول الخليج ، في محاولة لا تخلو من السذاجة ولكنها ليست من البراءة في شيء ، فهذا الاستهداف لا يقل خطورة عن سريان الدم العربي عبر خصوماته الداخلية وهو ما تم الاستعداد له في الجهتين المشتعلتين في فلسطين ولبنان كبديل عن التوافق في القمة يمكن عبره ان تكتب مؤشرات المستقبل بناء للمعطى الامريكي على قاعدة الصراعات المذهبية والقومية . ويبدو واضحا ان الشروط الامريكية في هذا السياق لا تقبل الجدل ودليلنا على ذلك التصريحات التي انهت بها كونوليسا رايس جولتها الاخيرة في المنطقة والتي قالت فيها تعبيرات غاية في الوضوح لا لبس فيها تعني الدور العربي في الية الصراع وتكتيكاته وخدمته للمشروع الامريكي اضافة الى تعويض الخسائر التي مني بها الكيان الصهيوني على لصعيد الاستراتيجي في خسارته لحرب تموز الاخيرة امام التصدي البطولي لحزب الله ، وامام الصمود الفلسطيني الكبير الذي لم يرى في ظل العواصف التي تضرب المنطقة بحيث لم تتمكن كل الانظمة العربية ومعها اوروبا من تطويع حماس والمقاومة الفلسطينية لاجل تحرير الجندي الصهيوني . وهو ما اشاع جوا من الاحباط داخل الكيان ومؤسساته وفرض نوعا من النقاش الجدي ولاول مرة حول امكانية استمرار الكيان من عدمه . وحتى لا ننسخ واقعا من خيال للنقل ما جاء في تصريحات رايس الاخيرة في مؤتمرها الصحفي المشترك مع وزير الخارجية السعودي والذي لم يأت على اي رد من اي نوع ولا حتى تلميحا بما يتناقض مع تصريحاتها بل قدم الغطاء الملائم لهذه التصريحات ومحتواها ومما جاء فيه ...( ورأت وزيرة الخارجية الأميركية أن “هناك مجموعة من العوامل، مثل الخوف المتصاعد من المجموعات المتطرفة لدى التيار العربي الأساسي بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان، وهو ما يعطي الأخصام التاريخيين، مثل السعودية وإسرائيل هدفاً استراتيجياً مشتركاً”.
وتتابع رايس “أنه بناءً على هذا التحوّل في الاصطفافات، أعتقد أن لدينا اليوم فرصة لتحقيق تقدّم أكثر مما سبق”.
وأضافت رايس “أريد التشديد على حقيقة أن الناس في الشرق الأوسط ينظرون إلى اهتماماتهم بشكل مختلف اليوم”. وأوضحت “إنهم ينظرون إلى مصالحهم اليوم على أنها جزء من استراتيجية أوسع”.
ورأت رايس أن العدوان الإسرائيلي على لبنان “كانت له مساهمة أساسية في تغيير الاصطفافات”. وقالت إنها تنوي “إنشاء إطار عمل جيو ـــ سياسي في الشرق الأوسط يجمع المعتدلين السنة والشيعة في حلف قوي في مواجهة المتطرفين السنة والشيعة”.)

تدلل هذه النصوص والتي لم نورد ما تبقى منها لحاجتها لموضوع مستقل لنقاش يقتضي التفصيل على المستوى الاستراتيجي ، الا اننا اقتبسنا ما تقتضيه ملامح توضيح المرحلة المطلوبة في هذا القسم من الدراسة ، وأن تساءلنا هنا ما هو الهدف الاستراتيجي التي تعنيه رايس الذي يجمع بين السعودية والكيان ، وقد يتراءى للبعض من موقع الاستعجال انها تعني ايران ، ولكنها في الحقيقة تشير الى متعدد من الامور والاستهدافات تبدأ بالشأن الايراني ، ولا تنتهي عند مسألة فصل القضية الفلسطينية عن مقتضاها العربي ، مرورا بالتعايش مع الاعتدال الشيعي في العراق وضرب تطرفه في لبنان ، هذا في ظل البحث الحثيث عن معتدلين عرب ومسلمين سنة يقتضيهم تفعيل الدور السعودي في اعادة مأسسة النظام العربي على اسس لا تأخذ باعتباراتها ما تم حتى الان في سياق الجامعة العربية من مقررات ومؤتمرات واستدراكا من بنى قومية ولو لم تعجبنا بل هي في محط وجودها وتسمياتها باتت تشكل خطرا ولو رمزيا يهدد المشروع الشرق اوسطي للولايات المتحدة . وهي اشارت من لدن خبير عليم بأمور العرب انهم باتوا يعتبرون انفسهم جزءا من الاستراتيجية الامريكية وليسوا في موقع الصديق او المحايد بل في موقع التفاعل الفاعل والمؤدي للدور وهو ما يقتضي نتغيرات جذرية لا بد ان تكون في الموقع الاهم من حيث البنية العربية الا وهي مؤسسة القمة والتي هي مبتغى المتغير الاتي . ولكي لا نبقي شيئا لتأويل فالساسة العرب الذين ارتضوا الاصطفاف على قاعدة وجودهم الاستراتيجي ضمن الية المشروع الامريكي ليسوا في معرض التراجع ، ولا نقد المرحلة بعد ان ينتهي دورهم وتلفظهم الخطة من حيثياتها ، بل يؤثرون الاستمرار بالصمت حفاظا على ما يدعونه من بطولات ، رغم انفضاحهم على المستوى الشعبي ورغم فضح حلفائهم لهم ، الا انهم يعتقدون ان التاريخ يكتب بحروف سوداء تغطي عيوبهم وتامرهم ولدليل ما حدث مع ياسر عرفات لهو من الوضوح بمكان اذ انه وبعد كل ما جرى له من خذلان عربي وتأمر امريكي صهيوني نزع عنه ورقة التوت الاخيرة وسجنه في مقاطعته بأنتظار قتله وهو يعرف هذا جيدا ومن حوله ، الا انه اثر الصمت على كلمة حق يقولها ليبين للناس ما تم ارتكابه وليسأل شعبه والله العلي القدير المغفرة ،لقد اثر ان يبقي على زيف الزعامة بدل ان يكتبها في صفحة مشرقة من الاعتذار توقع بالاعتراف بالحقيقة ، وهو ليس فريدا في هذا فقد اصاب الرئيس العراقي صدام حسين المرض نفسه اذ انه وفي معرق التحقيق والمحاكمة العلنية له او عبر محاميه كان يمكنه ان ينشر من الوقائع ما تفيد شعبه برؤية الواقع وتسهم بشكل جدي عبر تعرية المواقف العربية والامريكية في العديد من المفاصل كالحرب مع ايران واجتياح الكويت بتحقيق اوسع المشاركة في النضال ضد الاحتلال لطرده الا انه اثر البطولة الساقطة على التوبة ، ولا يخفى على احد ذاك القذافي القابع في خيمته لم يعد له من تاثير حتى على ولده فتم عزله وهو صامت بأنتظار القبر يضمه مع سلوكه الذي لا يستطيع انسان ان يجد له تفسيرا في تناقضاته .

سنختم بعد هذا الجزء برؤية لمواقع القوة والضعف وامكانية الصمود وتحقيق الانتصار ، مفاصل قد تغيب عن اذهان البعض لما ترسمه له صورة الواقع من توصيفات علنا نكون قد استجمعنا بعضا مما يجب علينا قوله تمهيدا لما يتوجب فعله ، واضعف الايمان كلمة حق تقال .

                                                          ( يتبــــــــع )

                      للانتصار مقومات !! فهل نملكــها ؟؟

قبل الحكم على تجربتنا علينا ايجاد وحدة قياس لفهم تجارب الانتصارات او الهزائم حولنا ، وكيف حيكت خيوطها ، ولتكون النظرة حقيقية تخدم الهدف ( الانتصار ) فيجب ان تكون موضوعية نقدية مجردة في تحديد المعالم عن الهدف عينه ، لضمان عدم تداخل العوامل الخاصة بالعامة ، وليس القصد تعليب النظرة لتكون اطارا فلسفيا لا يتصل بالواقع ، ولكن لن يجدي نفعا اغراقها بالحيثيات المرتبطة بالعاطفة المتوسلة الانتصار من عالم الرغبات ، والتي عادة ما تضفي لمعانا وبريقا زائفين على التحليل ، والانتصار فيه مفاصل ذاتية وأخرى موضوعية لذا علينا الاخذ بالمقاييس الضرورية بناء لمنظور علمي ، اذ ان الانتصار في معركة ما من الممكن ان لا ينطبق على اخرى حتى ولو كان التشابه كبيرا ، اذ ان حجم المعركة وقوة الخصم ، وتحديد مسارها والعوامل الضاغطة ، وقياس العوامل المساعدة امور غير ثابته وتتغير تبعا لامور عدة ، لذا ففي حالة المعركة التي تخوضها الامة في مختلف ميادينها ومواقع الصدام فيها ، لا تختلف عن المواقع غير الصدامية اذ ان اي امة لا تقاتل بكل مقوماتها حتما الى زوال ، فأغفال العوامل التاريخية او الثقافية والبشرية وابعادها عن الالتحام بالمشروع العام للخطة يحبط الانتصار مهما كان يبدو قريبا ، وكذا فأن الانتصارات التي تبدو صغيرة في ميادين من هذا النوع انما تشكل مسند التراكم الجزئي على طريق تحقيق الانتصار الكبير والحاسم ، وعليه فأن قياس المعركة التي تدور رحاها حاليا بناء لمعطيات ومقدرات غير مكتملة الصورة ، يأتي بخطط مجزوءة في الصراع تفضي حتما الى ما يمكن تسميته بالانتصار المنقوص ، او يتسم بالضعف والوهن ، والدفاع عنه يبدو اقرب الى المستحيل .

واهمون من يعتقدون ان حرب الامة التي تخاض اليوم بشراسة قل نظيرها ، تحتاج الى مقومات من النوع الذي خيضت فيه معارك على المستوى العالمي من النوع المشابه . فالاسلحة التقليدية وغيرها من الانواع الاستراتيجية لا يمكنها حسم المعركة من اي من الطرفين ، ولا الحشود البشرية من حملة البنادق والاسلحة ( مع عدم التقليل من اهمية التسلح والاستعداد بأعلى المستويات الضرورية ) اذ انه في هذا المجال وضمن قدرات اخصامنا على استخدام التطور التكنولوجي والعلمي ، وفي ظل استمرار هيمنة الانظمة التي تحكمنا والتي تشكل بالاضافة لكونها جزءا من الخطة المضادة ، فهي تشكل سدا منيعا في سبيل الوصول الى مرحلة من التوازن الاستراتيجي مع اخصامنا بغض النظر عن اسبابها ودوافعها ، ولكونها جزءا من برنامج حماية الشهود المعادي ، ولقدرتها على التلون السياسي والديني حسب الحاجة فأن البحث الموروث من الاحزاب ذات الصفة القومية التي رفعت تحرير الانظمة والشعوب  من حكامها كسبيل للخروج نحو توحيد جهود الامة عبر وحدة شعوبها وأنظمتها انما يعتبر الان مقولة خارج اطار التاريخ ، اذ انه ومن الواضح بالدليل والتجربة ان قدرة الانظمة على المقاومة والصمود في وجه القوى المعارضة لها يكبر كل يوم وأن هامش مناورتها يتزايد ، خصوصا بعد المتغيرات غير المسبوقة بأستحضار الارث القومي لدى الانظمة ذات الصبغة الدينية ، وتعميد الانظمة ذات الفكر القومي بماء الحياة الديني مما يجعل من طاقات القوى المتعارضة معها تحتاج الى خصوصية غير عادية للتكيف مع خطة المقتضى الضروري لتحقيق نتائج ملموسة في حسم الصراع بينهما ، لذا فأن البحث مجددا عن وحدة مصطنعة هنا وأنظمة تقدمية هناك وبلورة الاطر الجامعة التي تنتهي بمزيد من الفرقة والتشتت هي اخر ما نحتاج اليه اليوم . ولهذا قلنا ان الاسلوب المعروف في معارك استراتيجية مشابهة لا تفضي للحسم الان ، وبمعنى اكثر وضوحا لا يمكن الفوز بقنبلة نووية على مدينة عربية ، ولم تعد احتلال عاصمة كبرلين يسقط المنظومة العربية ، والدليل على ماتقدم ان ما اسقط على لبنان خلال حرب تموز الاخيرة في اربع وعشرين ساعة من اطنان من المواد المتفجرة يفوق القنبلة التي القيت على هيروشيما ، اما احتلال العواصم فبيروت وبغداد وقبلها القدس والكويت ، ناهيك عن عواصم عديدة محتلة دون قتال او اسلحة او جيوش ، لم تؤد الى اعلان الاستسلام العام ، هذا لا يعني ان استسلاما لم يقع ولكنه من النوع الاستنسابي الذي يحمل همومه الخاصة ويكيل بها هموم الامة وليس العكس ولذا لا يمكن اعتباره استسلاما بالمعنى الحقيقي المجرد للكلمة .

كما وأن استعارة اساليب الماضي القريب او البعيد من قبل اخصامنا لن يصل الى المبتغى الذي يطمحون اليه ، لذا فأن اساليب ادارة الصراع وقراءة اولوياته وخططه نحو تحقيق وقائع الانتصار لن يكون من جانبنا تبعا لرؤى اثبتت فشلها خصوصا ما بات علينا استخراجه من تجارب الفشل السابق والذي يشكل بحد ذاته مسؤولية الوطنيين في الاسهام بتوصيل الامور الى ما هي عليه الان عبر ضعف الرؤيا واستنساخ الفكر والبرنامج وصولا الى عمل تحويلي في البنية الطليعية ، اذ من الواضح اننا يمكن ان نؤرخ للشيوعية العالمية عبر البحث في اداء الاحزاب الشيوعية العربية ولكننا لن نستطيع ان نؤرخ للامة العربية عبر البحث في اداء هذه الاحزاب ، والامر ينطبق على الاحزاب القومية والدينية على حد  سواء ، ننطلق من هذا لنصل الى القول ان سبب الفشل السابق ينطوي على قراءة خاطئة لحقيقة الصراع الذي جزأ عناصر القوة والوحدة وفتتها ووضع بينها السدود وابعد مسافاتها وصولا الى العدائية في بعض المراحل ، هنا يمكن بدء اطلاق ملخص الصياغة كهدف للبحث عبر تحديد من نحن كمنطلق واساس للبناء عليه ( نحن امة عربية الجسد اسلامية الروح ) لذا فأن استخدام الجسد دون روح يعتبر في العرف الانساني مواتا ، واستخدام الروح دون الجسد امر قد نقر به ولكن لم نلمسه ولا امكانية في حقيقة الوقائع الحالية من التأكد منه ، لذا فأن اطار الانتصار الاول او قاعدته الفكرية والمنهجية تعتمد على ايجاد العلاقة الصحيحة والرابط الاكيد ، دون مواربة ولا تصنيع مؤقت ، عن ماهية الربط بين القومية والدين لصياغة الفكر والمشروع على قاعدة جديدة كليا لم نطأها في امتنا الا في المراحل الاولى من الرسالة الاسلامية تلك التي بنيت فيها الدولة ووضعت ركائزها .ولا بد هنا من التأكيد ان عملية اعادة صياغة علاقة قوى دينية بأخرى قومية كبديل عن الحقيقة لن يجدي نفعا بل يتوسل المزيد من التأريخ المزور والانتكاسات ، المطلوب بحث فكري عقائدي فيما يشكل القواسم المشتركة بين القومية والدين وتحويله الى برنامج يعنى ببناء الطليعة والتي لا بد لها من وسائط انتشار افقية لا عامودية تنفلش مع الانتشار البشرى وليس على قاعدة التميز الثقافي او علم الدين التشريعي .هي دعوة لاعادة اطلاق البحث حول الفهم القومي المغلوط والمشوه لاطار وجودنا القومي بعيدا عن التمايز العرقي الشوفيني الذي اسر الثقافة لدى امم اخرى فأرتفع بها خاطئا فوق مستوى الواقع فكانت نهايتها ، هي دعوة لقراءة العلم الديني الصحيح الذي يتمايز بالاجابات والتساؤلات على كل المعضلات بعيدا عن مشتبهات الفتاوى السلطوية او التحكم بمسار العدل والنظم الالهية بغية خدمة المراجع التي انتجها سوء فهم حينا وفهم واضح وتلاعب حينا آخر ، دعوة لاعادة انتاج فكر ديني ، لا انتاج دين جديد متهاود مع صيغ العصر ، المتكالبة على القصعة ، تعيد الى الفكرالديني حقيقة معطياته في العلاقة مع الاديان والمعتقدات الاخرى ، ولا يكون هدفها تطويع الدين لاي مصلحة كانت حتى ولو كان الانتصار عينه ، ولا تطويع القومية بركائزها للهدف عينه ، هي دعوة لاعادة رسم خطوط التاريخ والجغرافيا والوعي والثقافة ، وفهم كل المتحولات من المبتدعات الفكرية لا رفضا لها  بل تجانسا مع رؤية حضارية تقتضيها مصلحتنا القومية ، اما البحث الفوري عن نقاط التقاء محتملة مع اطر قومية مشابهة وتحميل واقعنا المتردي وزر الاعتقاد بما يمكن انتاجه مستقبليا من العلاقات فيه ظلم كبير لمشروعنا ، ونحن بغنى عنه في مطلع مشروع يضع لبناته الاولى في سياق استعادة المفقود من وضوح الرؤيا .

انه مجرد طرح اولي يستهوي النقاش ويستهويه ، ولا ادعي ان الصورة المطروحة قد المت بكل المقتضيات فنحن خطاؤون مهما علت الهمم وسلمت النوايا ، فلا دخل للعواطف بالعمل الوطني ، ولا يوجد بعد من يستطيع الادعاء انه يمكنه رسم معالم الطريق لامة عريقة بفردية فكرية مهما تراءى له صحتها ،وجدير بنا ان نترك للبحث والنقاش ما يثمر لأن الدوائر المغلقة في استنباط الفكر تشكل مقتلا لهذا الفكر مهما سمت اهدافه .

ولا بد من الاشارة في ختام هذا البحث ان الكثير من الثنايا قد تم اغفالها اذ ليس من الممكن الاحاطة بمسألة في هذا المستوى من التعقيد ، كما وان التشعبات التي تقتضيها الصورة الواضحة تستلزم بعضا منها الى بحث مشابه كاعادة انتاج البحث في المسألة القومية وتجربتها وكذلك في الموضوع الديني فكرا ومنهجا ،وارجو ان اكون قد وفقت في رسم صورة تتحدث عن اشراقة جديدة لشمس طال غيابها نورا ودفئا فبهتت الواننا واصكت اسناننا وتغيرت معالمنا الانسانية على وقع ضوء مصطنع .

 

 

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home