مقال

 

مظاليم هذا الجيل !

أحمد عبد الله



 عندما أقول " نحن جيل مظلوم " ! ...

فهذه العبارة ترضينا نحن الشباب, لأنها تريحنا و ترفع عن كاهلنا المسؤولية.. فهي الشماعة التي نعلق عليه همومنا و الوسادة التي تنام عليها إرادتنا و الحجة البليغة التي ندمغ بها يقظة ضميرنا.. و لأننا معها بريئى الذمة ,معفيين من  الحساب ,مشكوريين على طول الصبر  .. فليست معاناة هذه الأمة من فعل أيدينا و لا كانت ذنوبها فى رقابينا بل نحن الذين ولدنا لنجد رقابنا ترسف فى أطواق للفقر و الجهل  هى من صنع الأباء .. و الذى يلوم علينا يظلمنا مرة أخرى , و الاولى به ان يواسينا أو يتأسى بنا و يتعلم الصبر و طولة البال !

و لكن الحقيقة كعادتها مرة .. و الحقيقة أننا نحن الذين نظلم أنفسنا بحجة التخفيف عنها  و نسارع بتأنيب الأباء و التنديد بزمانهم قبل أن تشير أصابع الإتهام إلينا .

لقد كنا نفضل أن نولد و قد سبقتنا إلى الوجود إيات الدعة  و أطايب الرخاء و لا عيب فى ذلك .. و لكن العيب الكبير فى أن نتنصل من مسؤوليتنا أمام أنفسنا و نذبح أحلامنا قربانا لراحة بالنا و نقرر الإنسحاب المبكر من الحياة بالرغم من أنها تحيا فينا فنكون كموتى حكم عليهم بالحياة أو كفراغ شغل حيزا فى الوجود ..

إن البكاء على أطلال الماضي لن يقدم و لن يؤخر , فالماضى لا يعود لا بالبكاء و لا بغيره و لكن المستقبل هو الذى ترسمه أحلامنا و تخطط له عقولنا و تصنعه أيدينا , وأيدينا لن تكون جاهزة للعمل طالما ظللنا نشير بها إلى أباءنا مرددين فى صوت واحد " أنتم السبب"! ... و عقولنا لن تقوى على التخطيط طالما ظل السخط الذى لا يتجاوز نفسه و لا ينتظر شيئا من بعده هو ديدانها.. و أحلامنا لن تقوى على البقاء للحظة , فسوف تقتلها خنقا رائحة اليأس الكريهة !

أننى أعرف مدى الملل الذى بات يثيره الحديث التقليدي عن "المعجزة اليابانية " أو " المعجزة الألمانية " و أعرف أيضا أننا سمعناه كثير و لم نتعلم شيئا .. و لكن أحد لا يستتطيع أن يغفل هذا الحديث إذا كان بصدد الشكوى من فتور العزيمة و هزالة الإرادة ..

فشباب ألمانيا و اليابان بعد نهاية الحرب الكبري عرف ما هو الحضيض و كيف يكون العيش على الحديدة و كيف تصبح الحياة ظلام دامس لا تسكن الأجواء بارقة نور ..و لكن النور الذى عاش فى قلوبهم لم ينطفىء, فقد غمرهم الأمل و احتضنهم حلم النهوض بعد ضربة الإنكسار الرهيبة مع أن هذا الجيل كان من حقه أن يصب كل اللعنات فوق رؤوس أباءه , كان من حقه أن يعيش عمره كله و هو يصرخ رثاءا على أمته التى سقطت فى حلم البصر بعد طول علو .. و لكنه لم يفعل ذلك , فكتم الصراخ فى قلبه و حبس الدموع فى عينيه و راح ينشد نشيد الأمل و ينثر بذور الخير و أعلن على نفسه السخرة , سخرة الأيادى و العقول و الأقلام من أجل الإصلاح و البناء و لأول مرة نرى المستحيل على أرض الواقع  لحما و دما و مصانعا تقف شامخة فى " طوكيو" و "فرانكفورت" و "برلين" بعد أقل من عشرين عاما ! و يقف العالم مشدوها ,  يحنى الرؤؤس و يرفع القبعات لهذا الجيل العظيم .

فإذا كان أباء هذا الجيل فى ألمانيا و اليابان قد تركوا لأبنائهم الخراب المحض ثم كان من أبنائهم أن فعلوا ما فعلوه .. فخير لنا أن نقبل رؤوس أبائنا لأجل ما فعلوه من أجلنا و نقول فى نفس واحد " نحن جيل محظوظ!" ثم ننتبه للمستقبل الذى يمتد فى الأفاق منتظرا .. و حتى يأتى من بعدنا جيل يفخر بنا بدلا من أن يلعنا ! 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home