مقال

 

التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع 2007

صالح سليمان عبدالعظيم



التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع 2007

الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة

دور اليونسكو في المجالات الثقافية والتعليمية والإنسانية:

 من بين منظمات الأمم المتحدة العديدة، تقوم اليونسكو بدور كبير وفاعل في قطاعات التربية والعلم والثقافة والإتصال، وبناء جسور التعاون والتواصل بين البشر عبر هذه القطاعات. وبسبب بُعد اليونسكو النسبي عن الشؤون والقضايا السياسية العالمية الحرجة، تترك لها الدول المهيمنة على مقدرات الأمم المتحدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وفرنسا هامشاً لا بأس به من العمل المستقل والمؤثر في الوقت نفسه. فالمنظمة تقوم بأدوار بالغة الأهمية في مجالات التنمية الإنسانية، وبشكلٍ خاص في مجال التعليم في المناطق الأكثر تخلفاًً مثل أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب وغرب آسيا والدول العربية. وهى أدوار لا يمكن إنكار أهميتها في ظل ضعف إمكانيات دول هذه المناطق، وفي ضوء المعونات التي توفرها اليونسكو من أجل تنفيذ برامجها التعليمية والتثقيفية، أو المساعدة الفعلية للبرامج المقدمة سلفاً. إضافة إلى ذلك تقوم اليونسكو بأدوارٍ هامة في الحفاظ على التراث العالمي والآداب والفنون والعلوم الاجتماعية والإنسانية.

 واهتمام اليونسكو بالتعليم حول العالم يؤكد على أهمية المنظمة وضرورة التواصل والتعاون معها، لما تقوم به من أدوار متواصلة وفاعلة للتوسع في التعليم الأساسي في المناطق المحرومة منه، والعمل الذي لا يكل من أجل القضاء على الأمية. والملاحظ هنا أن منظمة اليونسكو في إطار استراتيجيتها القائمة على توفير التعليم وإتاحته للجميع، قد نشرت أربعة تقارير عالمية سابقة بدأتها في العام 2002 بتقرير يضع هدفاً واحداً ورئيساً وهو التعليم للجميع، مع الحرص على معرفة صحة المسار الذي يسير فيه العالم ككل من أجل تحقيق هذا الهدف. فالتعليم من أجل الجميع يمثل المحور الرئيس للمنظمة، والذي التقت حوله معظم التقارير التالية، وإن بأهداف وتطلعات مختلفة ومتنوعة.

تلى ذلك التقرير الخاص بالعامين 2003/2004 المتعلق بقضايا الجنسين، الذكور والإناث، والرغبة في تحقيق المساواة بينهما في فرص التعليم. وحمل التقريران المعنيان بالعامين 2005 و 2006، مسائل اجرائية وتنفيذية، حيث تعلق التقرير الأول بضرورة ضمان جودة التعليم. فالمسألة لا ترتبط فقط بتوفير التعليم، وتوسيع مساحة انتشاره، بقدر ما ترتبط أيضاً بضمان تحقيقه لمستويات جيدة ومتميزة من المعرفة. وتعلق التقرير الثاني بتوفير القراءة للجميع، بوصفها مطلباً حياتيا، يتجاوز توفير التعليم ذاته، إلى توفير المعارف العامة، ونشر الثقافات المجتمعية والإطلاع العام. إن التقارير الأربعة السابقة تكشف عن تنوع واسع في الرؤى من جانب المنظمة الدولية بالنظر لعملية التعليم في العالم وأهميتها.

فالتقارير تنتقل من العموميات التي تؤكد على ضرورة التعليم للجميع، بغض النظر عن الجنس واللون والعرق والدين والموطن، ثم تنتقل إلى المسائل الإجرائية التقنية التي تؤكد على أهمية ضمان جودة التعليم، وعلى ضرورة ارتباطه بمنظور شامل وواسع يحض على القراءة والتثقيف. وضمن هذه الأهداف الإجرائية يأتي التقرير العالمي الأخير لرصد التعليم للجميع، الصادر عن منظمة اليونسكو تحت عنوان "إرساء أسس متينة من خلال الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة"، والذي يركز على أهمية المرحلة السابقة على التعليم الإبتدائي، وأهميتها بالنسبة لتحضير التلاميذ للإلتحاق بهذه المرحلة. فتقارير اليونسكو لا تفصل بين مراحل التعليم المختلفة، بوصفها حلقة واحدة متواصلة، تستدعي توفير كافة المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة لإنجاحها. ويمثل هذا الربط بين المراحل التعليمية المختلفة أهمية كبيرة لدى المنظمة، من حيث كون كل مرحلة تؤدي لغيرها، ومن حيث أن الفشل في إحدى المراحل سوف ينتقل إلى المراحل التالية، وهو ما يظهر في ارتفاع معدلات التسرب الدراسي فيما بعد، وضعف التحصيل الدراسي.

التعليم المبكر وسيلة للقضاء على الفقر الإنساني:

تنطلق تقارير اليونسكو جميعها من فكرة أساسية مؤداها أن الحصول على التعليم يمثل أحد المرتكزات الأساسية التي يمكن من خلالها تقليل الفقر الإنساني بشكلٍ عام. فمن خلال توفير فرص التعليم المختلفة بدءاً من المراحل الأولى الأساسية مروراً بباقي المراحل وحتى الإنتهاء من التعليم العالي، يسهل الحصول على فرص عمل جيدة ومتناسبة مع الخبرات التعليمية المختلفة. فالعلاقة بين الحصول على مؤهل تعليمي مناسب والحصول على فرص عمل جيدة علاقة طردية بالأساس.

 إن العلاقة بين التعليم والفقر مسألة على قدر كبير من الأهمية، وهو الأمر الذي يؤكد عليه التقرير من حيث إيلاء أهمية كبير من جانب الحكومات لمساعدة الفئات الأكثر فقراً، والعمل على إلغاء الرسوم المدرسية للفقراء والمعوزين، إضافة إلى توفير فرص تعليمية جادة وحقيقية للأطفال المعاقين وذوي الإحتياجات الخاصة. فالفقر أحد العوامل الهامة التي تمثل عقبة جوهرية أمام تحقيق التعليم المنشود والمستمر في الوقت نفسه. ويؤكد التقرير على الحاجة الماسة لزيادة الإنفاق الحكومي على المتطلبات الرئيسة لتحقيق التعليم للجميع، وتشمل هذه المتطلبات الإنفاق على المعلمين، وتعليم الكبار، والرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة، والسياسات الإستيعابية على جميع المستويات.

ولا يقف الأمر فقط عند الإنفاق على التعليم ومستلزماته المختلفة، لكنه يتعداه إلى الإطار الأوسع، من حيث تحسين الظروف الاقتصادية للفئات المحرومة اجتماعيا، وتوفير فرص العمل الجيدة لهم، التي تمكنهم من تحمل أعباء التعليم لأولادهم. فميزة التقرير أنه لا يتصور تطوير التعليم بمعزل عن تطوير الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية المحيطة، فكل القطاعات المختلفة مرتبطة ببعضها البعض، وتصب في بعضها البعض. بيانات مشجعة وأخرى محبطة: يرى التقرير أنه على الرغم من البيانات المشجعة حول وضع التعليم في العالم إلا أنها مازالت بعيدة عن الأمنيات المرغوبة التي وضعتها استراتيجية التعليم للجميع. فقد زادت معدلات القيد في المدارس الإبتدائية ما بين عامي 1999 و 2004 بنسبة 27% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وبنسبة 19% في جنوب وغرب آسيا، وبنسبة 6% فقط في الدول العربية. كما قل عدد الأطفال غير المقيدين في المدارس في سن التعليم الإبتدائي، حيث انخفض العدد في الفترة مابين عامي 1999 و 2004 بمقدار 21 مليوناً ليصل إلى 77 مليوناً. ويرى التقرير أنه على الرغم من تقليل عدد الأطفال غير المقيدين في المرحلة الإبتدائية إلا أن الرقم مازال غير مقبولاً من حيث ارتفاعه، خصوصاً في منطقتي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب وغرب آسيا.

ورغم ارتفاع نسبة المقيدين في التعليم الثانوي، وبشكلٍ خاص في المناطق الأكثر حرماناً مثل أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب وغرب آسيا، إلا أن عدم القدرة على استيعاب كل المقدمين لهذه المرحلة يغلق الباب أمام إمكانية تعميم التعليم الابتدائي بسبب ضعف الحافز لإكمال التعليم. ويرى التقرير أيضاً أن التكافؤ بين الجنسين في التعليم، رغم الإنجازات المتحققة، مازال بعيد المنال أيضاً. فمن بين 181 بلداً تتوافر عنها البيانات اللازمة حقق زهاء الثلثين التكافؤ بين الجنسين في التعليم الابتدائي. ومن بين 177 بلداً تتوافر عنها البيانات المطلوبة لم يحقق سوى الثلث التكافؤ الجنسي في المرحلة الثانوية.

وربما تبرز البيانات المحبطة بدرجة كبيرة بالنظر لمعدلات الأمية التي مازالت منتشرة بشكلٍ كبير في أماكن كثيرة من العالم. فثمة قرابة 781 مليوناً من الكبار يفتقرون إلى الحدود الدنيا في القدرات الخاصة بالكتابة والقراءة، والخطورة في هذا الرقم أن النساء يمثلن ثلثيه. إن هذه الأرقام، رغم التقدم الذي تبرزه، مازالت تكشف عن وضعية التعليم المتدهورة في أماكن كثيرة من العالم، وهو ما يفضي أيضاً إلى تدهور القطاعات الأخرى المعتمدة على التعليم، والمهارات المختلفة المرتبطة به، مثل القطاع الصناعي والتكنولوجي والمعلوماتي. فحيثما يتدهور التعليم، وتضعف المخرجات المرتبطة به، تتدهور الكثير من القطاعات الأخرى المعتمدة عليه، الأمر الذي يفضي في النهاية إلى المزيد من التدهور المجتمعي، بما فيه القطاع التعليمي ذاته.

 الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة:

يعتمد التقرير الراهن نهجاً شموليا بخصوص تعريف الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة، حيث يرى أن الاهتمام بهذا النهج الشمولي "يدعم بقاء الأطفال ونموهم وتنميتهم وتعلمهم – بما في ذلك الجوانب المتعلقة بالصحة والتغذية والنظافة والتنمية المعرفية والاجتماعية والجسدية والعاطفية- منذ الولادة وحتى دخول المدرسة الابتدائية في البيئات النظامية وغير الرسمية وغير النظامية." ويعني ذلك أن التقرير الراهن يقف عند المرحلة العمرية السابقة على الإلتحاق في المرحلة الإبتدائية بوصفها مرحلة الإعداد الجسدي والنفسي والاجتماعي والعاطفي للإلتحاق بالمرحلة الأولية.

ويطرح هذا النهج الشمولي مسألة على قدر كبير من الأهمية تتعلق بالفائدة من استقطاب تلاميذ في المرحلة الإبتدائية بنسب كبيرة وهم يفتقدون هذه الجوانب الهامة التي يلح ويؤكد عليها مفهوم الرعاية والتربية في مراحل الطفولة المبكرة. فمن الملاحظ أن الكثير من التلاميذ في العديد من الدول الأقل نمواً في أفريقيا وآسيا غالباً ما يلتحقون بالمرحلة الإبتدائية وهم يفتقدون الحدود الدنيا اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا وصحيا، الأمر الذي لا يؤهلهم للإستمرار في التعليم من جانب، وتعظيم الإستفادة المعرفية من جانب آخر. فمعظم هؤلاء الأطفال يأتون من أسر فقيرة متواضعة اقتصاديا بما يجعل من استمرارهم في التعليم مسألة شبه مستحيلة في ظل المصاريف التي تفرضها معظم المدارس عليهم، وفي ظل الإحتياج لهؤلاء الأطفال للعمل الاسري في الكثير من مناطق العالم الأكثر فقراً.

ويرى التقرير أن الإهتمام بالأطفال في هذه المرحلة العمرية منذ الولادة وحتى الإلتحاق بالمرحلة الإبتدائية يجب التعامل معه بوصفه حق مكتسب مثل غيره من الحقوق الاجتماعية التي تنص عليها الدساتير المحلية والعالمية. وفي هذا السياق، يقسم التقرير مرحلة ما قبل التعليم الإبتدائي إلى مرحلتين: الأطفال دون سن الثالثة والأطفال من سن الثالثة إلى سن الدخول في المدرسة الإبتدائية الذي يكون عادة في سن السادسة.

مسوغات توفير الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة:

يكتسب هذا التقرير أهميته من ناحية تأكيده على ضرورة رعاية الأطفال في مرحلة ماقبل التعليم الابتدائي، ليس لأن ذلك يمثل حقاً قانونيا لهم، نصت عليه الدساتير العالمية والمحلية على السواء، ولكن لأن الأطفال في هذه المرحلة العمرية لا يمكنهم مساعدة أنفسهم بأنفسهم. فالأطفال يمثلون من هذه الناحية أضعف الفئات الاجتماعية التي تلتمس قوتها واستمراريتها ووجودها من القوة الفاعلة للكبار المحيطين بهم، والمشرفين عليهم، والمتعاملين معهم. فالتطور الفيزيقي والمعرفي والعاطفي والنفسي يعتمد بدرجة كبيرة على من يتولون تربية الأطفال ومراعاتهم، سواء أكانوا من أعضاء الأسرة المباشرين، أو من الأقارب، أو من هؤلاء المشرفين على دور الحضانة والرعاية في مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي. إن التجارب الأولى التي يمر بها الأطفال تمثل عوامل مفصلية في باقي عمرهم.

وما يمكن تلافيه وتجنبه في المراحل العمرية الأولى عن طريق التربية والرعاية الجيدة، يصبح من غير الممكن تلافيه فيما بعد. كما أن التقرير يلفت النظر أيضاً إلى أن رعاية الطفل في تلك المراحل المبكرة أكثر وفراً من رعايته فيما بعد، وفي ظل تدهور مستوياته الصحية والتعليمية والنفسية والاجتماعية. يرى التقرير أن ما يمر به الطفل في سنين عمره الأولى من معاملة سيئة وتغذية رديئة وضعف تربوي وتعليمي كلها تنتقل معه إلى باقي مراحله العمرية المختلفة، بحيث يصعب علاجها، وتترك بصماتها الواضحة على شخصيته وجملة ممارساته المختلفة.

 من هنا فإنه من الضروري أن تركز البرامج المختلفة، المصممة من أجل التعامل مع الطفل في هذه المرحلة العمرية الحرجة والحساسة من عمره، على رفاهيته وبالقدرة على إشباع حاجياته المختلفة بشكلٍ كلي وشامل وتام. وعلى رأس هذه الإشباعات تأتي الصحة الجيدة والتغذية الكافية بوصفهما عاملين هامين مرتبطين بالعملية التعليمية. فالتقرير يؤكد من خلال منظوره الكلي الشامل على أهمية الربط بين الصحة والتغذية من جهة والتعليم من جهة أخرى.

فبدون شروط صحية مناسبة وعملية تغذية جيدة لن يمكن تحقيق المستويات المأمولة من العملية التعليمية. فمن غير المنتظر أن يلتحق الأطفال المرضى وغير الأصحاء بالمدارس في المرحلة الابتدائية، وهو ما سوف يزيد من عدم القيد في هذه المرحلة والإلتحاق بها. ولا يقف الحال عند هذا المستوى من عدم الإلتحاق بالمرحلة الابتدائية لكنه يتعدي ذلك إلى الضعف الصحي العام، الذي يعيق النمو اللغوي والحركي والاجتماعي والعاطفي. إن المنظور الشامل للتقرير لا يقف فقط عند الجوانب التي تتعلق بالتغذية المباشرة للطفل، لكنه يقف أيضاً عند البيئة المحيطة به، وتأثيراتها المباشرة عليه، من حيث توافر مياه الشرب المأمونة الجانب، والصرف الصحي السليم. فلا يمكن الوقوف فقط عند عنصر التغذية السليمة، في ظل وجود عوامل بيئية غير مأمونة الجانب ملازمة للطفل في حياته وممارساته اليومية.

وهنا تبرز أهمية برامج الرعاية الاجتماعية المبكرة للأطفال بوصفها تمثل جانباً تعويضيا للفئات المحرومة مما يقلل من التأثيرات السلبية المصاحبة لهذه العوامل البيئية المعاندة والمضادة، والتي تقلل بدرجة أو بأخرى من الإلتحاق بمرحلة التعليم الابتدائي. وفي هذا السياق يؤكد التقرير على الدور الفاعل والمؤثر لبرامج الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة في تعزيز الرفاهية الجسدية، والمهارات المعرفية واللغوية، والتنمية الاجتماعية والعاطفية للأطفال. ويكشف التقرير، من خلال إحدى الدراسات الميدانية، أنه "في إحدى المقاطعات الفقيرة في نيبال كانت نسبة الأطفال الذين واصلوا تعليمهم في المدارس الابتدائية من بين الأطفال الذين شاركوا في برنامج لمرحلة الطفولة المبكرة 95% مقابل 75% من الأطفال الذين لم يشاركوا في مثل هذا البرنامج." إن الهدف من نشر وتفعيل البرامج الخاصة بمراحل الطفولة المبكرة يمثل إستثمارً جيداً في رأس المال البشري من ناحية، كما أنه يمثل تمييزاً إيجابيا للكثير من الفئات المحرومة في الكثير من مناطق العالم من ناحية أخرى.

ويمثل برنامج هيد ستارت أحد البرامج التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية عام 1964 في إطار حربها ضد الفقر وتعويض الفئات الأكثر حرماناً مثل الأفارقة والمهاجرين القادمين من أمريكا اللاتينية. إن مثل هذه البرامج القائمة على التمييز الإيجابي تحد بلاشك من التفاوتات القائمة مجتمعيا، كما أنها تساعد في ضمان وصول الأطفال المعدمين والفقراء للمرحلة الابتدائية بأمن وسلام، وتضمن استمراريتهم في التعليم.

حال ومستقبل الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة:

يكشف التقرير عن زيادة عدد الأطفال المقيدين في التعليم قبل الابتدائي إلى ثلاثة أمثاله خلال العقود الثلاثة الأخيرة، حيث ارتفع من 44 مليوناً في منتصف سبعينيات القرن الماضي إلى 124 مليوناً عام 2004. ورغم ذلك، تكشف البيانات أن نسب القيد في الدول المتقدمة أعلى منها بكثير في الدول النامية والفقيرة. وتكشف هذه البيانات عن الحاجة إلى برامج خاصة ومتنوعة تفي باحتياجات الأطفال في مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي في مثل هذه الدول. ويكشف التقرير عن العديد من البرامج والتجارب المختلفة التي طبقتها الكثير من الدول النامية في سبيل البدء في الرعاية المبكرة للأطفال وتعظيم معارفهم. فالتقرير يبين بداية أهمية مراعاة الفروق القطرية، ومراعاة الفروق الداخلية في القطر الواحد بين منطقة وأخرى، فما يتناسب مع دول أمريكا اللاتينية قد لا يتناسب مع دول أفريقيا جنوب الصحراء، وما يتناسب مع المناطق الريفية قد لا يتناسب مع المناطق الحضرية في البلد نفسه.

إن مراعاة هذه الفروق يمثل أهمية كبيرة من حيث قبول المواطنين للبرامج المطبقة وتفاعلهم معها. من أهم البرامج المطروحة، وأيسرها تطبيقاً وتنفيذاً، ما يسمى ببرامج الرعاية الأبوية، والبدء بالمنزل. يراعي التقرير هنا، كون الأبوان هما أول من يتعامل معهما الطفل، وكون المنزل هو الوحدة الاجتماعية الأولى التي ينشأ بين جنباتها، ويكتسب معارفه من خلالها. والتقرير يدعو إلى تدريب الآباء والأمهات على كيفية تعاملهم مع أطفالهم من ناحية، ومدهم بالمواد الترفيهية والتعليمية المختلفة مثل الكتب وأدوات الرسم والتعلم، بما يشكل بيئة جيدة للتعليم والرعاية المبكرة. إضافة إلى ذلك، يؤكد التقرير على أهمية تمويل المراكز التعليمية المختلفة، التي تنمي الحس المعرفي عند هؤلاء الأطفال، وبشكلٍ خاص القراءة والنطق السليم. ويمنح التقرير الفئات ذوي الاحتياجات الخاصة، أهمية كبيرة من حيث ضرورة الاهتمام بهم، والعمل على دمجهم ضمن محاولات الرعاية والتعليم المبكر. والجدير بالذكر هنا، أن التقرير لا يتعامل مع الرعاية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة بوصفها هدفاً في حد ذاته، لكنه يتعامل معها، بوصفها معبراً للمرور إلى مرحلة التعليم الابتدائي، وكلما اتسم العبور بالسلاسة والمرونة والإلمام المعرفي والتربوي، كلما تعامل الطفل مع المرحلة الابتدائية بدرجة كبيرة من السلاسة والمقبولية والنجاح. ويطرح التقرير في النهاية مجموعة من العوامل يرى أنها تساعد على المزيد من الاهتمام بموضوع الرعاية والتربية في مرحلة الطفولة المبكرة.

وتشمل هذه العوامل:

التأييد السياسي على مستوى عال، والمشاركة الواسعة من جانب كافة الأطراف، وتعظيم الشراكة بين الحكومات والمنظمات الدولية والوكالات المانحة والمنظمات غير الحكومية، ودمج برامج الرعاية والتربية المبكرة مع الإطار التنموي العام، وبشكلٍ خاص برامج الحد من الفقر، واخيراً الاستفادة من الحملات الإعلامية في لفت الانتباه نحو أهمية برامج الرعاية والتربة المبكرة. إن مسألة الرعاية والتربية المبكرة تقتضي تعاون ومشاركة كافة فئات ومنظمات المجتمع، سواء أكانت حكومية أو غير حكومية، فلا يمكن إلقاء العبء فقط على الحكومات والهيئات الرسمية لكنه يجب أن يتعداه إلى منظمات المجتمع المدني الأخرى والهيئات الدولية المانحة، بحث تتحول المسألة في النهاية إلى هم انساني عام يهدف لتطوير الأطفال وتنميتهم التعليمية والمعرفية. إن الهدف العالم الذي تركز عليه هذه العوامل هو لفت الإنتباه لأهمية برامج الرعاية والتربية المبكرة من ناحية، والعمل على إيجاد التمويل اللازم من كافة الجهات الممكنة سواء أكانت حكومية أو خاصة محلية أو دولية من ناحية أخرى. وفي هذا السياق يمثل التقرير ذاته إضاءة جادة من حيث التنوير بحال الأطفال في مرحلة ماقبل التعليم الابتدائي، والتركيز على هذا القطاع المهمل الذي طالما تجاهلته البحوث والدراسات الخاصة بالتعليم في الكثير من مناطق العالم المختلفة.

 

د. صالح سليمان عبدالعظيم كاتب مصري salehabdelazim@hotmail.com

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home