قصة

 

عجوز الستوت

طارق الطوزي



تلقي الحصى من يدها، تخترق ظلمة الغيب في فوضى الإشراق، تهزم خفوت صرخة العمق. يتساقط الحصى باضطراب في الغربال، حركة ما بين مدى العنف و الضلال، تنادي الأشكال التائهة في قاع الثبات، فينشأ رسم مبهم؛ ينبئ عن غريب ما يكون.

تأملت الحصى المستقرّ في الغربال، تملكها شعور بانقباض، حدس الرؤيا المرهقة من غبن الضياع. نقاط ثبات الحصى في القاع، يشرق خطوطا و زوايا، يشرق تقاطعا و توازيا، يشرق امتزاج الرسم بالغيب. كان عليها أن تنتظر شعورا ملحّا باللقاء مع الصواب الأبدي؛ شعورا يتملكها و يلقي في نفسها ثقة اليقين.

قد يبدو كلامي مبهما بعض الشيء، و لكنّي أسعى إلى إفادتك بالمعنى الذي أفهمه من طقوس الرؤيا الغيبيّة، طقوس الرؤيا بالغربال و الحصى، فالقصّة تنطلق من هنا، من عجوز تتطلّع في اهتمام إلى غربال، تبحث في الوقوف العفوي لحصى عن معنا يفيد ما قد يكون. المهم، أنها شعرت بانقباض ما، ربما سببه فعلا توزيع الحصى بشكل يعلن عن خبر مفجع، أو هو حدس ساذج بجلل ما، أو هو محض افتراء.

 

*****

 

نقطة الألم الخانقة؛ تبرز كاللعنة، تسرى في جسدي المتهالك، فتعتصر رغبتي في الكيان.يا بنيّ، إنّك لن تدرك مدى عجزي المقيت أمام القتامة التي تنخر صدري، شعور السقوط الدائم في هوّة العار؛ جسد الأب يطؤني في لذّة الموت، جحيم المكان الذي يراني دخيلا، و جسد أنثوي ساخط يلجمه صمت ماحق. إنّي وليدة نقطة الألم المهملة في دروب الذكورة.

أشفي العليل؛ ففي مساحة القرية المرئيّة دوري عيادة المرضى، و توليد النساء، و غسل الأموات من الإناث. نعم، تسكن يداي و نفثاتي جدارهن الشبقي، تعابث برودة جثثهنّ الهامدة بعد صراخ العمر، و أمسك الأجساد الطريّة لولدان بلؤم اللقاء المتشفّي. أمقت هذا العالم الذي جعلني شافية المحارم.

هل تدرك صوري ؟ إنّي العانس بجسدي المترهل من أثر الزمن، الغريبة عن القرية، و الوحيدة في سكن ناء، و التي تعالج هزيمة جسد نساء القرية.

مات والدي، أو قتلته أنا بأعشابي الطبيّة دون همس و بمشهد من مقام الجحيم. يتيمة الأمّ كنت، أغلقت أبوابي في ظلمة ليل خشية الخرافة، أثقلني اهتزاز جسده المستعر رغبة، حاولت الانفلات من الفضيحة، لكنّه تيقن جبروته فضربني حتّى أدركت أنّي لست عذراء. أبي الذي تتوقع منّي أن أبكي لفراقه أدمى جسدي الغضّ، و آل بهيكلي المهدود إلى العار. حدثني قال : إنّي عليل. وضعت ثورة غضبي المحموم في جسده اللئيم، ونظرت إليه في تشفّ وهو ينازع نحو التقطّع، ضحكت بهستيريّة على جثته الخامدة.

تطيبت بثأري، و التزمت فراق لعنة الذكورة، و آنست الوحدة. إلّا أنّ ألمي سكنني غضبا، فواجهت الناس بطيبة بلهاء، و أسررت مقت الجميع.

 هؤلاء، سكان القرية الصامتة، و الذين يسكنون إلى فضائح دورهم بلا ثرثرة وقحة، ينظرون إليّ بحياد خبيث، لكن يهرعون إليّ بخذول و مذلّة عندما يسقطون، فأمسك أجساد نسائهم بعنف أضربها بعصا شديدة؛ أطرد مارد الجنّ. أو ألمسهن باشمئزاز، أمزق رياء سترهنّ، أكوي بشرتهنّ بحنق، أبزق على مواضع لذتهنّ، أجرح وجوههنّ النظرة؛ حتّى أشفي علتهنّ.

قد تتساءل بفضول طاهر : لماذا ؟

لإنّي أمحق مع توارد الانكسار في محيط القرية التائهة، أتتبع الحديث الكتوم خلف القلوب الصخريّة، فلا أرتاع لأنّي أدرك تخفيها المنافق، و يبدو سيدي الرجل حاملا سيفه الأعرج إلى سيدات القصر، يعبثن تحت ثقل أنينه الخجل، و يخفين لا مبالاة اللقاء. يرتوي حمق وصال هادئ، ويقنع بنظرة التذاذ خرساء تسيّل ماءه مدرارا. سيدي الرجل هنا، ساخر بوقوفه المنحني في مكان الأشياء المعتادة، قد يشمخ على جبل من السوءة و الجبن،  و يجلد أجساد لقطاء الصمت، و لكنّه يتبعثر كرائحة الروث لمّا تلتفّه حيّة الخيانة.

الموؤودة ترحل في رفق، ثنايا القدر مسخ ذكورة، و الوشم الأخير على بشرتي ينادي انتقاما.

أتقد شرّا و أكوي جزء من جسد أنثوي مستكين، أبزق على كائن الربابة النائحة، غبين رزايا العمر. مضحك تألم النسوة بين يدي، يبكين، يغمى عليهن، أنهر ضعفهن، أكتم غبطة تعذيبهن، و أُمتع في مدار عشق سقوطهنّ المعتاد.

 

 

*****

 

 طرق شديد على بابي، تعجلت وضع لحافي، فتحت الباب بحذر أتطلع إلى هذا الطارق المستعجل، كانت للّا منى بنت محمّد الحمّال زوجة عمر بيوض البقال؛ بدا محيّاها غارقا في غيمة من الإرهاق و العناء العميق.

-       خير للّا منى ؟

اصطبغ وجهها بصفرة حزن قاس، شحوب و دمع و انهيار ...

-       اتركني أدخل أولا

دخلت إلى الفناء، رفعت عنها لحافها بيد مرتجفة، افترشت الحصير، و غرقت في ضياعها دامعة

-       خير، اللطف، ما الذي أصابك ؟

-       غدرت بيّ، اللّه لا ترحمها!

-       من ؟

-       ضرتي؛ زينب بنت عليّ بن سلامة.

تابعت بعبارة أرهقها الألم و الكآبة : أنت تعلمين أنّ سي عمر طباعه قاسية.

-       نعم

-       إنّه لا يتوانى عن جلدي و ضرّتي في كلّ دخلة و خرجة لأتفه الأسباب و في أحيان عديدة بدون سبب

-       يا مغبونة !

تنهدت بحسرة و تابعت :

-              ناقشت ضيمه مع ضرّتي، قلت لها :  "يا زينب، هذا الرجل غلبته الدنيا فيغالب ضعفه بجلدنا، لذلك يلزمنا حلّا يدفع عنّا مشقّة العذاب "، ردتّ على عجل و بحذر : " من السهل ردعه ! "، سألتها بلهفة : " كيف ؟ " ، فأردفت تقول باهتمام  و هي تسرّ لي : " نجتمع على مغادرة محل الزوجيّة  إلى منزلي أبوينا، و حينما تقسو الوحدة على سي عمر  و يكثر لغط الأهل، سيردنا معززات مكرمات، و يقلع  عن ضربنا "

-       و هل استحسنت الفكرة ؟

أجهشت ببكاء مرّ وقالت : خدعتني الحقيرة!

-       لم أفهم !

أجابت بغيض : " اتفقت أنا و للّا المصونة على اليوم و الدقيقة، فخرجنا بالفعل متلحفات، و افترقنا على رأس النهج، كلّ تسعى إلى بيت والدها، لكنها خدعتني و رجعت، لتفوز هي بالهناء مع سي عمر،  و لينتهي بي المطاف مطلّقة بالثلاث. " تتعاقب آيات الهزيمة؛ هي ثورة الصخب في ميقات غدر آخر، رسم كئيب يعاود البروز بتهافته الأزلي، بوار الأرض الحاقدة يحدّث عن الخيبة الفاجرة، قتامة هشيم دام يخسفهن...

أكان يجب أن تبيتي تحت ذكورة سي عمر حتّى تتيقني السلامة ؟ سخف الغرق في وعاء النجاسة، فالرياض لا تشرق أنهارها من موطئ العار، و لم تسكن أنواء العمر القديم أطياف البهتان حتّى يُرى حسنها . كان عليك التلذذ بالموت أو الموت فحسب.

-       جئتك طالبة النصرة

تأملتها بتقزز و هي تواصل الحديث

-       أحتاج إلى سحر يغيّب عنها الضياء، و يمسخ أيامها نحسا قاتلا

الزمن انتهى عند الجدار المتهاوي، و الكلمة كانت ثغاء الفزع، لم أجرب الغياب و لكنّي اعتدت مداره، سأبدأ من ساعتي التخفي في عمق الرؤيا، أتردد ربما، و لكن ليكتمل مشهدي لا بدّ لي من ضياع أخير.

 

*****

 

الهذيان الطقسي يزعم الإدراك؛ الرؤيا تغيب بين متاهات الخلف، تحابب الأعداد المسخرة لمعان الغياب، و مواقع الإجرام الدالة على الميقات و الخفاء، و عبث الأشكال القديمة و الغامضة في مدى الإطلاق، الكلمات المقدسة ترسم بمواد نادرة تختصر المسافات التائهة، و أشياء أخرى تغرب عن المعنى الظاهر ...

تتهافت العجوز إلى مدى الغموض، لتستنطق سرّ الكون فتنشأ الأشياء ابتداعا. لا تحاول أن تساير فهمي؛ فأنا لم أدرك أبدا تأوّل الكون لفهم خفايا الوجود المختصر لفعل الخلق، فالسحرة يزعمون أنّ باطن الأشياء سرّ صغير هيّن؛ و لكنّه حسن التخفي؛ يلتزم العمق القصيّ، يتمازج مع السذاجات، عصيّ عن التملّك، مرعب، قاتل.

المهم أنّ العجوز ركبت بعض المواد الغريبة لتنشأ ما يشبه الحبر، رسمت على ورق قديم وجها تمثلته زينب،  و كتبت أسمها تحت الرسم مع نسبها المتصل بالأمّ، و غطّت الرسم بأعداد داخل مربعات و أدعية و أسماء لبعض مردة الجنّ و آيات قرآنيّة، وسط حركة غارقة في زمن الأجرام السعيدة ...

 

*****

 

العويل يملأ أذني اشمئزازا، أصوات متفجّعة تخفي رياءها الفاضح. الغرفة في محيط قاتم فالنوافذ و الباب تستر بقدسيّة المكان. الجثّة مسبلة بين يديّ؛ أعتصر البطن، أغسل الجسد المسجّى الساكن.

جنس التخفّي و القهر، رحلتك قناعة بالهروب الدائم من الحياة، الوقوف الإجباري خلف أوتاد متهاوية...

نظرت إلى مساعدتي على عجل لأقول لها بلهجة آمرة : " عليك بإدخال أقارب المرحومة حتّى يودّعونها  قبل تكفينها و إخراجها. "

تواترت الخطوات التائهة في فضاء الغرفة القاتمة، الوجوه بدت شاحبة عاجزة، ودعوا الرفات و غادروا على عجل، و انتهى اللقاء الأخير بلا حماس إلى لا شيء؛ إلى صمت طويل. تخلصت من مساعدتي و أحكمت إغلاق الباب، أسدلت الستار على النوافذ. أردت الخلوة بدعوى اتقان التكفين، و الحقيقة كي أتفرّد بالجثّة وحيدة...

أفتح فمها، ألج فيه قطعة الورق الملفوفة، يستقرّ السحر في قاع رخو، أغلق فمها، أمسك شفتيها بأصابع ثابتة، أغرس الإبرة،لم أتمرّس خياطة الشفاه، و لكنّني متيقنة أنّ هذه الشفاه تطيع حركتي القذرة حيث تعوّدت طاعة الصمت. السحر بات يسكن قراره، و الأشياء تحوّلت إلى منقلب بلا سبب معلوم، سينزل السحر في قبر ما  و يكتمل الشرط الأخير في طقوس التبديل، كان يجب أن تتوقعي يا زينب نهاية بوار، لأنّك توقعتي ثوابا  من سقوط؛ فإليك المآل.

الرحلة أزفّت، و الكفن يستر عورتي، و لم يبقى غير خروجك الملعون إلى مقام الغياب الأخير...

طرق عجل على الباب، أفتحه تصدمني عينين جزعتين، تدفعني يدّ إلى الداخل، امرأة تطلب لقاء أخير مع الميتة؛ لم أفهم السبب غير أنّي بطبيعة الحال آثرت الرفض التام، أثقلت عليّ بإلحاحها وقالت إنّي ابنة المرحومة و صلت من سفري الحين، تعلّلت بانتهاء التكفين فحرام إقلاق راحة الميت، نادت الأهل و أجبرتني على القبول، فاتخذت لي طريقا إلى الباب و غادرت سريعا.

النهاية صراخ طويل، نداء من الأقاصي بتحليل دمي، رحلت عن القرية هاربة، لم أثبت في مكان مخافة  أن ألحظ من أحدهم فيخبر عنّي، الفرار رهبة من الموت.

لكن كان عليّ الاختيار بين الموت على يد جلّاد، أو الموت على أياد استشنعت فعلى، فكان الخيار الأوّل طريقي إلى الصواب. سلمت نفسي إلى القاضي فقرر حبسي إلى أن يستشير في أمري سلطان البلاد.

 

*****

 

منذ تنصيبي صاحب سجن المدينة، و الرؤيا المتخيّلة الغريبة تزدحم على بابي، و الأجوبة التي طالما انتظرتها تسرف في حضورها، الوجوه تأتي في انكسار سقوطها تسعى إلى أذن تسمع نداءها، و الألسن تنسج حديث الشكوى بالصدق أو بالكذب كي تغرب عن قلقها.

كانت العجوز التي عهد القاضي إليّ بحبسها تلقب من الجماعة بعجوز الستوت، لقب مستظرف فهو صورة شعبيّة مستقذعة عن الأنثى المسنّة الخبيثة الشؤم، و التي تضاهي إبليس في دناسة الفعل. لهذا طلبت حضورها بين يديّ، و استفسرت عن خبرها، فأجابتني بما نقلته أمانة إليك، فضنّ بعلم هذا عن غير أهله، فقد أفتى بعضهم حرمة نقل هذا الخبر؛ لأنّ فيه ما يبرر السوءة و الشرّ، و هو بحسب زعمهم من صنيع الشياطين.

مكثت العجوز بحضرة سجني مدّة شهرين و أربعة أيام، لتُطلب بعدها إلى مجلس سلطان البلاد الذي أمر أن تجلد حتّى الموت، ثمّ تصلب على باب المدينة، ثمّ يلقى بجثّتها إلى الكلاب السائبة تنهشها...

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home