القلم الفكري

 

إمبراطورية آيلة للسقوط !!! (في نظرية إبن خلدون )

ياسر قطيشات-الأردن




لا شك أن كل الإمبراطوريات التي ولدت في بطن التاريخ القديم والمعاصر
سقطت لأنها بدأت ناجحة وانتهت غبية , فانتهت دون أن تعي أن التاريخ لا يرحم من
يتقاعس عن خدمته أولا ليثبت وجوده ثانيا وسط غيوم التنافس القائم بين
الإمبراطوريات والحضارات التي تستطيع أن تنجح في الحفاظ على بقائها ولو مؤقتا
000
وليس هناك ثمة شك في أن الدولة كالإنسان تولد طفلا وتكبر مع الأيام
شيئا فشيئا حتى تتحول إلى رجلٍ ناضج يملك القدرة على التحكم بتصرفاته بشكل يليق
أمام الآخرين , وكان للعلامة العربي (ابن خلدون ) الدور الأول والرائد في دراسة
عمران الدول وكيفية سقوطها عندما أبدع في تأليف مقدمته المتميزة والمسماة باسمه
(مقدمة ابن خلدون ) والتي كانت مقدمه لمجلد كبير جاء تحت عنوان (كتاب العبر
وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ) .
وما يهمنا في هذا الصدد هو محاولة تطبيق نظرية ابن خلدون في سقوط
الدول على الولايات المتحدة الامريكيه التي تمر الآن في المرحلة الاخيره من
حياتها طبقا لتحليلات ابن خلدون في عمر الدول وحياتها التي تمر بها , لا سيما
وان نظريته في هذا الصدد طُبّقت على كل الحضارات التي سبقت أمريكا بآلاف السنين
, لأنها وكما أسلفت سابقا دائما تبدأ الدول أو الإمبراطوريات تبعا لمخطط قيامها
بأسلوب ذكي ومتميز ولكنها سرعان ما تأخذ بالانهيار شيئا فشيئا لأنها حادت عن
جادة الصواب ولم تتعلم من الحضارات التي سبقتها فتنتهي غبية وكأنها ما بدأت
أساسا .
وإذا كانت الحضارة الاسلاميه كأعظم حضارة بدأت بهذا الأسلوب الرائع
والمتميز فان التاريخ لم يرحمها أيضا لأنها تحولت من حضارة انسانيه دينيه
قوامها الدعوة إلى الإسلام كافه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و إقامة
العدل والحق على وجه الأرض 000 الخ إلى حضارة حكمها مجموعة مرتزقة من خارج
أهلها الأصليين فحولوها إلى مؤسسات مصالح شخصيه تحكم باسم المادة وتحقق مصالح
الأفراد وتغّيب دور الامه الاسلاميه في السير على خطى المؤسسين الأوائل , الأمر
الذي أدى إلى انهيارها وسقوطها مع غيرها من الحضارات التي رافقتها آنذاك مع
احتفاظ الحضارة الاسلاميه ببقائها كأمه ودين ودوله حتى الآن بسبب استمرار مصادر
نشأتها وهما القران الكريم و السنه النبوية الشريفة .
أقول مما سبق , انه إذا كانت الحضارة الاسلاميه قد سقطت عندما خرجت
عن مسار التاريخ فان الحديث عن انهيار الولايات المتحدة كحضارة مادية وشيطانيه
في نفس الوقت يمسي كلاما واقعيا بنسبه كبيره وله مستنداته العملية من عمق
التاريخ الذي لا يمكن أن يرحم كيانات أُنشأت على الظلم والاستبداد والإرهاب
بعدما تمكنت من السيطرة والتحكم بمفردات وأبجديات المجتمع الغابة الحاضر 000
وافترض ابن خلدون أن معدل عمر الدولة هو (120) عاما وهذا ليس جزما
زمنيا بالطبع وانما هو قياسا على معدل عمر الإنسان , مع الوضع في عين الاعتبار
أن هناك دولا سقطت وانهارت في اقل من ذلك العمر بكثير أمثال الفاشية والشيوعية
والنازية في كل من ألمانيا وإيطاليا والاتحاد السوفيتي سابقا .
وعليه يمكن القول أن عمر الولايات المتحدة الآن هو ما بين 120- 150
سنه قد تزيد أو تنقص ولكن لن تبرح اكثر من ذلك , وهذا الأمر تم التوصل إليه بعد
خصم قرن كامل من عمر الولايات المتحدة كانت فيه تمر في حالة تخبط وعدم استقرار
بسبب بداية نشأتها وعدم قدرتها على التأقلم مع الكيانات التي كانت مسيطرة آنذاك
وخاصة بريطانيا التي كانت في حالة سيادة شبه كاملة على أمريكا قبل واثناء قيام
الوحدة الفيدرالية بين الولايات أل(13) التي تألفت آنذاك , وعلى الرغم من أن
تلك المدة تحسب من المرحلة الأولى لقيام الولايات المتحدة , إلا أنها لا تمثل
بالضرورة جزء فعلي من عمر الولايات المتحدة الدولة و الامبراطوريه وصاحبة
السيادة على العالم كما هو الحال اليوم .
وقسّم ابن خلدون عمر الدولة عموما إلى خمس أقسام رئيسيه , تمثل المراحل
السياسية والسلوكية التي تشكل الدورة السياسية الكاملة للدوله , وهي على النحو
التالي :-
1-المرحلة السياسية الأولى : وهي مرحلة السيطرة على مقدرات الأرض والمكان
من جانب القيادات السياسية التي تضفر بالحكم وتُنشأ الدولة , وتسود في هذه
المرحلة العصبية أو ما يسمى حاليا بالحس القومي أو الوطني والذي يحفز الامه لان
تتلاحم مع قياداتها من اجل تثبيت أركان الدولة الأساسية.
وعند تطبيق هذه المرحلة على الولايات المتحدة في بداية قيامها تجدها مطابقة لها
تماما حيث نجح (جورج واشنطن وجيفرسون 000الخ ) في زرع الحس والشعور الوطني لدى
الشعوب التي سكنت أمريكا آنذاك ومن تلك اللحظة تشكلت الملامح الأولى لقيام
أمريكا ككيان سياسي , ونجح جورج الأب المؤسس في أن يظفر بالحكم مع أصدقائه
السياسيين آنذاك.
2-المرحلة السياسية الثانية :وهي مرحلة الاستبداد بالحكم والملك ومحاولة القضاء
على كل الجماعات المناوئة للملك أو الحاكم وفيها يحاول الحاكم أن يقرب كل
أقاربه وأعوانه من اجل أن يسود له الحكم بشكل كامل, ضد أعدائه من الشعب أو
الملل والطوائف الخارجة على حكمه وهنا تنشا حالة فوضى طبيعية مردها عدم وجود
آليات سياسية توفر درجه من الاستقرار السياسي بسبب حداثة الدولة .
والولايات المتحدة كغيرها من الأمم والشعوب مرت بهذه المرحلة , حيث كانت
على عداء كبير مع سكان أمريكا الأصليين وهم (الهنود الحمر) حيث قربت كل الجنس
الأبيض المهاجر من أوروبا من اجل القضاء على الفئات الشاذة القاطنة في أمريكا ,
وفي نفس الوقت كانت على عداء مباشر مع الامبراطوريه البريطانية آنذاك التي كانت
ترى في أمريكا مستعمره داخليه لها وان شعوبها هم من مواطنيها الخارجين على
القانون وهذا كله وفر درجه عاليه من عدم الاستقرار بسبب محاولة الاستبداد
بالحكم من جانب الساسة المؤسسين لأمريكا والذين حاولوا أن يسيطروا على مقاليد
الأمور بصورة التصفية الداخلية لاستئصال كل الشوائب العالقة في الجسم الجديد .
3-المرحلة السياسية الثالثة: وهي مرحلة الاستقرار والراحه والدعه بعد أن يكون
الحكم قد استتب في أيدي رجال الدولة الأقوياء وهي مرحلة تحصيل ثمار الحكم الجيد
الذي نجح في السيطرة السياسية على الشوؤن الداخلية والخارجية بشكل إيجابي .
والولايات الامريكيه في هذه المرحلة نجحت وأيما نجاح في تثبيت أولويات
بقائها بصوره منقطعة للنظير حيث اتبعت سياسة العزله الخارجية عن العالم
الأوروبي تبعا لمبدأ (مونرو) كونها رأت في أن أوروبا قارة الدمار على العالم
كله بسبب تنافسها المستمر على السيادة والسيطرة على الأمم والشعوب الضعيفة في
مختلف القارات ولا سيما أن أمريكا كانت مع لواء الاستقلال والسيادة والحرية ,
وقد كان لثورة الحرية والتآخي والمساواة التي انطلقت مع الثورة الفرنسية في
نهاية القرن الثامن عشر صداً كبيراً في أمريكا بل وتطبيقاً رائعاً طوال العقود
التي تلت الثورة آنذاك .
وفي هذه المرحلة أنجزت أمريكا إنجازات عظيمة على مختلف الاصعده
السياسية والاقتصادية والثقافية والتنموية بحيث كانت بفعل اكثر دول العالم
استقرارا ونماءا في تلك الفترة , وكان لانعزالها وانشغالها في بناء قوتها
الداخلية وتأسيس ترسانتها الاجتماعية الدور الأبرز في ظهورها بقوه في المرحلة
الرابعة على سطح العلاقات الدولية .
4-المرحلة السياسية الرابعة :يمكن اعتبار أن هذه المرحلة قبل الاخيره أطول
مرحله مرت بها الولايات المتحدة بشكل خاص لأنها تحوي الانطلاق بسرعة نحو إثبات
الذات على المستويين الداخلي والخارجي ثم تضم حاله من الراحة والسكون غريبة
نوعا ما يسميها ابن خلدون ب(حاله من القنوع) ويبدو أن سببها هو رضا الدولة عن
المنجزات التي حققتها على مختلف الاصعده .
وعموما يمكن اعتبار هذه المرحلة طويلة نسبيا قياسا بإنجازات الولايات
المتحدة على الصعيد الخارجي حيث أراها تستمر من نهاية الحرب العالمية الثانية
وحتى هذا اليوم , وبكلمات اكثر تفصيلا بدأت مع ظهور الولايات المتحدة كقوه
عالميه تمتلك أقوى سلاح عسكري (القنبلة النووية) أرهبت به كل القوى القديمة على
الساحة الدولية وانفردت في صنع القرار العالمي لمده ليست بالقصيرة حتى تسنى
للاتحاد السوفيتي بالظهور كمنافس بعدها بفترة , وخلال هذه المرحلة تحولت قيم
الحرية والديمقراطية التي تأسست عليها مجرد شعارات سياسية عريضة تصطدم بمصالح
أمريكا على المحيط الخارجي مما اقتضى أن تضرب بها عرض الحائط لتلبي الاحتياجات
الاساسيه لأمنها الوطني الخارجي مع الوضع في عين الاعتبار أن مسؤولياتها
الدولية ستزداد مع السيادة الخارجية بسبب تحملها لمسؤولية الدفاع عن مصالح
الغرب آنذاك .
وطوال هذه المرحلة تحولت الولايات المتحدة من مدافع عن الحرية
والديمقراطية إلى أول من يحمل لواء الحرب على كل من يحاول أن يتحداها أو أن
يعكر صفوها , وبدأت تحبو حبو سياسة الحضارات الآخر في التطلع خارجيا والبحث عن
المجال (الجيوستراتيجي) الذي يؤمن لها الهيمنة والقوه على الأمم والحضارات
الأخرى بعدما كانت قد اقتنعت أن أسباب قوتها تكمن في سياسة الردع التي تمتلكها
عسكريا لاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واقتناعها أن التاريخ قد توقف عندها
وحسب وان غيرها من الحضارات الأخرى زالت وانتهت , ناسية أو متناسية أن التاريخ
لا يمكن أن يُعمّرها اكثر مما عمّر غيرها بمعنى (لو دامت لغيرك ما وصلت إليك )
هذا افضل تعبير ممكن إن يطلق على تصور أمريكا لنفسها حتى الآن.
5- المرحلة السياسية الخامسة :إذا كانت المرحلة السابقة قد أنشأت
الامبراطوريه القويه التي لا تقهر ولا تهزم فإنها أيضا كانت هي نفس المرحلة
التي أسست لقيام المرحلة الخامسة والأخير من عمر الولايات المتحدة , حيث في هذه
المرحلة يبدا الترف والدعه والراحه والسكون يهيمن على أعضاء الدولة , وتسود
حاله من الخذلان بين أبناء الدولة تجاه دولتهم وتمسي الدولة أشبه بفندق يقدم
الطعام والراب والنوم والمأمن وحسب ولا يصبح لمعاني الوطنية والأرض والامه أي
دور في تحفيز القيادات أو المواطنين للدفاع عن موروثاتهم التاريخية , وكل هذا
بسبب الانحلال العام الذي يستشري في الدولة بصوره غريبة لانتهاء طموحها في
الوصول لاكثر من ذلك أو لعدم توفر إمكانيات اكثر ممكن أن تكون طريقا لطموح اكبر
مما تم الوصول إليه.
وبتطبيق ذلك على الولايات المتحدة تجد جليا انه وبعد انتهاء الحرب
الباردة وبعد أزمة الخليج وتناهب المصالح الوطنية في كل جزء من العالم , وبعد
أن تحقق السلام شبه العالمي وسيادة سيطرتها على معظم أنحاء العالم وتصفية
حساباتها مع كل الأقطار التي كانت تناهضها 000 الخ بعد كل هذا يلاحظ أن أمريكا
سكنت إلى الراحة والسكون والطمانينه وانتشرت حاله من الخمول في سياسة الولايات
المتحدة تجاه الآخر بعد أن كانت قد اتبعت كل أصناف الظلم والاستبداد والجشع في
تغليب مصالحها على مصالح الآخرين بطريقه غير معهودة إلا من الحضارات التي تسعى
إلى هاويتها.
ولم توجد بقعه على وجه الأرض إلا وتضررت من سياسة أمريكا تجاهها لأنها
كانت تقف مع القوي ضد الضعيف ومع الظالم ضد المظلوم , بل أنها لم تسجل لنفسها
أي نقطه ايجابيه ممكن للتاريخ أن يحفظها لها مستقبلا 00 كالعدل أو المساواة أو
السلام أو الحرية 000 الخ
وعلى الصعيد الداخلي انتشرت الاباحيه والفساد والظلم والجور والعنصرية
الدينية والطائفية والسياسية وحتى الاجتماعية أيضا أمست أمريكا داخليا ليست
اكثر من مؤسسه تخريب وتعطيل للقيم الدينية والاخلاقيه فسقطت إلى الهاوية
وانتشرت الجرائم بكل أنواعها وكان للمافيا العالمية مقرا منها وكان للإرهاب
المنظم قاعدة منها كذلك , كيف لا يكون كل ذلك وهي تمارس إرهاب الدولة وأصناف
التدمير والقتل والاباحيه يوميا على الشعوب المنكوبة والمظلومة بدءا من اليابان
(هيروشيما ونجازاكي) ومرورا بفيتنام وحربها الشرسة ضد الشعب الضعيف وحربها
الباردة مع الصين ودول جنوب وغرب وشرق آسيا ووصولا إلى العراق الذي كان من اكثر
المتضررين من ظلمها بعد أن دمرت قوته العسكرية وقتلت اكثر من نصف مليون طفل
عراقي ودمرت البيئة واغتالت الإنسان العربي وانتهكت حرمة الإسلام مرات ومرات
000 الخ هذا ناهيك عن الخليج الذي نهبت خيراته وثرواته بصوره قذرة , وناهيك
أيضا عن ما فعلته في دول أمريكا اللاتينية من تدميرٍ وتخريبٍ وإسقاط للانظمه
الواحد تلو الآخر في سبيل تحقيق مصلحتها الدنيئة وحسب .
لا شك أن ما زرعته أمريكا من كره وحقد لها في كل شعوب العالم حصدته
يوم الثلاثاء (الأبيض) عندما دكّ أعدائها رموز هيبتها في واشنطن ونيويورك و
أرسلوا لها رسالة صغيره مفادها{ أن من لا يستقيم في إحقاق الحق على كل البشر
نهايته قريبه وان ما لِحقَ بكِ اليوم هو مجرد إنذار أوّلي 000 أما نهايتك
الحقيقية ستكون على يد التاريخ وحده لانه لم ولن يرحم أي حضارة تسير وراء قوتها
وهمجيتها كوسيلة للبقاء 000 واعتبروا يا أولي العبر 000 }.
هذه الرسالة ليست مني أو من أي أحد يعيش على قيد الحياة حاليا لأننا
كلنا في طوع أمريكا فهي صاحبة أقوى حضارة زائلة الآن , وانما هي رسالة وعبره من
ابن خلدون يهديها إلى الولايات المتحدة كوسيط عن الحضارات التي زالت قبلها ولم
تتعلم من سابقتها .
ولكن يبدو أيضا أن أمريكا لا تريد أن تطيل في عمرها فهي مازالت إلى
الآن تمخر في عباب البحر الذي كان السبب في دفن الاتحاد السوفيتي في أعماقه ,
إنها مصره على ضرب أفغانستان وضرب كل من له علاقة بالإسلام إنها أعلنت الحرب
الصليبية على العرب والمسلمين وتدعي إنها حرب على الإرهاب وليست على الإسلام
بعد أن نطق لسان الكافر بالحق لاول مره دون قصد دبلوماسي , انه يبحث عن نهايته
ونهاية حضارة أمته الزائلة ولا شك .
وتبقى مسالة زوال وسقوط هذه الحضارة المادية والشيطانية مجرد مسألة وقت
وليس اكثر وسقوطها سيكون أني ومتدرج كبدايتها تماما , وإذا كنا لا نعلم بالغيب
- بالتأكيد- عن ساعة صفر الولايات المتحدة للانهيار والسقوط من أعلى القمة ,
فإننا نعلم بالضرورة أن سقوطها سيكون خاتمة المطاف السياسي لكل الدول
والإمبراطوريات التي تتوهم أن عمرها سيكون أطول من عمر الشيطان الأول , وعلى
رأسها الكيان الصهيوني خُرافة القران العشرين (إسرائيل ) .
 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home