مقال

 

التجاذب الثقافي واعادة تشكيل حدود المجتمع المدني

فراس جابر



التجاذب الثقافي وإعادة تشكيل حدود المجتمع المدني

بقلم: فراس جابر

حراك المجتمع المدني الفلسطيني خلال العقدين الماضيين كان سريعاً قياساً بالفترات الماضية من تاريخ المجتمع الفلسطيني حديث التشكيل، وأرتبط هذا الحراك بحدثين أساسيين؛ أولهما الانطلاق الواسع للمؤسسات الأهلية نتيجة محددات موضوعية تجاوبت مع تأثيرات الاحتلال على بنية المجتمع الفلسطيني، وتعاملاً مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي استلزمت تحويل جزء كبير من الجهود الشعبية إلى شكل مؤسسي يدعم الوجود الفلسطيني، ويزيد من مقومات الصمود الشعبي في وجه محاولات استبدال البنى المقاومة بأخرى أكثر ليونة وتقبلاً للواقع المعاش. ثانيهما قدوم السلطة الوطنية الذي أعاد إنتاج المجتمع المدني الفلسطيني من جديد نتيجة تشكيل حقل سياسي شبه رسمي للمرة الأولى منذ النكبة، استلزم بقدومه رسم خريطة قوى جديدة تحتل فيها مساحات واسعة من الفعل والتأثير، وإعادة ترتيب خارطة القوى لتتوافق مع متطلبات وجود مؤسسات كيانية، مما أدى بالضرورة إلى تراجع مساحات فعل المجتمع المدني تحت تأثير امتداد إعادة ترتيب خارطة القوى السياسية، واكتساب هذا الحقل زخماً شديداً نتيجة اندماج عدد كبير من قوى المجتمع المدني في بناء الحقل السياسي نتيجة وجود قناعات محددة أو لضرورات أخرى ليست بالضرورة تتنافى مع العمل من داخل المجتمع المدني.

 إلا أن المجتمع المدني الفلسطيني بقي نشيطاً ومؤثراً رغم التأثيرات المختلفة الناتجة عن قدوم السلطة الوطنية، ومحاولاتها المختلفة للتقليل من مساحات الفعل المجتمعي لقوى المجتمع المدني نتيجة الشعور القوي بأنه هذا المجتمع لا يعدو عن كونه منافساً شرساً بالمعنى السياسي، المجتمعي وحتى المالي، ورغم هذه التجاذبات المتفاوتة إلا أنه لا يمكن بالضرورة نفي أمرين هامين في هذا الإطار، الأول الادعاء بان المجتمع المدني مجتمع متجانس، فهو بالأساس بنية تعتمل بداخلها تناقضات جوهرية منها ما هو ايدولوجي ومنها ما هو شخصي، إلا أنه ما يجمعه العلاقة العضوية بفئات محددة وواسعة من المجتمع الفلسطيني بادعاء تمثيله العضوي لها، وينطبق هذا على مكونات المجتمع المدني السياسية المختلفة، وحتى ادعاء الاستقلالية لا ينكر بالضرورة وجود علاقة عضوية مع جهة ما يمثلها هذا التوجه أو ذاك.

كما لا يمكن الفصل الحاد والقاطع بين المجتمع المدني والسلطة الوطنية، لأن السلطة لم تتبلور تماماً كمؤسسة سيادية تحوي بداخلها مقومات الفعل السياسي، ويتنافس أقطاب المجتمع المدني للسيطرة عليها عبر وسائل مختلفة مثلما يمكن تحديد ذلك في دول ومجتمعات أخرى، فالسلطة الوطنية رغم محاولاتها المتكررة تثبيت صورتها كمؤسسة سيادية كاملة إلا أنها كانت وما زالت بأجزاء منها داخل المجتمع المدني، ارتباطاً بوجود الحركة الحاكمة سابقاً ضمن سياق هذا المجتمع، ووجود عدد كبير من قيادات السلطة في مواقع مختلفة داخل المجتمع المدني، وبالتالي وجود علائقية بين السلطة والمجتمع المدني أمر أدى لاستمرار حلقات من التجاذبات المختلفة، انتهت بحد ما بقبول الأمر الواقع دون التسليم المباشر به. لكن هذا الواقع قد أختلف الآن، فالمجتمع المدني كساحة صراع بين القوى المختلفة من أجل السيطرة على المواقع السياسية المختلفة أثبت نجاحاً في حالة الحركة السياسية الإسلامية المرتبطة أساساً بحركة الأخوان المسلمين التي شكلت حقلاً خاصاً بها يعمل كحقل مضاد ومنعزل داخل المجتمع المدني، ولا يختلط به بالضرورة تأثيراً أو تأثراً، من خلال إيجاد بنية اجتماعية محاطة بسوار من المؤسسات المختلفة تعمل أفقياً داخل المجتمع المدني، ولا تختلط به عمودياً، ولكنها كمكون من مكوناته بقيت خارج الحسابات حتى لحظة الانتخابات التشريعية الثانية التي أعادت تشكيل خارطة الفعل السياسي، وبالضرورة محاولة إعادة تشكيل المجتمع المدني وفقاً لحسابات الرابح.

فحسم معركة السلطة السياسية نتيجة الانتخابات الأخيرة، أدى لانحياز التيار التقليدي الذي اعتبر تاريخياً مرتبطاً بالحركة الحاكمة للقادم الجديد ممثلاً بحركة حماس مؤشراً لتصاعد حدة الصراع والاحتدام داخل المجتمع المدني ليس بالضرورة نتيجة محاولة واحدة من قوى المجتمع المدني السيطرة على السلطة السياسية، بل نتيجة العكس تماماً محاولة السلطة السياسية ممثلاً بالوافد الجديد السيطرة على المجتمع المدني واختراقه بعد أن كان قد همش نفسه عنه لفترات طويلة محاطاً بجدران سميكة من اجل بناء مقومات انطلاقه ونجاحه التي تحققت بالفعل عبر العمل الحقيقي مع فئات مجتمعية واسعة من المجتمع الفلسطيني، في ظل انشغال حركة فتح في تثبيت المواقع داخل الحقل السياسي، وبالتالي أضحى المجتمع المدني جزء من حالة الاستقطاب السياسية. يتمثل هذا الانحياز في الخلاف الأخير حول كتاب قول يا طير الذي أثار ضجة كبيرة تساءل البعض عن أسباب قوتها، وأنها تجاوزت المطلوب من الطرفين، فالطرف الأول قام بحرق كتاب يعتمد أسلوباً علمياً، ومحتواه لا يتجاوز الحكايا الشعبية التي تتلوها الجدات والأمهات، وقام الطرف الثاني بردة فعل قوية من قبل المؤسسات الأهلية، الأحزاب والمثقفين والكتّاب وبعض وسائل الإعلام المعروفة بانحيازها العلماني واليساري في اصطفاف ثقافي رمّز له الكتاب، وأبعاده أعمق من ذلك بكثير، لأن القيادة "النخبوية" للمجتمع المدني بقيت في أيدي العلمانيين واليساريين، فيما كان الإسلاميين في مؤخرة هذه القيادة، وبالتالي لغة المجتمع المدني عامة لا تتناسب مع الطموحات الاجتماعية والثقافية لحركة حماس، التي حاولت من خلال قرار وزارة التربية والتعليم فرض رؤيتها على المجتمع من خلال إتلاف هذا الكتاب كمقدمة فعلية للتحرك باتجاه تغيير الخطاب الثقافي داخل المجتمع الفلسطيني.

هذا الاصطفاف الثنائي مؤشر كبير على وجود صراع قوي وحاد يهدف لإعادة ترتيب وتوزيع خريطة القوى داخل المجتمع المدني بحيث يكفل السيطرة الثقافية والاجتماعية للوافد الجديد عليه، بما يمثل قوته السياسية غير المنعكسة بالضرورة في حجم تمثيل فعلي داخل المجتمع المدني، وعلى الأقل يمكن الادعاء بأن قيادة المجتمع المدني لا تعكس هذا التيار لأنه ظل لفترة طويلة يعمل في المستوى الأدنى من المجتمع المدني دون الدخول في صراع مباشر من أجل السيطرة عليه، لأن الاعتقاد كان بوجوب السيطرة السياسية كمدخل أساسي، ومن ثم يتم انجاز مهمة السيطرة الأخرى، وبالتالي الإمساك بالسلطة السياسية وتوجيهها لتخدم البرنامج الاجتماعي والثقافي من اجل بناء مجتمع يتوافق مع هذا البرنامج يواجه تحدياً مرتبطاً بوجود قيادة مجتمع مدني تختلف عن قيادة السلطة السياسية، وبالتالي لا بد لاستكمال تحقيق هذا البرنامج السيطرة على قيادة المجتمع المدني. الحراك داخل المجتمع المدني بين النخبة العلمانية واليسارية من جهة، والقوى الإسلامية من جهة أخرى، يمكن في أن يفهم في سياق تعريف المجتمع المدني كساحة صراع بين الفاعلين داخل المجتمع، وبالتالي التجاذب الثقافي حول كتاب قول يا طير أو كتب أخرى قادمة يمكن أن يفهم ضمن هذا السياق لا خارجه، لكن الغريب حقاً السكون الذي رافق الضجة ولم ينتبه إليه المعظم نتيجة الضجة المثارة، سكوت المثقفين التقليديين والدينيين عن الموضوع في تحالف غير مباشر مع الطبقة الحاكمة الجديدة، لأنهم كجزء من المجتمع المدني شكلوا تحالفاً غير معلن مع الحكام الجدد، وبالتالي لم يرفعوا صوتاً في هذا الإطار.

اصطفاف المجتمع المدني وفقاً للبرامج بات أمراً مصيرياً، وانحياز المكونات الفاعلة ممثلة بالمؤسسات الأهلية والمثقفين لبرنامج دون البرامج الأخرى، وإزالة قناع الاستقلالية التامة بات مهماً من أجل الحفاظ على المواقع داخل هذا المجتمع المدني، وإلا سيتم نزع فاعلية هذا المجتمع من خلال القوة والفاعلية التي أثبتت نفسها خلال الانتخابات الأخيرة، وسواء جاء التضامن العالي مع الكتاب لأسباب سياسية أو لإدراك الصورة الكاملة فإن العمل على أرضية وجود علاقات عضوية ما بين المجتمع والأحزاب من جهة، وما بين الأحزاب وممثليها المختلفين في المجتمع المدني تعبيراً عن برنامج كل توجه سياسي كما يجدر أن يكون.




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home