قصة

 

القطة

عبدالجواد خفاجى




قصـة قصيرة

عبدالجواد خفاجى

القـطـــة


كأنما كانت الشمس ترقب وجه الأرض للمرة الأولى .. من شرفته كان الأفق باديًا..رأت عيناه الثلوج تتنحى عن الطرقات رويدًا ، والنوافذ على غير العادة تفتح فى تلك الساعة الناعسة من الصباح .. فى لحظة ما كان الميدان الفسيح خاليًا من الأرجل ، تلاشت الطرقات الثلجية ، والشمس على غير ما يجب تسحب قبعة الكون إلى أول الطريق .. أدركتها عيناه جيدًا، خارجة لتوها من عين الشمس ، وئيدة الخطى فوق بساط الماء 0

كانت تحت الرقص على موسيقى " الديسكو " ترتعش كثيرًا .. تجوب الأرض حافية ، يسيل العرق على خديها .. ترتاح على صدره فى لحظة الانتشاء ، كالقطة السيامية ، يتحسسها بيديه .. تستعطفه عيناها .. تفرك صدره .. تختبئ فيه حتى الصباح 0

كان يعشق الهدوء ، تستهويه الموسيقى الحالمة ، يغرق كثيرا في التأمل .. يتمنى أن تتوقف عن الرقص .. يشكو صخب الموسيقى .. يأمرها .. تتأفف .. تواصل الرقص ، ثم تعود كالقطة السيامية .

رائحة التبغ تُضَـيِّـق صدره .. يتأمل السيجارة بين شفتيها المسعورتين ..يتمنى أن تكف عن التدخين . خلف مقود سيارته يرجوها ألا تسرع ، يتأمل هدوء الصباح ويتمنى أن يقود السيارة بنفسه .. تمتنع .. تعلن عن رغبتها في هتك سكينته وبروده .. تقرا لأجاثا كريستى ..لا يحب أجاثا .. له صديق واحد .. لها أصدقاء كثيرون .. لا يحب الخلود في "البانيو ".. تعشق الخلود في " البانيو " .. يتحدث في السياسة ..لا تحب السياسة .. يقرأ الفلسفة..لا تفهم الفلسفة .. في هدأة الليل يشرب كأسًا واحدة .. تحتضن هى الزجاجة .. ينظر في خزانة ملابسها ، يسألها عن " فستان " أحمر .. تضحك .. تسحبه إلى غرفة أخرى .. تعلن أنها لا تصارع الثيران .. يكره العرى ، تحبه هي .

في الظهيرة تثرثر مع الخادمة .. صوتها يزعجه .. يلقي بالجرائد في سلة القمامة ؛ يقرأ في عينيها شقاوة النساء .. يشدها من شعرها ، تنقاد ، تقرأ عليه مجلة نسائية .. يسألها عن حرب الكواكب ، عن كرة أرضية ، عن نََفَسٍ مخنوقٍ في صدره ، تسأله عن شَعْر فى معطفه ، وعن غانية في رأسه .. ينزعج كثيرًا ، تضحك ، تتشمم رائحته ، تقرأ أبراج الحظ ، تعلن أن الثور سعيد جدًا .. يخرج يوم العطلة .. لا تخرج يوم العطلة .. يستيقظ مبكرًا ، تنام حتى الظهيرة.. يهوى صيد السمك ، تهوى تربية الكلاب ..يحب الأطفال ،لا تحب الأطفال .. يفضل الجلوس في الشرفة .. تفضل الجلوس فوق سطح البيت0

وئيدة الخطى فوق بساط الماء تنكمش في معطفها الشتوي .. تتأمل وجه الصباح كأنما كانت تسائل الطرقات والشجر ، شاردة عيناها في بقع الثلج المنزاحة .. لم تلحظه وهو يتعثر مخترقًا طرقات الحديقة المتعرجة ، يشير إلى أول الطريق ، يتمنى أن يلحق بها قبل أن تجتاز الميدان .. عادت إليه خفة الطفولة ..انطلق يركض ، تتقاذف رجلاه كور الثلج .. صاح عندما رآها تنحرف عن الميدان : " سونيا .. سونيا " .. اخترق الصوت الحجب الصامتة ، وثمة عيون خلف النوافذ الزجاجية تراقبهما .. رجل وامرأة يركضان .. تنفك أزرار المعاطف .. يلقى كل منهما بمعطفه .. تبدو كالسنجاب .. يفرد لها ذراعيه على بعد خطوة منه .. حين قفزت إلى حضنه احتواها .. في لحظة نادرة سمعت دقات قلبه للمرة الأولى منذ أن افترقا قبل عشر سنوات . تذكرت كلماته إليها : " كالقطة العابثة أنت .. تحتلين صمتي وسكوني .. أراك ولا أراك ، فأواصل البحث عنك من جديد "0

تركت دموعها تبلل صدره ، وفي لحظة أخرى كانت يداه لا تثبتان على حال ، تركت جسدها ينساب .. حملها فوق ذراعيه ، ومضى عائدًا إلى بيته .. أتاها صوته همسًا : " مرة أخرى ألتقيكِ .. كم تبدين رائعة .. أتذكر منذ عشرين عامًا دفعنى الزحام إلى صدر غادة شقراء .. توقفت ناظرًا فى عينيها .. دفعتنى برفق ومضت .. تخيلت قطة سيامية تنام على فراشى .. بلهفة استدرت أبحث عنها بين الوجوه

عبدالجواد خفاجى

khfajy58@yahoo.com




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home