مقال

 

دولة الحزب الواحد ليست لجميع أبنائها

الهادي المثلوثي



دولة الحزب الواحد ليست لجميع أبنائها

بقلم الأستاذ الهادي المثلوثي.

لا يستقيم مفهوم دولة القانون والمؤسسات دون ممارسة ديمقراطية حقيقية تتجلى فيها حقوق الإنسان الكاملة. ومن أبسط هذه الحقوق حرية التفكير والتعبير والتنظم المدني والسياسي حتى يستكمل المواطن شروط اكتساب المواطنة والانخراط في منظومة الحقوق والواجبات الكافلة للانتماء الوطني والالتزام بدستور البلاد وتشريعاتها وقوانينها. ولكن حين تصبح الدولة ملكا لحزب بعينه أو لفئة دون أخرى فإن المواطنة تفقد شروطها وخصائصها ويفقد العقد الاجتماعي مفهومه وتنتفي الشراكة بين القوى الاجتماعية والسياسية المكونة للمجتمع وقد تتحول إلى احتكار لصالح الحزب الحاكم أو الفئة المهيمنة على مقدرات البلاد، فيسود الظلم والحرمان والقهر والمنع وهذه أمور تتنافى مع منظومة قيم ومبادئ المواطنة وحقوق الإنسان ومفهوم المجتمع المدني والحياة الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية وتضرب في الصميم دولة القانون والمؤسسات.

فكم نحتاج من الزمن حتى نصبح مواطنين شركاء في الوطن وفي الحياة الفكرية والسياسية ونتساوى أمام القانون لنمارس حرية التفكير والتعبير وحق الانتماء إلى جمعيات مستقلة وحق التنظّم في أحزاب يحميها القانون ضمانا للتعددية والديمقراطية الحقيقية ؟.

لا جواب، طالما أن الدولة احتكار للحزب الواحد ومن والاه في الرأي والنهج السياسي: ديمقراطية على القياس وتعددية مشروطة وبالتالي حياة سياسة قائمة على مصادرة الإرادة كسبا للتأييد المطلق والتسليم بالأمر الواقع المحكوم بهيمنة الحزب الحاكم والوارث للسلطة والمؤتمن على الدولة ومصيرها. في ظل هذه العقلية الحزبية الأبوية لا بد أن تكون حرية التفكير والتعبير مزعجة لأصحاب السلطة ولا بد أن تشكل استقلالية الجمعيات والمنظمات والأحزاب خطرا على المؤسسة الحزبية المتفردة بإدارة وتسيير الدولة. وعليه لا مكانة لحرية الصحافة والإعلام ولا منبر للرأي المخالف وللنقد الهادف ولو كان مجرد موقع على شبكة الانترنت. فسياسة المنع والقمع وغلق المواقع أمر بديهي لتكميم الأفواه وخنق الأصوات لطمس الحقائق بفرض الخطاب الواحد والرأي الأوحد، فلا صوت يعلو على صوت الحزب الحاكم ولا معارضة لسياساته ولا شريك له في التقرير والتسيير والاستئثار بالسلطة واحتكارها.

فالشكوى من عدم الحصول على تأشيرة لتكوين حزب سياسي أو جمعية مدنية والاحتجاج على غلق موقع واب على الانترنت أو منع تظاهرة أو التضييق على نشاط معارض لا تجدي نفعا ولا تقيم الحجة على خرق الدستور والقانون لأن العقلية السائدة تقوم على منطق التملك والمسؤول المؤتمن على المصلحة  العليا للبلاد وما لها ومن فيها. وإن كان لا بد من معالجة لما نحن فيه من مآزق اجتماعية وسياسية فالحل الجذري يكمن في تخليص الدولة من مختطفيها وتحرير السلطة من محتكريها حتى يأخذ الدستور مكانته وتأخذ القوانين مجاريها الطبيعية ويسترد الشعب سيادته ويحرر إرادته وينال كرامته ويمارس حقوقه في إطار مواطنة مكفولة بدولة القانون والمؤسسات. هذا هو الحل وسيبقى حلما إن لم تلتق الإرادات الحرة والواعية للقوى الحية في جبهة وطنية واسعة ومتماسكة لتحرير الدولة من العقلية الاحتكارية وطواغيتها وبذلك فقط تكون الدولة لجميع أبنائها والسياسة فيها شراكة والتعددية الحزبية ضمانة للديمقراطية وحصانة للمجتمع المدني وآلياته التنظيمية.

بقلم الأستاذ الهادي المثلوثي، تونس في 22/4/2007.




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home