القلم الفكري

 

اللباس بين المدعى والواقع

جعفر حمزة-البحرين




عندما يتحرك التنظير بعيداً عن أي قوة استدلالية تمتلك الرؤية الواضحة والمُستند الواقعي، فإن ذلك التنظير سيفتقد المصداقية أولاً، وسيكون اجتهاداً
شخصياً يفتقر لأُس الرؤية المعرفية الرصينة ثانياً، بالإضافة إلى خلق حالة من اللاتوازن في تداول عناوين تستند إلى مصدر أيدلوجي يرسم الخطوط العامة
للمجتمع.
ومن ضمن تلك التنظيرات الدعوات والتحليلات المتتابعة لبعض الكتاب في الجرائد والمجلات حول الحجاب والحرية الشخصية للباس، ولكي لا نستغرق في
المقدمات، أحببنا أن نورد النقاط التالية:
أولاً: إنّ أي تحرك فكري يصطبغ بالمفهوم الأيدلوجي المُفضي لوجود سلوك خارجي، يستند إلى أدلة ورؤى تعطي ذلك التحرك مشروعيته الأيدلوجية وقوته التحليلية في تبيان الصورة الواقعية له، و تحرّك القضية من مفهوم شخصي بحت سيُبعد الموضوعية في الطرح، وهذا ليس مدعاة لحجر الفكر ورؤيته؛ بل هي دعوة لأن يتحرّك الفكر عبر قواعد سليمة تمتلك من قوة الاستدلال والمنطق ما يجعل ذلك الفكر مُلامسا لمفردات واقع يأخذ مرجعيته من أيدلوجية واضحة المعالم والدلالات كـ(الإسلام).
ثانياً: الموضة والتطور كمدعىً ينطلق منه البعض لأن يجعل دائرة الاستغراق في الذات" الأنا" بعيدة عن التفاعل الجاد والواقعي مع معطيات التغير على الساحة الاجتماعية، يلزم مثل هذا الأمر الوقوف قليلا عند أصل هذا المُدعى فإن كان الأمر مستند على قاعدة مشتركة تجعل من الإسلام ساحة التحرّك المطلوبة، تعتمد على النص الشرعي وتحليل أهل الاختصاص فيه، فإن الرؤية عبر النصوص المقدسة والشرعية تضع لنا الصورة كاملة بجميع تفاصيلها في هذا الشأن من مفهوم الحجاب كواجب شرعي مرورا بشروط اللباس في الإسلام وانتهاءً بأدق التفاصيل حول لباس الرجل والمرأة، وإن كان ذلك المُدعى " الموضة والتطور" بعيداً عن الرؤية الأيدلوجية "الإسلام" ويقترب لدرجة الاتصال بالرؤية الغربية في هذا الموضوع، فيقول "Mike Mathuse" في مقال له بعنوان "Sexy fashions, what do men think?" حول انطباعات المرأة المتكونة من خلال مجلات الأزياء والموضة:( يجب أن لا تنخدع المرأة بما هو معروض في المجلات عن الأزياء والموضة، التي تجعل من كل شخص يبحث عن الجنس وعليكِ أن تلبسي ثيابا مُغرية لتحصلي على الرجل الجيد، ليس صحيحاً، فقط الذين يريدون أن يحصلوا على متعتهم الجنسية يشجعون النساء على ارتداء مثل تلك الملابس، وليس عليكِ أن تظهري جسمك لتحصلي على الرجل الجيد)www.profile.com/sexyfashions.html .
ولأخذ صورة حية لما يحصل في الغرب، يقول "Jim Dodge": ( هنا في الولايات المتحدة، صورة الجسد تُسبب الإرباك والإثارة، وهي مصدر للمُتاجرة، فالعُري يمتلك قيمة عُليا) Nude & Natural magazine, issue 16.1,page 17.
ثالثا: القياس المُفتقد لأصله المعرفي في الطرح، عبر القول بأن ليست كل مُحجبة بملاك وليست كل سافرة بفاجرة، يستدعي التوضيح، فالتزام المرأة المسلمة بتكليفها الشرعي عبر لبسها للحجاب الظاهري هو التزام مطلوب، وإن لم ينسحب هذا الالتزام على السلزك، فهذا ليس بمنطلق لترك الحجاب أو التهوين به، مَثَلَه مَثَلُ الصلاة فهي تكليف شرعي ينهى عن الفحشاء والمُنكر بالمفهوم القرآني، وإن لم يتحرك هذاالمُقتضى القرآني في حياة الفرد فليس هذا بمدعاة لترك الصلاة كونها لم تحقق مقتضاها المطلوب.
رابعا: إن تحرك الحجاب كوسيلة لإرضاء الوالدين، أو أن يكون حيلة للتستر على التصرفات المنحرفة، هو أمر موجود، ويستلزم القول بأن الحجاب من ضمن مراحله الأساسية ليكون حجاباً قرآنياً،هو:
1) المستوى الفكري والنفسي، عبر معرفة:
أ) إلهية الحجاب: يُنظر للحجاب كما يُنظر لأي عادة وتقليد متوارث، ويكون الرادع عن مخالفته هو الخوف من نقد وذم المجتمع، وعندما تتوفر بعض المعطيات الملموسة فبالإمكان أن تتحرر الفتاة من هذه العادة، فأهم مكونات الحجاب هو وعي الصفة الإلهية التي يمثلها، وإن عبودية الفتاة لله سبحانه تقتضي منها وبصورة حاسمة الامتثال للتكاليف الإلهية.
ب) وعي أبعاد الحجاب: هذا الوعي يتطلب أن تستوعب المرأة الحجاب بكل أبعاده وجوانبه ليصبح للمرأة حجاب معنوي في داخلها وحجاب للصوت والمشية والوجه والشعر والجسد في مظهرها، وحجاب للعلاقات والأخلاق في سلوكها الاجتماعي.(ثقافة الحجاب، سعيد النوري، دار المحجة البيضاء،ط1، 2001م).
وللأسف الشديد( تأخذ بعض العائلات المسلمة على بناتها لبسهن للحجاب بذريعة وجوب محاكاة التقدم والتطور، ونزع الحجاب من مقتضيات ذلك الأمر) The Hijab Experience of Canadian Muslim Women, by Catherine Bullock
www.islamzine.com/hijab/hijabcal.html
خامساً: يدعي البعض أن المرأة بإمكانها فرض احترامها حتى لو كانت تلبس القصير والضيّق، ولو أظهرت مفاتنها، مثل هذا الادعاء تنظير لا يلامس الواقع بأدنى مفردة، فلقد( برهن علم النفس الجنسي أن كافة جسم المرأة مثير للرجل بينما لا يصدق هذا الأمر على الرجل، فالذكور البالغون يبدون تحسساً أكبر نحو المؤثرات الجنسية المُنتقلة عن طريق العين وتُبدي المرأة تأثيراً أكبر بعوامل الإثارة اللمسية). The Psychology of clothes, Flugel J.C., New York international universities press,1971,page 107
ويقول "Mike mathuse" بشأن لباس المرأة : ( طريقة لبس المرأة لثيابها يعكس تصورها عن نفسها، كما يُعطي إذناً للرجال بالتصور عنها )، ويخاطب المرأة قائلا: ( إذا عرضت نفسك للآخرين بصورة مُثيرة من خلال لباسك، فطبيعي أن الكثير من الرجال يريدون جسدك للمُتعة بغض النظر عن كونك امرأة لك شخصيتك و فردانيتك في التفكير)، ويُعقّب ( الرجال مُخطئون إن فكروا بشهوانية إزاء المرأة التي تلبس ثيابا فاضحة، لكن الرجل المُهذّب يريد أن يبتعد عن مثل هذا التفكير، ونأمل من لامرأة أن تساعده على ذلك بعفتها ولبسها للثياب المُحتشمة).
والإنسان في كافة الأفكار والرؤى المعنوية- ومنها الإسلام- لا يرتدي اللباس من أجل أن يعرض جسمه، وإنما يرتديه لكي يستره، فاللباس بالنسبة له صيانة وبمنزلة سور القلعة الذي يحفظ جسمه ويذود بع عن كرامته والهدف من اللباس التقليل من الإثارة الجنسية لا تثوير الغريزة، إنه ليس الجلد الثاني للإنسان وإنما بيته الأول.
ولباس الإنسان هو علم بلاد وجوده وهو علم يرفعه فوق بوابة بيت وجوده ويُعلن به عن الثقافة التي يتثقف بها، والمرأة التي تعرض مفاتنها الجسمية أمام الجميع وتسحب كل ما يتعلق بأنوثتها نحو الزقاق والسوق، إنما تريد أن تحتل مكاناً في المجتمع اعتماداً على"أنوثتها" لا على "إنسانيتها". ثقافة العري أو عُري الثقافة، د.غلام عادل، دار الهادي، ط1، 2001م وأخيراً نقول، إن أي تحرّك فكري إزاء أي قضية بعيداً عن مستندها الايدولجي يُنتج رؤىً تفتقر للتحليل الدقيق لمفردات الواقع المُؤمن بتلك الايدولجية،
لذا فالالتزام العقلي يُفضي لان يكون مصدر التحرك هو البحث الدقيق والرؤية الواضحة لمجمل التغيرات والثوابت في المجتمع، وبدون ذلك تكون كل فكرة ويكون كل رأي مفتقر في ذاته التأثير والمصداقية.
 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home