القلم الفكري

 

لمع من أخبار الفكر الأسطوري

سليم رضوان بو عبيد- الجزائر




لقد جاء في معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية للدكتور أحمد زكي بدوي وفي مادة الأسطورة legend"" أن الأساطير هي المعتقدات المشبعة أو المحملة بالقيم
والمبادئ التي يعتنقها الناس والتي يعيشون بها أو من أجلها. ويرتبط كل مجتمع بنسق من الأساطير يعبر عن الصور الفكرية المعقدة التي تتضمن في الوقت نفسه كل نواحي النشاط الإنساني."(1)ومن هذا التعريف نستخلص مدى تعلق الجماعة الاجتماعية بهذا الفكر والذي قد يعوض الدين في بعض المجتمعات ذات الطابع الانغلاقي والتي لها مرجعية ثابتة في تفسير الأشياء والحوادث، هذه المرجعية تتخذ من الخرافة(2) مصدراً شرعياً لها.لقد لزم الفكر الخرافي الإنسان الأول منذ بداية الخليقة، ومازال ساري المفعول إلى أيامنا هذه، رغم التقدم التكنولوجي للإنسانية، وبلوغ الكائن البشري مراحل عليا من الحضارة، والعقلانية، إلا أنه مازال يجنح ويعتقد ببعض التفسيرات التي تتنافى وقيمه المعاصرة، ومن ذلك الطوطم " totem" الذي تحدث عنه "الأنثربولوجيين" و"السوسيولوجيين" بصفة مفصلة كونه يلعب دوراً أساسياً في حركية المجتمع المحلي، أو القبيلة المعنية، ولقد جاء في تعريفه أنه "حيوان أو نبات أو جسم محسوس ينظر إليه الرجل البدائي في احترام، وخشوع دون أن يكون هناك سبب معقول يدفعه لذلك.
ويعتقد الناس في القبائل "الطوطمية" (3) أنهم ينحدرون عن ذلك الطوطم كما تسمى القبيلة باسمه أي أن الطوطم عندهم هو رمز للأب أو الجد وبديل عنه."(4)ومن ذلك اعتقادهم أن أي خروج عن العادات والتقاليد المتبعة تستوجب غضب هذا الأخير، والذي قد يزلزل بهم الأرض، أو يوقف عنهم المطر، والذي كانت تمارس طقوس محددة لكسب رضاه، والتقرب منه كما هو معروف في عدة مجتمعات التي توصف بالـ"ما قبل صناعية" أو حتى في المجتمعات الحديثة، وسوف نذكر لمع من هذه الأساطير أو الطقوس في مقالنا هذا، لها تأثيرها على الضمير الجمعي في مجتمعنا على وجه الخصوص، اطلعنا عليها عن طريق الروايات الشعبية الشفهية.

الأسطورة الدينية myth:
تعتبر الأساطير الدينية الأكثر انتشاراً بين الجماعات الاجتماعية، وهي القصص الخيالية التي تنتقل بواسطة الرواية وترد حول الآلهة والأحداث الخارقة... وتشرح الأسطورة بمنطق العقل البدائي ظواهر الكون والطبيعة، والعادات الاجتماعية. (5)ويسمى العلم الذي يدرس الأساطير ويشرحها بالميثولوجيا mythology وتزدحم كل الثقافات بمثل هذه الأساطير والتي تأثر بدورها في الحياة الاجتماعية، ومعروفة هي الأساطير التي وردت في الميثولوجيا اليونانية، عن الآلهة والمغامرات الخارقة لـ"هيركول" وأنه بنى قلعة من جماجم البشر، إلى غير ذلك من الأساطير اليونانية، التي انتقلت إلى مختلف الثقافات ومنها الثقافة العربية، وسوف نورد بعض ما استقيناه من الثقافة الشعبية الجزائرية كما أشرنا إليه سابقنا من خلال راويات شعبية معروفة في الأوساط الجزائرية.

ثلاث أساطير شعبية جزائرية:
الأرض الموضوعة على قرن ثور:
يبقى هذا الاعتقاد مميز في المجتمع، وهو التفسير المنطقي بالنسبة للإنسان الأولي أو الذي مازالت فيه رواسب أولية (الأمي على وجه الخصوص) أن الزلزال ناتج عن تحرك الثور الذي توضع عليه الأرض التي نعيش فوقها، والذي يرد هذا الاهتزاز والتموج لتحرك هذا الثور،والذي ينتج عنه تحرك للأرض.
العواية:
وهي عبارة عن مرض يصيب الأطفال، فيجعلهم يصيحون بدون توقف، فيلجأ الأهالي إلى
جذع شجرة على شكل جسر، ويمررون من خلالها أطفالهم سبعة مرات، وهذا هو العدد
"الطوطمي" الذي يعتقد من خلاله الأهالي أنه يجلب إليهم الشفاء ولأطفالهم.
ومن ذلك بعض الأشجار التي يهابها الأهالي ويرفضون قطعها لاعتقادهم أنها تجلب الضر إذا قطعت، ولقد وقعت عدة حوادث من هذا النوع في إقامة مشاريع الطرق، واضطرار المؤسسات المنجزة للمشروع إلى قطع بعض الأشجار فوجدوا مقاومة فعلية من الأهالي كانت تدفعهم إليها اعتقاداتهم الأسطورية.

"بوغنجة"... أسطورة المطر :
تعتبر هذه العادة أكثر تعبيراً عما يمكن أن نسميه بالجنوح نحو التفسير اللا علمي للحوادث، هذه العادة التي مازالت تجد صداً في الأوساط الشعبية الجزائرية، وخاصة في الأوساط الريفية، ويعبر الأهالي من خلالها عن طقوس اجتماعية يرمون من خلالها إلى جلب المطر، حيث يقومون بتجمع في ساحة القرية أو أحد الأماكن العمومية، حاملين تمثالاً مصنوع من القش أو القماش وماشين في موكب جماهيري بهيج مرددين بعض العبارات المخصصة لذلك وتقول الأغنية " بوغنجة دار العقاش يا ربي قوي الرشراش، والجلبانة عطشانة واسقيها يا مولنا، والفول نور وصفار واسقيه يا بولنوار..." (6) وكلها عبارات شعبية يتمنى الأهالي بعد ترديدها نزول المطر بعد طول انتظاره، حتى يسقي حقولهم كي تنمو غلالهم وتمكنهم من العيش في سلام.
هذا ومازال الفكر الإنساني يتطور ويرتقي عن طريق العلوم الحديثة، ولقد جاءت الديانات من مسيحية، ويهودية، والإسلام كي تهدم هذا الفكر الأسطوري وترسخ في أذهان البشر فكراً نورانيا مبني على التفسير العلمي والعقلاني للحوادث والأشياء، إلا أنه مازالت هناك رواسب من الخرافات والأساطير تتحكم في الإنسان الحديث، وتحجر على تفكيره،ولكن الأخطر من ذلك هو توظيف هذه الأساطير من أجل أهدافٍ سياسية(7)، و أغراض خبيثة تشوه إنسانية الإنسان.
---------------------------------
المراجع والهوامش:
(1) زكي أحمد بدوي. معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية إنجليزي ـ فرنسي ـ عربي،
بيروت، مكتبة لبنان،ط1 1979، الطبعة الجديدة 1993 ص244.
(2) الخرافة superstition : جملة الأفعال أو الألفاظ أو الأعداد التي يظن أنها
تجلب السعد أو النحس. وهي عبارة عن رواسب معتقدات دينية قديمة." زكي أحمد بدوي
المرجع السابق ص 415 بتصرف.
(3) زكي أحمد بدوي. المرجع السابق ص 427.
(4) الطوطمية totemism : مجموعة من المعتقدات بشأن الطوطم والعلاقة الخفية بين
أفراد القبيلة. والطوطمية لها شأن كبير في التنظيم الاجتماعي للجماعة. ويعتقد دوركايم أن الطوطمية شكل بدائي للدين وكانت عاملاً هاماً في تنمية التماسك الاجتماعي للمجتمعات الأولى." وللمزيد من عن الطوطمية راجع مؤلفات إميل دوركايم ومنها كتابه الأشكال الأولية للحياة الدينية أو معاجم العلوم الاجتماعية
(5) زكي أحمد بدوي. المرجع السابق. ص 277 بتصرف.
(6) كلمات شعبية جزائرية، وهي التي تردد في أسطورة المطر، اطلعنا عليها عن طريق
بعض الرواية الشعبية.
(7) راجع ما كتبه روجي غارودي عن اليهود في كتابة الذي أثارت ضجة إعلامية: "
الأساطير المؤسسة للفكر اليهودي".
======




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home