القلم الفكري

 

الأمن الثقافي العربي

رفعت شميس-سوريا




شهد الثلث الأخير من القرن الماضي تطوراً كبيراً في مجالات علمية عديدة
لعل أهمها ما نجم عنه ما يسمى بـ ( ثورة المعلوماتية ) ، وهذه الثورة
ناجمة عن التطور الحاصل في مجال الاتصالات ونقل المعلومات ، ويمكننا نتيجة
ذلك أن نشبه الكرة الأرضية بقرية كبيرة ، فالأقمار الصناعية التي وظفت لنقل
المعلومات تغطي جميع أنحاء المعمورة ، وليس من الصعب أن يشهد الرائــي
هنا مجريات أحداث تقع في اللحظة ذاتها هناك وقد تكون الـ ( هناك ) على بعد
آلاف الأميال .
وقد نجم عن قيام ثورة المعلوماتية ظهور مجموعة من المصطلحات وانتشارها
كالوباء ، بعضها قديم تسربل بحلة جديدة وبعض آخر جديد كل الجدة ومن تلك
المصطلحات مصطلـح : الغزو الثقافي ، وهذا المصطلح شاع في الثمانينات من القرن
الماضي ، وقصد به محاولات هيمنة الثقافات الأجنبية على ثقافتنا الوطنية
ومحوها لتحل مكانها ، ومصطلح العولمـة أو لنقل الأمـركة عندما يتم تعرية هذا
المصطلح من قميصه الزائف ، وبالمقابل ظهرت مصطلحات مضادة لذلك الوباء مثل
: ( الدفاع عن الثقافة الوطنية ) ، والأمن الثقافي .
الغزو والغزو الثقافي :
المقصود بالغزو هو الاجتياح العسكري الذي قد ينجم عنه الاحتلال وبلادنا
العربية تعرضت عبر تاريخها الطويل لكثير من الحملات والغزوات التي استهدفت
النيل من الخيرات وإركاع الشعب ، بدأً من غزوات الفرس والروم إلى غزوات
المغول والتتر إلى الحملات الصليبية ، إلى الغزو والاحتلال العثماني إلى
الحملات الأوربية إلى الغزو والاحتلال الصهيوني الذي لا يزال كالخنجر المغروز
في الصدر ، وقد ترافق مع جميع أشكال الغزوات والحملات التي استهدفت وطننا
العربي محاولات الغزو الثقافي ، فالثقافة العربية كانت ولا تزال الهدف
الذي تصوب له السهام السامة بغية تذويب الشخصية العربية ومصادرة الانتماء
العربي ، وإذا كان الاجتياح العسكري يهدف إلى الاستيلاء على منابع الخيرات
فإن الاجتياح الثقافي يهدف إلى النيل من الهوية وبالتالي من الروح والفكر ،
ولا ننسى محاولات التتريك التي سعى إليها العثمانيون .
وقد يسبق الاجتياح العسكري غزواً ثقافياً أو العكس ، وقد لا يكون الهدف من
الاجتياح غزواً ثقافياً ، إلا أنه وبشكل عام يمكن القول : كانت العقول
العربية دائماً هدفاً للثقافات الهدامة .
وعندما لا يجد الغازي سبيلاً إلى الاجتياح والاحتلال العسكري يلجأ إلى
الغزو الثقافي ، وأستذكر هنا قول ملك فرنسا لويس التاسع الذي قاد الحملة
الصليبية السابعة عام 1249 م لكنه وقع أسيراً إلا أن فدية كبيرة جعلته يتحرر
من الأسر شريطة ألا يعاود الكرة ويحمل السلاح ومما قاله إثر خروجه من سجنه
في المنصورة : " لقد تكسرت الرماح والسيوف .. فلنبدأ حرب الكلمة " وإذا
كان من شأن الرصاصة أن تقتل رجلاً فإن الكلمة قد تقتل جيلاً بكامله … ونحن
نشهد اليوم مع ازدياد غطرسة الصهاينة قمة محاولات الغزو الثقافي الصهيوني ،
الذي يسعى إلى استخدام ما يتسنى له من الفرص للولوج إلى العقل العربي ،
وإلا ماذا نفسر حرص العدو الصهيوني على الانفراد بالوفود العربية التي جلست
معه على طاولة المفاوضات ، ولم يفوتنا كيف أن الوفد الصهيوني في مؤتمر
مدريد للسلام عام 1991 حاول أن يجعل من المؤتمر منبراً لمزاعمه التوراتية ،
إذ قام الإرهابي شامير بقراءة نصوص توراتية نسبها إلى الرب دون حياء منه أو
خجل …
إن الثقافة العربية والتي هي تعبير عن الهوية العربية مستهدفة من قبل
أعدائها ، ولأن الأسرة نواة المجتمع فقد كانت محاولات الغزو الثقافي ولا تزال
تتركز عليها ، فنشطت وسائل الإعلام المسمومة التي راحت تروج للرذيلة تحت
غطاء " ممارسة الحريات الشخصية " ولأننا لسنا بصدد الحديث عن دور الإعلام
في توجيه السلوك ، يكفي الإشارة إلى أن وسائل الاتصال التي سبق أن تحدثنا
عنها تلعب دوراً كبيراً في الغزو الثقافي ، وهذا بطبيعة الحال أدى إلى ظهور
مصطلح الأمن الثقافي .
إن مصطلح الأمن الثقافي مرتبط بجملة أشكال من الأمن العام ، إنه امتداد
للأمن القومي ، والأمن الاقتصادي والأمن السياسي والأمن العسكري وأمن المياه
… الخ .
وكذلك فإن العلاقة مترابطة بين كل أشكال الأمن المذكورة ، بل لا يمكن
الفصل بينها إلا في البحث والدراسة ، ذلك لأن توفر أحدها مقرون بتوفر آخر ،
وفي كل جانب ترد فيه كلمة ( الأمن ) إنما يراد منها : تحقيق قدر ما من
المنفعة والقوة لتحقيق نوع من الطمأنينة ، فالعلاقة ترابطية بين كل أشكال
الأمن المطلوبة الآنفة الذكر ، لأن تحقيق الأمن الاقتصادي العربي يتطلب تحقيق
التنمية الاقتصادية والتكامل الاقتصادي ،وهذا يحتاج إلى مجتمع مستقر يعيش
الأمن السياسي ، وإن تحقيق الأمن السياسي مقرون بمجتمع تتحقق فيه حرية
الرأي وحرية التفكير وحرية التعبير ، شريطة أن تمارس هذه الحرية وفق الأسس
القومية والوطنية ، وأن يكون مرام تلك الممارسة لخدمة المصلحة العامة ،
وهذا المجتمع يجب أن يخلو من الاتجاهات العنيفة والمتطرفة المزعزعة
للإستقرار . كما أن الأمن العسكري يتطلب تحقيق التوازن الاستراتيجي والبحث عن سبل
مواجهة الآلة العسكرية المعادية ، ونقول أن الأمن العسكري محقق عندما ينام
المواطن قرير العين ، وحدود بلاده آمنة ، ويكون ذلك بتحقيق توازن عسكري
لمواجهة كل أنواع التهديد . وأمن المياه أمر متعلق باستمرار التدفق الحر
للمياه النابعة من مناطق مجاورة ..ويكون هذا الأمن متحققاً عندما لا يكون
هناك احتكاراً لهذه الثروة التي أنعم الله بها علينا .
وتأتي أهمية الأمن الثقافي من كونه يرتبط بكل أشكال الأمن ، وعندما قال
زعيم الأمة الخالد حافظ الأسد :" الثقافة هي الحاجة العليا للبشرية " نبه
إلى أهمية الثقافة ، ليس لفئة معينة من الناس بل للبشرية جمعاء ، وهذه
الكلمة ( البشرية) تشمل كل حي من البشر ، وإذا ما نظرنا حولنا متسائلين عن سر
التطور الكبير الذي شهدناه لا شك أننا سنرجع ذلك إلى الثقافة ، وانطلاقاً
من إيمانه العميق بأن الثقافة حاجة عليا أساسية لا غنى عن تعزيزها وأن
لبناء الوطن مضموناً ثقافياً لا يقل شأناً عن غيره من المضامين السياسية
والاقتصادية والاجتماعية كان تركيز القائد الراحل حافظ الأسد على الثقافة
التي حققت في عهده المبارك تطوراً كبيراً لمسناه في الإنجازات والصروح
الثقافية الشاهقة .
ولكن هل من خطر يحيق بالثقافة ويهددها ليظهر مصطلح جديد يدعى " الأمن
الثقافي " ..؟
يمكن القول إن ارتباط الأمن الثقافي بكل أشكال الأمن يجعل من هذا المصطلح
ذا صفة القدم فهو ليس جديداً إلا بلفظه ، وهذا الارتباط يجعله من الأهمية
لدرجة أن عدم تحقيقه يخلق زعزعة وانحلال بكل أشكال الأمن ، وهذا المصطلح
لا يقف عند حد تسليح العقول في مواجهة الغزو الثقافي الذي بات هاجساً بعد
حصول ثورة المعلوماتية وتدفق المعلومات دون أن تتمكن مقصات الرقابة من
النيل منها ، فهي لا تعرف حدوداً إقليمية ، ولا تخضع للفلترة ، وكذلك مصطلح
الأمن الثقافي لا يقف عند حد المحافظة على الثقافة العربية من التشويه
والتداخل مع ثقافات الشعوب الأخرى ، إذ أن انتقال الثقافات وانتشارها وتأثير
بعضها في بعضها الأخر أمر أكده التاريخ ، ولا يمكن نكرانه ، وليس في ذلك ما
يهدد ثقافتنا عندما نتسلح بالهوية الثقافية العريقة ، ونحن لا نستطيع بحال
من الأحوال إغلاق ثقافتنا القومية وتسويرها بسياج رادع لجملة المعلومات
المتدفقة بسلبياتها وإيجابياتها ، وبالتالي ليس المقصود بالأمن الثقافي
للأمة أن نغلق النوافذ على الثقافة العالمية . ونتهمها بغزو العقول ونخرها ،
فنحن نحتاج إلى ثقافات الشعوب، نأخذ منها ما يتوافق وقيمنا وعقائدنا
ومبادئنا ، ونحتاج إلى نشر ثقافتنا ليستفيد منها الآخرون ، وكذلك ليس المقصود
بالأمن الثقافي الاحتفاظ بجميع القيم السائدة عربياً ، ذلك أن عالم القيم
عالم متغير ومتطور وفق تطور المجتمع ، كما أن العادات والتقاليد وإن كانت
من التراث فهي متغيرة متطورة مع تطور حركة المجتمع ، والأمن الثقافي لا
يعني الحفاظ على إرث الأجداد وما تركوه لنا من مخلفات ، وهذا موضوع آخر .
ولأن الثقافة تشكل على الدوام عاملاً مهماً من عوامل الوعي - من لا يملك
الوعي لا يمكنه أن يمتلك الثقافة - ولا سيما وعي الهوية بالانتماء . ولأن
وعي الهوية هو استمرار للوعي بالوجود الذاتي .فالأمن الثقافي يكمن في
المحافظة على الهوية وحمايتها من عوامل ضعف الشعور بالانتماء .
ويجب ألا يفوتنا أن الثقافة هي الشكل الذي يحدد الوجود الذاتي للمجتمع
وللأمة ويحافظ على مفهوم ( الأنسنة )، وهذا يعني بالضرورة أن الأمن الثقافي
العربي هو حالة دفاعية عن الوعي بالهوية والنضال ضد من يحاول زعزعة الوعي
بهوية الانتماء ، مع الإشارة إلى أن التأثير بالوعي الثقافي بحد ذاته لا
يؤثر سلباً بالهوية طالما هذا التغير قائم في استمرار الوعي بالهوية ، ولكن
عندما تتعرض الهوية ذاتها إلى النيل عبر قنوات ثقافية سواء أكان الأمر
مقصوداً أو عفوياً بإمكاننا الحديث عن خطر يواجه الثقافة ، وبالتالي يواجه
الإنسان العربي .
و الأمن الثقافي العربي أولاً وأخيراً هو الشعور الذاتي بالانتماء
الثقافي القومي ، والذي يخلق اطمئناناً للوجود لدى الأفراد المنتمين إلى أمة
عربية واحدة ويخلق لديهم فاعلية سياسية ، أي تتحول الثقافة هنا إلى أداة فعل
وتغيير للعالم .
فإلى أين وصلنا في تحقيق الأمن الثقافي العربي ، لا شك أن التحديات كبيرة
، والمواجهة صعبة في عصرنا الذي شهد متغيرات كبيرة على أصعدة متعددة إلا
أن الهوية العربية بخير ، ولطالما أنها حافظت على انتمائها عبر عصور
عديدة ، لن تتمكن محاولات أعدائها من النيل منها .




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home