القلم الفكري

 

سمات المبدعين

عبدالله أحمد الباكري



سمات المبدعين

عبدالله الباكري


إن السواد الأعظم من المتعلمين وذوي المعرفة يظلون حبيسي الفكر السائد ، فهم مقيدون بأغلال الثقافة القابضة ومكبلون بقيود الواقع الحياتي وهذا إن لم يكونوا مفتونين به ، وقليل منهم من يجد تفكيره يحلق به خارج نطاق المألوف ، ويجد رغبة في نفسه لفحص الواقع الآني وتمحيص للوضع العام دون التسليم للهيمنة الروتينية الموروثة أو الخضوع لقبضة الثقافة ، فأكثر الكشوفات العلمية والإختراعات البشرية التي أتمها العلماء والباحثون أصبحت بعد انتشارها من المسلمات ذات الفكر السائد التي لا يجب الخوض فيها ، وكانت الأغلبية من البشر قد اتخذتها أسس وقواعد ليبنى عليها وهذا ما عطل البشر قرونا كثيرة عن الإبداع والتقدم ،، ولكن تجارب القرنين الماضيين والأبحاث المتكررة أثبتت خلل هذه النظريات وأوصلت البشرية إلى نتائج أقرب وأدق إلى الحقيقة ،، ففحص المسلمات ومخالفة الفكر السائد كان سبيلا إلى هذه المنجزات الهائلة ولو أنهم استسلموا لمسلمات عصرهم لربما ظلت البشرية حتى الآن تقبع تحت هذه المسلمات والأوهام 0

عندما تستقرأ حياة وأحداث سير الكثير من المبدعين وتبحث حول أحوالهم ووضعياتهم ستجد أن كثيرا منهم نبغ في غير مجاله وتفوق في غير تخصصه ، وهناك أكثر من شاهد في التاريخ على هذا القول ولعل أبرزهم الطبيب اليهودي المشهور ماكس نوردو والذي يعد أبرز الفلاسفة والمفكرين في زمنه والطبيب الفرنسي سانت بوف والذي نبغ في علم النقد ، حتى صنف كأحد رجالات القرن وتحدث عنه الكثيرون كمبدع غير طبيعي ، والطبيب البرتغالي ميرغا والذي كاد أن يحصل على جائزة نوبل في الأدب ، وطبيبة العيون السورية هيفاء البيطار وابداعها كان في مجال الرواية والطبيب المصري ابراهيم ناجي صاحب الرائعة ( الأطلال ) التي شدت بها كوكب الشرق كواحدة من أجمل الأعمال الغنائية العربية على الأطلاق ، هذه مجرد أمثلة بسيطة لمبدعين استهووا غير مجال تخصصهم ، وهذا بالطبع لا يمنع الإبداع والنبوغ في نفس المجال والتخصص ولهذا أيضا شواهد كثيرة ، ولكن المهم والأهم أن الإبداع يكون فيما تستهويه النفس والتميز والتألق يكون في المجال الذي يجد المرء ذاته فيه 0

تتبع أعمال المبدعين في الأدب على وجه الخصوص يخلص أن أرباب الإبداع وأساطين التألق دائما ما يكونوا غزيري الإنتاج وبعضا من أعمالهم ما تصنف كأعمال خالدة ، وكثيرا ما ينقل عنهم أنهم لا يعرفون الهدوء في عملهم ، بل ( العنف ) هو السمة الملازمة معهم أثناء عملهم والبصمة الواضحة عنهم في نتاج أعمالهم ، بل إن هذا العنف هو ضمانا قويا لاستخراج باطن الطاقة المكتنزة في أذهانهم ، فكان هذا هو ديدن أغلبيتهم ولا غرو فكتاباتهم خلابة ورائعة وإذا تبصرت بروية في كتاباتهم فإنك ستلمح السحر الواسع بين عباراتهم وسترى دلالات المعرفة العميقة مبثوثة بين كلماتهم ، فالموهبة الزاخرة و المتشبعة بالمعرفة الواسعة تتدفق منها اللغة تدفقا غزيرا وتنساب فيها الفصاحة بسهولة وروية ، فتجد الكاتب المبدع يكتب النص برشاقة مدهشة وجمال عجيب ، وهذا لأن غزارة المعرفة وإتقان الإنتاج وإدمان القراءة هي أبرز سمات المبدعين وبهذا التتبع ستتوصل أيضا أنهم – أي المبدعبن – هم أقدر الناس على الإحساس بقيمة الإبداع وأكثرهم تقديرا له واحتراما لمحتواه ومضمونه 0

إذن الإبداع يكون في المجال الذي يهتم به الفرد وليس في المجال المتخصص فيه ، لأن المجال المحبب لدى النفس هو الذي يمنح الجهد وتفرغ فيه الروح طاقاتها حتى يصبح الإبداع تلقائيه تنساب بسهولة ويضحى ( التمكن ) سمة متخللة داخل الروح وصفة ملازمة لشخص المبدع والذي غالبا ما يعرف عنه المبالغة في جمع المعلومات والحرص على الدقة في جلبها والإتقان أثناء الأداء والبحث عن الحقيقة وتحريها حيثما وجدت ، وأخيرا نقول أن هذه السمات نستطيع أن تعتبرها أهم ما يلازم رواد الإبداع وليس من الضروري اكتمالها كما أن توفر بعضا منها يمثل دلالة عليه ،،،،والله الموفق 0







  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home