القلم الفكري

 

الاغتراب

معاذ أنور/سوريا




إن مصطلح الاغتراب يعتبر من أكثر المصطلحات تداولاً في الكتابات التي تعالج مشكلات المجتمع الحديث , و على الرغم من التباين و الاختلاف في توضيح هذا المفهوم فان كل المحاولات التي بذلت حتى الآن من أجل ابراز هذه المشكلة تشير إلى عناصر معينة من مفهوم الاغتراب مثل الانسلاخ عن المجتمع و العزلة أو الانعزال و العجز عن التلاؤم و الاخفاق في التكيف مع الأوضاع الاجتماعية السائدة و اللامبالاة و عدم الشعور بالانتماء بل و أيضاً عدم الشعور بمغزى الحياة , و رغم أن كتابات هيجل و ماركس كانت بمثابة العامل الأساسي في توجيه الفكر إلى موضوع الاغتراب , فإن المفهوم ذاته أقدم من تلك التداولات بكثير كما أنه أكثر اتساعاً مما وصفه هذان الفيلسوفان فهو أي المفهوم لم يعد قاصراً على المجتمع الصناعي الحديث ( فنحن ألم نعاني من اغتراب واضح خاصة في أوقات الأزمات ) , و على هذا فالاعتراب ذاته ليس مجرد حالة مرتبطة بمجتمع معين أو تنظيم اجتماعي معين و انما هو ظاهرة يمكن رصدها و دراستها في كل أنماط الحياة الاجتماعية و ان كان بغير شك نتيجة لتوافر شروط و ظروف معينة , كما أن شدة هذه الظاهرة و مدى شيوعها تختلف باختلاف هذه الثقافات و الأوضاع الاجتماعية و يمكن من الناحية المنهجية العامة تمييز المضاميين التالية للاغتراب :
1- الاغتراب بمعنى الانتقال : عندما يرتبط الاغتراب بعملية التخلي عن حق من الحقوق التعاقدية حيث وظف هذا النوع في البحوث التاريخية الانكليزية و كان يقصد به نبذ أو مصادرة حقوق الملكية المتعلقة بأحد الأفراد أو نقل هذه الحقوق مع التأكيد على الشعور بالغضب أو التسليم من جانب الأفراد الذين يواجهون مثل هذا العقاب .
2- الاغتراب بمعنى الموضوعية : ينشأ هذا النوع عن شعور الفرد بوجود الآخرين بصرف النظر عن العلاقات التي تربطه بهم و هذه تعتبر عند الباحثين من المؤشرات التي تدل على الاغتراب حيث الحالة هنا يصاحبها غالباً شعور بالوحدة و الغزلة بدلاً من التوتر و الاحباط
3- انعدام القدرة أو السلطة : و يكون هذا بمعنى العجز عن عن الفعل و التفعيل حيث يستدعي هذا المنظور تأكيد الظروف الموضوعية للأفراد باعتبارها مسؤولة عن تحديد درجة ما يمكن من واقعية في استجاباتهم إلى تلك الظروف
4- انعدام المغزى : و هذا يناقش من زاوية ضياع المغزى بالنسبة للفرد , و يرى بعض الباحثين أن ظروف الصناعة و التخصص المهني تدفع الناس إلى ابتغاء الغايات و المعاني الحياتية البسيطة نتيجة صعوبة الاختيار بين الامكانات الاجتماعية المعقدة .
5- تلاشي المعايير : و هي الفكرة التي تحدث عنها عالم الاجتماع الفرنسي دوريكهايم حيث أوضح أن المجنمع الذي وصل إلى تلك المرحلة يصبح مفتقراً إلى المعايير الاجتماعية المطلوبة لضبط سلوك الأفراد أو أن معاييره التي كانت تتمتع باحترام أعضاءه لم تعد تستأثر بهذا الاحترام الأمر الذي يفقدها
السيطرة على السلوك .
و يعتبر كارل مار كس من رواد البحث الهادف لتحليل مفهوم الاغتراب (بالاضافة لعلماء الاجتماع و هيجل و فويرباغ و فروم و فرويد و سنتعرض لهم
بالتتابع ) حيث منحه طابعاً وضعية واقعياً اجتماعياً بعد أن كان مفهوماً لاهوتياً حيث برز اهتمامه في هذا الموضوع بدءاً من كتابه مخطوطات 1844 . و فيه يقول أن الانسان اصبح مفصولاً عن عملية الانتاج نفسها بانفصاله عن عمله اليومي و اغترابه عنه ( كون الراسمالي يستغل عمله ) الأمر الذي يؤدي إلى أن يغترب أيضاً عن نفسه و عن طاقاته الخلاقة و المبدعة و أواصره الاجتماعية التي تتحدد من خلالها انسانيته و هذا ما يعزله عن النوع الانساني و بالتالي يجرده من طبيعته البشرية , حيث أن اغتراب العمل عند ماركس هو اساس انفصال الانسان عن ذاته و من ثم عن انسانيته , و يتشابه ماركس مع دوريكهايم بتأكيده على الطابع الاجتماعي للاغتراب رغم اختلاف كل منهما من زاوية تناوله للموضوع حيث كليهما يؤكدان على
1- ان الظواهر الاجتماعية , أي حالات و أوضاع المجتمع و نظمه و قواعده تحظى بالدور الأهم في موضوع الاغتراب
2- تأكيد الحالة الذهنية للأفراد أي مواقفهم من المعتقدات و الرغبات ...... الخ
3- افتراض وجود علاقة بين الظواهر الاجتماعية و الحالات الذهنية
4- تصور مسبق لوجود علاقة طبيعية بين النقطة الأولى و النقطة الثانية
و بينما يرى ماركس أن الرأسمالية كنظام قسري يعمل على تضييق أفكار الناس و يضع العراقيل في طريق رغباتهم و ينكر عليهم تحقيق حياة ملؤها الدوافع
الانتاجية المثمرة , نجد أن دوريكهايم يعتقد أن هذا العالم يعاني من الفوضى و اللااخلاقية في المجال الاقتصادي نتيجة لعدم السيطرة على رغبات الناس و أفكارهم و لانتفاء الانسجام بين الفرد و الظروف المحيطة , و ماركس يرى أن نظام تقسيم العمل الرأسمالي هو عامل من عوامل الاغتراب ليس فقط للعامل بل لجميع الناس فالسخرة تكون قائمة في علاقة العامل برأس المال و الانتاج و ما أصناف السخرة إلا تحويل و نتاج حتمية لهذه العلاقة اذ يضطر العامل للدخول إلى علاقات هي في الواقع خارج اردتهم فيشعر بأنه أصبح شيئاً من الأشياء كسلع الانتاج التي يغترب عنها و لا يشعر بأنها تعبر عن انسانيته بقد ما تعبر عن عبوديته لمالك الانتاج و هنا يبدأ اغتراب العامل عن عمله حيث تشوه تلك العلاقات الانتاجية القائمة على الاستغلال انسانية الانسان نتيجة الضغط عليه لكي يصير بشكل يجعله يرى نفسه و أعماله و نتاجاته اطارات تنكر عليه و تجردة من امكاناته الانسانية و هنا عاكس دوريكهايم الذي يرى أن تقسيم العمل في المجتمع الصناعي اذا ما أحسن استخدامه يكون مصدر تضامن , أما انعدام المعيير فيكون في تخلف تلك النظم و القواعد و تقسيم العمل عنده لا يخفض من قيمة الفرد في الظروف الاعتيادية (إلا عندما يحوله إلى آله أو أداة ) ما دام يسمح للفرد بأن من خلال أداءه أنه يخدم شيئاً معيناً , فدوريكهام يؤكد على القيمة التي تكمن خلف العمل الاجتماعي أما ماركس فيؤكد على العمل نفسه.




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home