دراسات هامة

 

بين قرنين

محمد الشامي



                   بيـــــن قرنيــــــن

                              

ان الاحداث الجسام في حياة الامم لا تأتي فجأة ، بل تتابع مقدماتها ومؤشراتها تباعا وتستفيض الرؤى لتتحدث عن المتغير وتحكي حكايته وتستفيض ، ولذا فأن النقاشات التي تتهم العوامل الموضوعية بأغفال الحقائق تنم اصلا عن سوء النوايا ، ان لم يكن اكثر ، والمتغيرات في سياقها تراكما نوعيا كان ام كميا ، حيث يؤدي في سياقه الى التغيير ، ومهما كانت النتائج ايجابية او سلبية فنحن مسؤولون اولا وأخيرا ، من باب الفعل او العجز وكلاهما يمتلك اداة استشعاره ، بدأنا من هنا كي لا نبريء انفسنا قبل اتهام غيرنا ، فأسهل السهل ان نلقي بالتبعات على الغير او الظروف او الاخطاء الموضوعية الظرفية ونخرج من المسؤولية بما يلزمنا من تحايل واستخفاف اولا بعقولنا قبل عقول غيرنا ، وأن حانت لحظة المواجهة مع الحقيقة ترتسم على وجوهنا انطباعات الاعتذار التي لا تسمن ولا تغني من وقوع الحدث بل تصبح التبريرات اكثر اثما وأشد بلاء .

في مطلع القرن الماضي تهافت الاكلة على القصعة ، واشتد التناتش وتصارعت صيغ التقاسم ، ونحن في حل من الاحداث والتخطيط لها فيما نحن نحمل كامل تبعاتها ووزر نتاجها !! انهارت الامبراطورية العثمانية او ما سمي زورا بالخلافة الاسلامية ، ولأن نتاج هذا الانهيار هو في جزء كبير منه هو ما نحصده اليوم ، فأن خياراتنا حينها لم تكن بأسوأ مما هي عليه اليوم ، اتجاه خاطيء لخيار خاطيء ومنطق التبرير يسهم بكل الود والمحبة ويتحدث بأسم الاسلام حينا وبأسم القومية حينا اخر .وتشتعل القلوب والعقول بالترهات ويستوي الاعمى والبصير ، ويضرب الحكم العسكري الكولونيالي جذوره في امتنا ارضا وأوطانا وشعوبا وأحزابا وقادة ، وأي وطن تجرأ ووصل الى ما يسمى بألاستقلال ، ضربته جذور الانقلابات كوباء محموم ساد هرجا ومرجا واصبح هدفا للكثيرين من الطامعين بالسلطة ، ومن لم تسعفه الظروف فقد الف له سيمفونية يحكي حكايتها الاجداد في سير التاريخ ، فمنهم من الف له تاريخا اسلاميا فبات منسوبا لآل البيت ، ومنهم من استعصى عليه النسب فأصبح من المطالبين بالحداثة والتغيير ، ومنهم من استهوته افكار المحتلين فعمل على توثيقها كقيم حضارية اوجد ارثها في سياق التاريخ القومي وأثار بها عاصفة قومية ، وفتح بها فك القرش المفترس ليبتلع القاسي قبل الطري من حقوق شعبه ، ولم يعجز احد عن استنباط الرايات صحيحة في شكلها ام مقلوبة ، والويل كل الويل لمن امتلك اعتراضا او تجرأ على النقاش فالاتهامات جاهزة ولا ينقصها الا تعبئة الاسماء ، وتمتليء السجون بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ؟؟

لسنا بصدد درس في التاريخ الذي يتعمد الكثيرين اضاعة الحقائق فيه بل مقدمة لمن يستهدف القول ان التاريخ مزيف ، وهو كذلك ولكن من حيث رؤية من وضوعوه وكتبوه تبعا لاهوائهم لا حيث الرؤيا الثابتة لمسار الاحداث وتصاعدها التراكمي !!! لذا فأن الحديث عن تآمر خارجي استهدف تجزئة الامة وشعوبها وأحداث وجود الكيان الصهيوني فيها هو نصف الحقيقة فالتأمر الداخلي تحت مسميات مختلفة كان اكبر بنتاجه من الاستهداف الخارجي الذي لم يكن لينجح ويستمر لولا تنامي الاستهداف الداخلي وتطوعه ليكون اكثر ايلاما من غيره في دفع الوعي والفكر ومسار الاحداث الى حيث يسهل قطاف ثمارها والفرح يعلوا الوجوه الحزينة وتمتليء القلوب بالبشرى على امل الخلاص فتحول الكثيرون منا الى سكاكين تقطع قالب الحلوى وشوكة تنغرس في صدور التاريخ والجغرافيا لتحيلها لقمة سائغة على مائدة اللئام ، وفيما يرى البعض وهم كثر ان اتفاقية سايكس _ بيكو هي الاساس الذي بني عليه مصير امتنا خلال القرن الماضي !!! فأني وعبر قراءة متأنية لمراسلات حسين _ مكماهون احمل الاول اثم هذا التاريخ ونتاج تقلباته حتى اليوم واحمل ما سمي بالثورة العربية الكبرى التي احالت الامة بشعوبها الى ثور مقيد يسهل ذبحه ويكفي كل الطامعين على المأدبة للاكل حتى الاشباع وما يبقى من الفتات فهو اكثر من كاف لتأكله الضباع الوطنية جيفة كانت ام بقايا امة !!!

استشعر الحاضر كالماضي والتاريخ يعيد نفسه مع اضافة هنا وتلميع هناك لمعة حضارية هنا وبرق علمي هناك وأرث متخلف هنا وتقدم تكنولوجي هناك فيما يعاد صياغة مستقبلنا لقرن جديد ويطنب الكثيرون قولا اننا لا ندري ما يخطط لنا وكأن القدر ارسى دعائمه فلا مناص من التكيف مع حقائقه ونحن منه كالوديعة يستردها اصحابها او المهيمنون عليها ساعة يشاؤون ، فهل الامر كذلك ؟؟؟؟؟

ايضا وايضا ليس درسا في التاريخ بل عودة الى لمحة تذكيرية قد تفيد اصحاب الرؤى الرمادية المستفيضة اقلامها وحكامها ومفكروها ببعث الحقيقة عارية لا تحتمل التلوين فلون العري لا يقبل المساومات والرمادية لا تستر عيبا مهما تراقصت الفرشاة وازدانت الوانها ، والى المبشرين القابعين خلف الايات والمستحكمين حول الاحاديث الصحيحة لماذا قام اقرانكم بالاتفاق مع الغرب الشاذ دينيا وأخلاقيا للقضاء على الحكم العثماني الذي ما ان ننتقده حتى تشرعون بالدفاع عنه بأعتباره دولة الخلافة الرائعة ، فلماذا نقضتم عهد الخلافة واسلمتم قياد الامة الى آكليها ، وأن كانت لم تكن خلافة !!! فلماذا تتهربون من نقد فلسفتهم التي ما زالت موبقاتها المسمات دينية تتحكم بمصائرنا ، ان كانت خلافة ام لا فلماذا لم تلجأوا الى شعوبكم لتحويل المسار بدل تسليم مفاتيح الجنة الى من اورثوها جورج بوش ، فأمتلك عبر انسياقكم هاتف السماء فكلمه صوت الحق في منامه ان اخرج عليهم وطهرهم من دنسهم فخرج على امة العرب والمسلمين بخيله ورجله في فلسطين وافغانستان والعراق ولبنان والحبل على غاربه لا يمنعه الا سوء وضعه وقلة قليلة امنت بالله ووعده !!! وهنا اسألكم وأسأل نفسي هل من اختلاف بين سايكس _ بيكو ، وبين بوش _ بلير وأن كانت اولى تداعيات القرن الماضي زرع الكيان الصهيوني كفتنة ، افليس استيلاد انظمة متصارعة عرقية او مذهبية او اثنية في العراق وما حولها اعادة انتاج الاتفاق السيء الصيت بين حسين _ مكماهون ، فكم من ( اسرائيل ) جديدة يمكن لامتنا ان تحتمل بعد ؟؟؟؟ وأن كانت بداية الانهيار _ المنتصر افضى الى انهاء الخلافة العثمانية ، الا يحق للناظر ان يرتقب ولادة خلافة جديدة اكثر سوءا واقل ايمانا من سابقتها ؟؟؟  فمن هو الحسين اليوم !!! وهل اصبح مكماهون اكثر وداعة ، هل التداعيات التي نعيش تحتاج الى الكثير من التأويل والتمحيص لتبيان افاقها واستنتاج اهدافها !!! هل المسؤولية على الحكام تبريء الحكماء !!! وهل ان تواطؤ الحكام والحكماء مدعاة لنهوض الشعوب ام لاستمرار غفوتها بعد الكبوة ، وتسيلم قيادها لناحرها !!! هل لم يعد في الامة من يقرأ كتاب الله كما انزل ، وهل تبدلت سنة الله في خلقه ام ان الخلق ناموا عن الذكر فأعياهم ما اعيا امما سبقت ؟؟؟ هل الاستهدافات تحتاجنا لقراءتها ام لتنفيذ شطرنا من نتاجها ام لاحداث التغيير الذي نصبو اليه وتتطلع اليه اجيالنا التي ما تعلمت كيف تحلم او كيف تتلو صلاتها ؟؟؟؟ سنحاول ان نجيب في اللاحق ان شاء الله وأن بقي من الوقت متسع لنكمل !!!!

                                                

 

                   

    ( الاتكال والتوكل بين الصرف والنحو)

 

اجمعت كل القيم ان اللغة اصل من اصول تكون الامم وتشكيلها الحضاري ومقومات وجودها وأستمرارها ، وحتى منتصف القرن الماضي كان العلم في مجتمعاتنا يحفل بالكثير من الايجابيات رغم بساطة ادواته الا انه كان عميقا كجذور لغتنا العريقة، ورغم تداعي البعض في مطلع القرن للسفر لتلقي العلوم في المهجر الاوروبي ، الا ان هذا لم يؤثر في بداياته بالمسيرة العلمية على تباطؤها ، ويذكر الكثيرين من المثقفين والادباء تلك اللوحة الجميلة الهادئة التي رسمت ( للكتاب ) الذي كان يمثل المدرسة الوطنية ، والمتصف بلغة المجتمع ذاتها من حيث الاهتمامات العلمية ، فكانت الدروس تبدأ باللغة العربية ، وتتشعب قراءة وقواعدا ، صرفا ونحوا ، انشاء وتعبيرا ، ولذا نرى غالبية المثقفين الذين اطلوا فيما بعد على الحياة الثقافية العامة يرمزون الى هذه المدرسة الوطنية بمحبة وتقدير لاثرائها علوم المعرفة لديهم ، ولا تنقضي تلك الدروس مع حفظ ايات القرأن الكريم ، الا بعد ان تركز على مخارج الحروف ومناطق النطق كما الاعراب والتفسير اللغوي ، وحتى القواعد الفقهية المتصلة بأسباب نزول الايات ، وصولا الى القصص المستقاة ترميزا وأشارة وتوضيحا لمجريات الحدث ومدلولاته اللغوية بكل الالفاظ والتعابير رغم تناقض بعضها مع تشابه اللفظ او الكتابة .

وكان من الطبيعي ان يخرج الدارسون الى الغرب يحملون هوية لغتهم الام التي عرفوا مقدارها في رقي الامم الاخرى ، ليضيئوا على مفاصلها الغامضة الصعبة على الوعي الغربي ، وليمسحوا عنها غبار سنوات القهر والاستعباد لاستعادة اشراقها ، فماذا حصل !! لقد انقلب سحر الشرق على ساحره !! فأضاع هؤلاء حنينا وما عادوا بخفه ، بهرتهم مفاتن الغرب الفكرية المستحدثة فلجأوا الى تطويعها ، ولكونها في غالبها حديثة التكوين ولا تمت الى ثقافة الغرب الحقيقة بصلة جاءت مستعصية على التطويع فمالت بهم ومالوا معها فبدل ان ينقلوا الاستعراب للاضاءة ، استلهموا الاستشراق وقد سبقهم اليه اربابه من المثقفين الغربيين فوقفوا في منتصف الطريق كالسبايا لم يطالوا عنب الشام ولا بلح اليمن فجاءت بصماتهم بعد عودتهم الى اوطانهم اجنة مشوهة من حمل مشبوه لا تمثل حقيقة الوعي الغربي في ثقافته ولا حتى في ابداعه المستحدث ، ولا ترتقي الى البحث الجدي في منظور التطوير بلغة الابداع المشرقي الصادق المتولد عن التمسك بالاصل في رحلة البحث عن تحديثه . ولذا فأن المتغيرات التي انطلقت لترسم ظلالها على مدرستنا الوطنية جاءت نتيجة الهجين الثقافي الذي اضاع لغته الام ، وتاه في طريق الاستشراق فاستنسخه بكل ما فيه من ايجابيات وسلبيات ، وهكذا تراجع دور اللغة الام في الرسالة الثقافية ، وتصاعد الدور المشوه ليصبح راية الثقافة في زمننا ، وهكذا نرى التركيز على اللغات الغربية تتخذ شكلا حادا في دوائرنا التعليمية بينما تراجع دور اللغة العربية الى حد اعتبارها ثانوية ، وأستطرادا فالطالب العربي في مدرسته انكليزي اللغة بثقافة عربية منسلخة عن واقعها ، شرذمة خطرة افضت الى مأسي كثيرة يمكن البحث في ظواهرها لا في احصائها ، وواحد ممن يعتبرون من المع المفكرين العرب كطه حسين يمثل تجسيدا حقيقيا لهذا الانسلاخ وتحقق افكاره ومقولاته وأدبياته مخاطر هذه الشرذمة ومدلولاتها على البيئة الاجتماعية والارث الثقافي للامة !!!

قاربت هذا كله للوصول الى مرمى آخر يؤسس للتعريف بالتغييرات التي المت بمفرداتنا ومسمياتنا وكيف بتنا نطوعها ونعيد اصفاف معانيها تبعا للثقافة الغربية المسقطة على لغتنا العربية ، مما ييسر لمثقفينا وكتابنا الانتقال بين تعبير الاستشهاد والانتحار ليصبحا صفة واحدة لموصوف واحد ، رغم مخالفة هذا للغتنا الام ، وخلط الوطنية بالارهاب ، كما الانهيار بالانتصار ، والتدين بالاصولية ، وكثيرة هي المفردات التي باتت حمالة اوجه اما منبعها فهو عبر التخلي المفضوح وغير المقنن عن دور اللغة في بناء المجتمعات في منظومتنا العربية والاسلامية ، فيما هي لدى المحتذى الغربي تراثا حضاريا ثابتا لا معايير تعبث به فكلهم يرفض استخدام لغة الاخر حتى لو اتقنها ومهما كانت قريبة من لغته ، وهذا ما ينبغي لفت انظار مجتمعنا اليه لانه يشكل اساسا لاستمرار وتطوير العنصر الحضاري لامم نشأت حضارتها في اوقات زمنية متأخرة نسبيا عن مسارنا !!!!

ولنكمل الفكرة المطلوبة من هذا السياق فأن تلامس لغتنا الام مع لغة كتابنا الكريم الذي نطق بعربيتها ومع تسهيل عملية الانطواء اللغوي وتمييع المفاهيم وخلط المعاني والاستهدافات بات من الممكن نقل الحدث في مواقع شتى ومن بين اهم استهدافاتها لغة القرأن الكريم في معرض تأويل وتفسير المعاني ، وبدأ البعض رحلة البحث عن متناقضات اللغة واسقاطها على لغة القران لاستهدافات سنتعرض لها لاحقا الا ان من نتاجها تعميم الجهل الديني واستنباط شرع المغالاة ليستخدم الخداع والزيف ولغة الاحباط وصولا الى العلاقة بين الانسان وخالقه ، وهو ما يشير الى اصل المعتقد الايماني في الاسلام والمستند الى الايمان بخالق لا تراه وأن تؤمن بأنه يراك فتتقي ما حرم عليك ، وأن من اخطر ما جاء في سياق التبديل والتطويع اللغوي وبالتالي العقائدي تأتي في شبهة الخلط بين متشابهين لكل معناه ( التوكل على الله ، او الاتكال على الله ) والاختلاف بينهما واضح لاصحاب المعرفة باللغة الام ومقومات المعاني واستنسابها فالتوكل على الله العزيز القدير ليس اتكالا ، فالاتكال مأرب العجز في كل شيء فالرضيع لا يأكل دون رعاية اهله حتى الاطعام وتغيير الملابس ، ولكن هذا الاتكال يتراجع مع الوعي والقدرة ، ومن هنا يبرز الهدف من طرح تناقض المسمى في صورة تماثلية . وايضا هو ليس درسا في فقه الدين الاسلامي فلست بمن يدعي القدرة على ذلك ، بل امساك بطرف الخيط لاستمرار البحث الجدي والمنهجي لابراز الاستهدافات التي تحيط بأمتنا ومجتمعنا عبر ابراز عقيدة التهاون في القيم الحضارية بارثها ومكنونها الاجتماعي واللغوي والديني بكل ما يتصف هذا المتغير من اسقاطات ادت ولا زالت بنا الى حيث تنفصل عرى ارتباط القيم الحالية المستحدثة بالموروث الحضاري لوجود الامة رغم كل ما يتصل بها من تداعيات سلبية عبر التاريخ .

فالهدف من كل ما تقدم القاء بصيص من الضوء على التعريب في سياق التغريب الذي لم يتوقف عند حد المفردات ومشتبهها بل تعداها الى القيم الروحية واساس البناء الذي ارسيت دعائمه لاجيال لا تتصف كلها بالجهل كما يدعي البعض او يتمنى !! انما في ظلالها انعكاس لارث لم نعرف كيف نتمسك به ونحافظ عليه .

                   

 

                   تداعيــــات لتداعيـــــات

على الرغم من التناقض الذي يستشري بين الحكام والمحكومين من شعوب المنطقة العربية ، الا ان اجماعا كبيرا يرى ان الازمة في اصلها منبعثة من المشروع الامريكي للشرق الاوسط والتي ان احكمت سيطرتها عليه بأعتباره النقطة الاكثر سخونة في العالم ، فسيهيء لها ذلك قيادة العالم حسب رؤيتها دون منازع ، وهو نفس التحليل الذي افضى الى اتفاقية حسين – مكماهون ، بحيث كانت بوادر السيطرة البريطانية على مقدرات المنطقة عبر انهاء السيطرة العثمانية عليها امرا لا جدال فيه ، وعلى قاعدة المثال السيء الصيت بأن العين لا تقاوم المخرز ، ومن نفس منطلق اليأس وافراغ شحنات من الاتكالية الانهزامية في نفوس من تبقى لديهم حمية الامة ، يبدو ان الافاق تحمل اتفاقية اكثر شمولية من حسين مكماهون بل وتتعدى في ابعادها ما وصل اليه السادات من انهيار وما تنازل عنه عرفات وكله لم يزل حتى اللحظة الراهنة لم يحظ بالرضى السامي الصهيوني _ الامريكي وكلما تهاوى سقفنا الدفاعي والاعتراضي كلما ارتفع منسوب المطالب المضادة ، علما ان الكثير من الحقائق قد تبدلت عبر تتابع التاريخ وتغير الجغرافيا ، مرورا بالانتساب السياسي الملحق بالقوة السائدة في الزمن الراهن .

الثورة العربية الكبرى ، هي التسمية التي اطلقت على التحرك المضاد للعثمانيين كنتاج لتفاهمات حسين _ مكماهون ، وهنا يتبادر السؤال الاول لماذا العربية الكبرى وليست الاسلامية ، هل من تعليل مقنع ام ان الامر سياق عشوائي وبمحاولة دراسة القضية وتحليل واقعها نرى في الامر تناقضا فتقدم الشريف حسين نحو التحرك كان من منطلق ديني بأعتباره صاحب نسب ديني شريف يؤهله لصياغة النداء على قاعدة اسلامية دينية ولكنه اختار السياق القومي ومن هنا تبدأ التناقضات بالبروز ، فالدولة العثمانية كانت ( ولا زالت ) بعرف الكثيرين دولة خلافة مما يعني ان الانقضاض عليها والتحالف مع الغرب ضدها خروجا على طاعة ولي الامر لا يجيزه التشريع الديني ، لذا بات من الانسب اعتبار الوجود العثماني مسألة احتلال قومي للخروج من المأزق الشرعي ، خصوصا وأن المطروح عبر الاتفاقيات الناتجة من التعاون مع الدول الغربية تتجه نحو انتداب على الدول العربية فكيف لشريف مسلم ان يقبل بهذا الاحتلال الجديد للاراضي الاسلامية وهو المأمور شرعا بالجهاد كفرض عين لتحريرها منهم ، ويفسر هذا ايضا ، السقوط الاكبر في المعيار القومي عبر الموافقة على تدويل فلسطين بما فيها القدس ، وعليه فقد وجدت الثورة العربية الكبرى من ينِِظَُِِر لاسلاميتها وقوميتها ، وقد صيغت على هذه القواعد ممالك وأوطان بعد انتهاء السقوط العثماني فتم انشاء امارة شرق الاردن ، وتثبيت دعائم الاسرة الهاشمية في العراق ، مما اسهم بتبديد فكرة العودة الى الخلافة الاسلامية التي لا تتوافق مع منطق ( الانتداب ) الاحتلال المقنع الذي تم التفاهم حوله ، بل وتتناقض هذه الصياغة كوجود مع هذه الانظمة من منظومة الفكر القومي حيث تشكل اسهاما في خط التجزئة بدل فكرة التوحد القومي ، ومن هنا يترتب علينا ان نقر ونعترف ان مصابنا في فلسطين في جذره الاساسي لم يكن بعزيمة وقوة الاستعمار فقط بل كان في وجهه الاعم تخاذلا بل تآمرا من القوى السائدة في قيادة الامة .

ايضا ليس درسا في التاريخ بل محاولة دراسة موضوعية للحقائق التي وصلت الينا وكتبتها كتب التاريخ التي ندرسها ويتعلمها اولادنا ، ليستنبطوا منها فكرا تحرريا وطنيا جامعا ، ولست ادري فيما سقناه من تعليلات كيف يصح هذا النتاج.وللمزيد من القراءة المتأنية لماذا كان الاختيار بهذه الطريقة لماذا اقر الشريف حسين بكل ما سلف ؟؟ لماذا لم ينادي من منطلق ديني بالجهاد لحماية اراضي المسلمين ؟ ولماذا جاءت الدعوة القومية هزيلة لم تقم بواجب حماية الاوطان ؟؟ هل المسألة بنت ساعتها ام ان هناك اسبابا موضوعية لذلك ؟؟ ولماذا نطرح الموضوع الان هل من استنتاجات تفيد واقعنا اليوم في المأزق الاستراتيجي الذي نعيش ؟؟؟!!

اثار الوجود التركي في الوطن العربي حالة من العنصرية الشوفينية البلهاء ، فالتركي دمه ازرق ونوعية مختلفة تحمل في بنيتها الافضلية على الشعوب الاخرى ، ولم يعد فضل العربي على العجمي بالتقوى بل بكونه تركيا ورغم هذا فقد استخدموا القاعدة الدينية الشرعية حيث شاءوا للاسهام في توفير الحماية لفكرهم ومعتقدهم التسلطي ، ووجدوا في العمائم الصفراء ومنتسبي التدين من يفتي لهم بما يتناسب وهذا التسلط ، ولأن التتريك كان اكثر آفاتهم وضوحا فقد واجهها بالمقابل مقولة التعريب فكانت تنظيمات عنصرية مماثلة تنمو في رحم التجربة التركية على الصعيد العربي فكانت العربية الفتاة ومثيلاتها من التنظيمات شبيها لا يقل سوءا عن مثيلتها التركية واسدلت ستائر قاتمة الظلال على موروثنا القومي مما سهل انتقادات كثيرة حول الفكر القومي بأعتبار ما هو قائم ، واستعانة بفتاوى السلطة برزت فكرة تعارض الدعوة القومية مع الاسلام بأعتبار ان الدعوة القومية حينها مثلت نقيضا للقبول بالاحتلال ، الذي البس نفسه مسوح الدين والخلافة ليعلن ان الدعوة القومية هي افتئاد مسيحي على سلطة الخلافة الاسلامية فهوت فكرة التحرك القومي في واد الاستغلال الديني المسيس ، وفي المنحى الاخر الديني منه كان تركيا تقف عقبة في وجه اي دعوة تنويرية اسلامية لمفكرين مسلمين خصوصا العرب منهم بل وحاربتهم بأشد ما حاربت النزوع القومي ولمثل الشيخ محمد عبده الذي كان شيخا للازهر والذي نادى بتحديث الفكر الديني ليتلاءم وتحديات العصر ويواكب حركة التطور في المجتمعات ، انما تمثل الوجه الاوضح في تعامل السلطات التركية مع الظاهرة المذكورة ولما لم يكن بالامكان كيل التهم بأي من الموبقات للرجل الجليل ، فقد ساقوا اليه اتهامه بالماسونية فبات كل فكر ينادي بالتطور للفكر الديني ماسونيا معاديا للاسلام ، لهذه الاسباب لم يجد الشريف حسين ما يطرحه كفكر ديني يستقوي به على الاحتلال التركي من جهة ، ولكون ان الغرب لا يحبذ ايقاظ الوعي الديني بأعتباره منهجا توحيديا يشكل ذراع قوة ان احسن استخدامه مما يعيق المشروعات المتوخاة من ترسيم الاحتلال كنصير للعرب في وجه الهيمنة التركية .

وما اشبه اليوم بالبارحة !! لو نظرنا الى الوقائع السالفة الذكر واسقطناها على وقائع الاحداث لوجدناها تأخذ مكانها الطبيعي وكأنها اعدت تاريخيا لتجديد حركتها وبعث نشاطها صالحة لكل زمان ومكان ، ومستعدة بالفكر والرجال من النوع عينه دائما بما يخدم التعارض مع مصالح الامة وحريتها وبعثها من جديد !!!!!!وهو ما سنتحدث عنه في الحلقة القادمة .

                                           

 

                     المشروع الامريكي بداية ونهاية

 

لم يجترح الامريكيون المعجزة في برنامجهم الفوضى الخلاقة ، فالمعتقد عينه ليس بالجديد ، فقد سبقهم اليه ادولف هتلر ، ومرام المشروع اثارة الفوضى في المناطق المستهدفة وابقاءها مشتعلة وتطويرها لانتاج فوضى اخرى جديدة تسهم باقتناص المكاسب ، ولان المكاسب المطلوبة ليست كلها في اطار واحد ، نرى ان مناحى الفوضى تتنقل من موقع لآخر ومن سياق لآخر ، مراعين بذلك كل الحساسيات والاعتبارات المحيطة بكل منطقة وموقع مستهدف وهو ما يؤكد وجود غرف عمليات متعددة النشاطات والاستهدافات والغايات والانشطة تضع الخطط وبديلاتها بحيث لا يبدو مطلقا ان انتكاسات تحصل في المشروع الرئيسي مهما كانت المعيقات بأعتبار ان الخصوم المستهدفين لا يمتلكون السبل ولا الامكانيات اللازمة لذلك ، وأهمهما انهم في كل موقع مشرذمون لا تجمعهم خطة ولا هدف ولا مشروع ، وعليه فأن ابقاء الخصوم في حال التوقع والسيطرة على ايقاعهم وابقاءهم في حالة ردات الفعل هو من اهم العوامل التي تؤسس للنجاح للمشروع عبر انتاج تراكمي في كل موقع ، حتى ان الانتصارات المضادة التي يحققها خصوم الولايات المتحدة لا تسمح باستثمارها في ظل الابقاء على حالة التفكك والشرذمة مع عدم تمكين هؤلاء الخصوم من تجميع قواهم ضمن مشروع موحد يمكنهم من وضع خطط تكتيكية تجعل من انتصار طرف منهم في معركة ما يحقق للاخرين انجازا يستفاد منه ، وهو ما رأيناه واضحا منذ عام الفين وحتى الان ، مستغلين النزق القومي والمذهبية الدينية وسوء استخدام السلطة كوسائط اثبتت نجاحها في استمرار حال الشرذمة .

الا ان ما يميز المشروع الامريكي عن مشروع هتلر انهم استفادوا من دراسة الواقع فأحسنوا استخدامه فكل المقومات مسموحة في الخطة فلا تعقيدات قومية ولا وطنية ولا دينية او انسانية تقف حائلا في وجه المشروع فكل شيء قابل للاستثمار ، وهذا التنوع بحد ذاته يشكل المادة اليومية في الاعداد للهجوم الدائم وعلى الخصوم ان يتخبطوا في رحلة التوقعات لما هو قادم .وكل الوجوه مستحبة ، وعليه فأني لا اتفهم حال الاستغراب الذي يلف مفكرينا حين تكون امريكا سنية في لبنان شيعية في العراق ، كردية في العراق عربية في لبنان ، خصوصا وأن ايقاع بعض الانظمة العربية والاسلامية يكاد في بعض الاحيان ونسبة لحالة امتزاج المصالح ان تسابق المشروع عبر قراءة توقعاته فتتبرع عامدة او مأمورة بأطلاق المتغيرات والانقلابات في كل اتجاه ، فلم يعد مستغربا في هذا السياق تصريحات سعود الفيصل في الدعوة الى التوحد القومي ضد العدو الفارسي علما ان المملكة منذ نشأتها تعتبر الفكر القومي هو اطار معاد لتوجهاتها الاسلامية ، وهو ما يفسر ايضا هذا النزق الديني لعبدالله الاردني ومبارك المصري في الحديث عن المثلث الشيعي والهوية والانتماء الوطني للشيعة ، هذا في ظل مكافحة الارهاب السني وتعويم فكرة النضال المشروع للشعب الفلسطيني لاسقاطها عبر مقولة الخوف على الدم الاخوي .

ان من اسخف التوقعات التي تطالعنا بها الاقلام المأجورة والافكار المدسوسة ان ما تشنه امريكا على المنطقة هدفه النفط ، وبرأيي انها مقولة العجز الفاضح عن قراءة الواقع والوقائع بتجرد وموضوعية ، اذ ان تخفيض منسوب الاهداف الى هذا المستوى يجعل المعادلة المقابلة اقل واجبا في التصدي لما هو اكثر من ذلك ، كما ان اسقاط الاستهداف القومي والديني من المشروع الامريكي يضيق رقعة المواجهة ويحصرها في الجانب الاقتصادي وهو من ضمن مجموع الخطط المطلوبة ، وهذه قراءة غير موفقة ان لم نقل اكثر من ذلك ، وهي بشكل عملي تغطي البرامج والاهداف الحقيقية للولايات المتحدة وتترك لها المجال الاوسع في صياغة مؤامراتها على نار هادئة ، وتؤمن لها في الوقت عينه ما يلزم من الوقت والوسائط لتغطية حقيقة الاهداف . ورفضي لهذه القراءة ليس اعتباطيا اذا ما قرأنا الامر في سياقه الحقيقي والموضوعي . فالنفط بعد عام 73 بات سلاحا بيد الغرب وليس سلاحا ضده وهو ما اعلنه العرب مرارا وتكرارا ، ومقولة التخوف من وصول انظمة راديكالية الى السلطة والتي يمكن لها اعادة استخدام النفط كسلاح هو طفولية سياسية ، فالانظمة منذ مطلع القرن الماضي لم تنشأ الا بعد موافقة القوى العالمية السائدة وأن اي نظام لا يتوافق واهدافهم لم يعمر اكثر من شهور ، ومن ناحية اخرى اقتصادية فالتحكم بالنفط واسعاره خرج منذ زمن طويل من اجندة الانظمة المصدرة وبات في يد المستوردين علما ان المخزون النفطي لدى الولايات المتحدة والمستخرج من الدول المصدرة يحتاج الى الة حاسبة كبيرة لتتمكن من حساب مدخراتها ومخزونها .وأغرب ما في هذا الطرح هي محاولة التعمية على التمريرات المفضوحة والتي يتعمدها بعض اركان الادارة الامريكية بشأن الاستهدافات الرئيسية لمشروعهم من كونها تستهدف الدين والهوية القومية للعرب والمسلمين فنرى تفسيرا غاية في السذاجة ( او التآمر ) تفسر المقصد الواضح وتلبسه مسوحا غير متوازية مع مرام اصحابه معتقدين ان تأجيل طرح الاهداف بوضوح قد يشكل لهم حماية من التساؤلات عما يتطلبه مثل هذه الاستهدافات ، ولكن ولأن لكل قاعدة شواذها فنحن نرى بعض التابعين يشذون تبعا لامالهم ومطامحهم بأجتراح دور يميزهم عن غيرهم من قوم تبع ، فيرفعون راية الاهداف الامريكية الكامنة بأعتبارها مرتعا فكريا استثنائيا لهم يرسمون عبرها دورهم المستقبلي في خريطة الشرق الاوسط الجديد . وهكذا يمكن تفسير وقراءة تصريحات الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بخصوص مراسم الحج الى مكة المكرمة والذي جاء في نفس وقت اداء الفريضة ناصحا الشعب التونسي بعدم ادائها بأعتبارها عملا ونسكا من مناسك الجاهلية وليست من الاسلام في شيء ، وقد جاء هذا في معرض حديثه عن الوضع الاقتصادي في بلاده وبدل ان يعترف بأنه وزبانيته مسؤولون عن حال الفقر والانهيار في المجتمع بسبب فساد سلطته انحى باللائمة على شعبه المبذر الذي يهدر ماله في ترهات جاهلية ، واغرب الغريب اننا لم نسمع تعليقا واحدا من حماة الدين اقله ليس في الشأن التونسي الداخلي الذي لا يعيي احدا ان يرى حقيقته بل في الشان الديني والمعتقدي للاسلام ، ونقطة استغراب لا استطيع منع نفسي من تسجيلها ، كيف يمكن للعربية السعودية ان ترى استهداف ايران للعرب والمسلمين  ، ولا ترى استهداف بن علي للاسلام كقيم ومعتقد ومناسك ، ولأن كانت ايران تسعى الى تشييع السنة فبن علي ومن لف لفه يسعى الى تقويض دعائم الاسلام فايهما اشد بلاء ؟ لا انتظر جوابا ولا ارغب بسماع تعليلات ما انزل الله بها من سلطان ولكن هو التساؤل من موقع التأكيد ان ما يدور ليس نفطي الاهداف بل ابعد وأعمق من ذلك بكثير .وأن الادوار المرسومة منها والمنتقاة تصب كلها في خانة واحدة فيما نحن لا نعي ان مقومات المعركة اليوم ليست كما كانت زمن هتلر فلم يعد المطلوب تهيئة الجحافل ولا تجييش الجيوش بل ان اول وأهم اسلحتها هي الوعي الحقيقي المجرد عن الغايات . وتحديد الاعداء بشكل حقيقي دون مواربات وفهم اهداف الصراع المعلنة والمكنونة . ام مجريات الاحداث وتفنيد مجراها من حيث الوقائع على الارض فستكون في سياق ما سيتلو لاحقا .

                            

 

الـدور ، الوظيفــة ، الفكــر
ان الاطراف المتصارعة في الشرق الاوسط محليا لكل منا دور وفكر ووظيفة ، منها من تبت من حيث البداية فباتت النهاية واضحة المعالم ، ومنها من فتح كوة في الجدار وانطلق بمحور تغيير اطال من عمر وجوده ، والبعض الاخر خرج من دائرته ولم يجد له مكانا ينتمي اليه . منهم من اعلن فكره ووظيفته فوقف عندها دون رؤية للتغيير تتبع الوقائع فهو ايل للسقوط ، ومنها من بدل الفكر والموقع اما الوظيفة فباقية وحولها يتمحور كل جديد ، ومنها من يبدل كل يوم فكرا جديدا ودورا جديدا متمسكا بالوظيفة ظنا انها تحميه .
والاطراف هنا ليست الكيان الصهيوني والانظمة والمقاومة فقط ، بل نحن نرسم لنتعدى في بحثنا نحو المواقع الاقتصادية والثقافية والفكرية والاجتماعية والدينية كل حسب مقتضى ضرورة البحث .فالكيان الصهيوني وقد انطلق منذ انشائه ليكون وطنا قوميا لليهود فهو لم يفلح حتى اللحظة ومنذ انشائه بتحقيق هذا الحلم _ الهدف وأن فشله بتحقيق هذا الهدف دفعه لتغييره ، وقد سعى لتحقيق هذا المتغير عبر ربط الكيان دائما بالموقع الدولي الاكثر تأثيرا في العالم بأعتباره اداته لتحقيق مشروعاته في الشرق وأحلام السيطرة فمنذ مشروع عدوان 65 على مصر مرورا بمشروع ايزنهاور ، وصولا لاوسلو ، وحتى الشرق الاوسط الجديد والكبير ، فالكيان يمارس اللعبة عينها في طرح وجوده المتغير فكرا ودورا وممارسة لتحقيق صلة الوصل التي تربطه بالمشاريع الغربية من اجل الابقاء على كينونته التي يعرف مفكروها جيدا انها مجتمع عسكري استهلاكي لا يحيا ان توقف عنه دفع المعونات الخارجية والتي لا يمكن لها ان تكون الا عبر استمرار حالة التوتر والصراع في المنطقة ، والتي يشكل وجوده الصطنع اساسا لها ، وحتى اوسلو تمكن الكيان من ادراج منظومته الفكرية في المشروع الاستراتيجي الامريكي وعمل على توصيف دوره فيها بناء لمقتضيات الضرورة الامريكية والمصلحة العليا للكيان ، الا انه وبعد انحسابه من لبنان عام 2000 وبعد انهيار اوسلو والانتفاضات المتتالية للشعب الفلسطيني ، وبعد حرب الاسرى على المحورين الفلسطيني واللبناني ، وبعد الهزيمة المنكرة التي مني بها في تموز ، بات واضحا ان الدور الوظيفي للكيان قد تعرض لصدمة حقيقية لم تعد تجد فيها منعشات الاسلحة المتطور ولا الطائرات الحديثة ولا الاختباء خلف الضعف العربي المشهور والذي سمح للكيان بالاستعراض بأعتباره القوة العالمية الضامنة للشرق الاوسط ، خصوصا بعد ان فقد الكيان خيرة رجاله الذين حملوا فكرا عدوانيا فرض دوره على المجتمع العربي قبل الصهيوني فكان له حسابه في كل مشروع وبرنامج ، وعليه فأن الحديث الدائر الان عن تغيير الفكر الذي بني عليه الكيان يشكل فرصة استراتيجية للمقاومة كي تثخن من جراحة والعمل على أخراجه من غرفة العناية المركزة عربيا وامريكيا وتهيئة المخططات اللازمة للقضاء عليه وهو ما يستدعي النظر الى الدور والوظيفة والفكر في المقلب الاخر .

ان من اهم نقاط قوة الكيان عبر سنوات الصراع الطويلة الى جانب الدعم الغربي الواضح والمكشوف ، كان الدور الذي تلعبه الكيانية العربية في موقعها بين المقاومة والكيان ، ففي حين كان الغرب والكيان يشكلان حماية للانظمة ضد القوى المجتمعية الثائرة عليها ، كانت هذه الانظمة بكل تجلياتها الثقافية والاجتماعية والدينية تشكل حاجزا بين المقاومة والكيان تحميه كي يحميها في دور تبادلي لم يعد من الصعب قراءته ، بل وقد اندفعت مؤخرا بأبراز هذا الدور في حالات تسابق ليس مستغربا على صعيد الاستنهاض اللازم فكريا وقوميا ومذهبيا والهادف الى اعادة رسم الادوار والاولويات في الصراع بناء لمقتضيات الضرورة ، فرأينا الحديث عن المثلث الشيعي ينطلق من ابواق تدعي العروبة والاسلام وتضعها في اولوية الصراع على حساب الدور الاستيطاني للكيان ، وقدمت الصراع الايراني العربي على الصراع الصهيوني العربي الذي تم تغييبه طويلا وبشكل متعمد وتحويله الى صراع حدودي خارجا عن اطار الحق التاريخي والانساني ومتنازلا عن الحق الديني والاجتماعي للقضية الفلسطينية وتجزئة للحق العربي الى مكونات لا تصلح لا للتفاوض ولا لانشاء فكر وارث موحد يسهم بتوحيد القوى المتضررة بغض النظر عن انتمائها الفكري والمنهجي والهدف الذي تعمل من اجله . وعليه فأن البحث جار على كل صعيد لتثبيت الدور الجديد للكيانية العربية بما يتلاءم مع تفعيل المشروع الامريكي للشرق الاوسط والذي اتخذ شكلا تراجعيا مؤقتا بعد الفشل الصهيوني في لعب دوره الافتراضي في حرب تموز ، ومن هنا فاننا نرى ان دورا تنشيطيا اكثر فاعلية وهجومية للكيانية العربية هو محور الاتي من الاحداث ، ومن هنا فأن الاستعدادت تتحرك سريعا على قدم وساق في اطار الاعلان عن المتغيرات الاتية على كل صعيد وأن كانت البداية من الشأن الفلسطيني بأعتباره موقع الحدث الاكثر تأثيرا فأن عملية تبريده الان تصب في خانة التحضيرات المؤسسة للاعلان عن الدور الجديد ، كما لا بد من الاشارة ان المأزق اللبناني سينحو بمنحى اكثر هدوءا لانه من غير المعقول طرح متغير استراتيجي في معرض الاضطراب والتوتر الداخلي الذي سيحبطه ، ومن ناحية اخرى فأن لعبة المحاور في الساحة العربية والتي اخذت مداها في السنتين الاخيرتين ، باتت هي الاخرى تهدد المشروع الجديد للكيانية لا بد من تحقيق متغير فيه لذا سنشهد قريبا اندفاعة بأتجاه سوريا تتحدث عن تكامل ادوار او تهيئة لتفاهمات قد تريح اجواء التوتر السائدة في مختلف مواقع الصراع في الشرق الاوسط .
وهنا يأتي ذلك الدور الذي تقوم به الاقلام والوسائل الاعلامية ورجالات الفكر والثقافة التي لا بد وستنهض قريبا نحو اطلاق شرارات التغيير الاتية وصياغتها كالعادة لتجد لها مكونها في الموروث الثقافي او الديني او القومي لتبرير الدور الاتي على غير صعيد ، وهذه هي الفئة الاخطر والاكثر ضراوة من حيث اشتداد الهجوم وتطويع لغة الذات وتبرير العوامل في محوريها الخارجي والذاتي ، هذا المتغير الذي سيتم الاعلان عنه في القمة العربية التي ستنعقد في العربية السعودية في النصف الثاني من شهر اذار القادم والتي ستحمل بذور الدور الكياني العربي الجديد الهادف لاستمرار تطويق حركات المقاومة ، وتطوير حالة الحجز بينها وبين الكيان الصهيوني من جهة في اطاره القومي والانساني ، واعادة حالة الاصطفاف الفكري العربي في محور الصراع الدائر حول الشرق الاوسط على قاعدة تحوير اتجاهات العداء بما يخدم مصلحة المشروع الامريكي المترابط مع الوجود الكياني للانظمة ، هذه القمة التي ستكون بنتائجها مفصلية وتاريخية تتجاوز قمة الخرطوم بلاءاتها الثلاث ، وتتعدى ما انهار في اوسلو من حقوق ثابته للشعب الفلسطيني وتسهم عبر برنامج عربي فكري لتسويق كل المتغيرات المطلوبة التي تخدم مشروع الشرق الاوسط الجديد بكل موبقاته الاتية ، وهو محور البحث القادم ان شاء الله .


 

                مؤتمرون ، مأمورون ، متآمرون




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home