القلم السياسي

 

الوطنية والديمقراطية في العراق

أحمد الخميسي/مصر




الحملة المعادية للمقاومة التي أبداها العراق خلال ثلاثة أسابيع تنطلق شكلا من موضوع الديمقراطية ، على أساس أن غياب الديمقراطية هو سبب كل
الكوارث، وغيابها بطبيعة الحال كان الباعث للحرب الأمريكية على العراق . تنويعات لا تنتهي على هذا اللحن بفتات أفكار وملاحظات ثاقبة لا تنتهي
شكلت المادة الرئيسية للحملة التي تقاسمت نفس المرتكزات في وسائل إعلام عربية وإسرائيلية وأمريكية. تعتمد الحملة على أن صدام حسين كان فاشيا ،
وأن الفاشية قادت العراق لحربين على إيران ثم الكويت ، وأن فاشية النظام العراقي وصلت إلي حد استخدام السلاح الكيماوي ضد الأكراد ، ثم أنها أحالت
العراق إلي سجن ضخم لشعب مكبل مقطوع اللسان . هذه كلها حقائق، لكن هل تستدعي هذه الحقائق إدانة النظام العراقي وحده بتهمة الفاشية ؟ أم
تستدعي بالضرورة إدانة أمريكا بنفس التهمة وهي التي دعمت صدام حسين في كل خطوة من تلك الخطوات ؟! . لكن الذين يكافحون الفاشية
يكافحونها فقط في تجلياتها العراقية ، وليس في جذورها الأمريكية التي أمدت النظام العراقي بالأسلحة ووقفت معه في حربه على
إيران وأعطته إشارة ضوء أخضر لغزو الكويت ، وساعدته على سحل المعارضة المستنيرة داخل بلاده لربع القرن . هل كان لهذه الفاشية المحلية
الصغيرة أن تتحرك وتستقر بدون تأييد واضح من الفاشية الكبيرة في واشنطن ؟ فلماذا لا يتصدى القائمون على الحملة الفاشية الأم التي تلد طغاة صغار
على شاكلتها إن كان الهدف هو الديمقراطية فعلا ؟ ولماذا بادرت المنظمات المشبوهة ذات يوم إلي الدعوة لتنحي صدام حسين في بيان ضخم أفردت له
مساحات كبيرة ، ثم لزمت الصمت فلم تبادر إلي بيان بنفس الحجم على نفس المساحة في الصفحات الأولى
لإدانة الاحتلال الأمريكي للعراق ؟ . السبب الوحيد أنهم يريدون بما يروجونه من ثقافة الاستهبال أن يتصدوا للطغاة الصغار ، أما جذر الطغيان فلا
ينبغي التعرض له بحرف ، وهو الجذر الذي تتغذى منه عشرات الأنظمة الأخرى في المنطقة
. وخلاصة الأمر أن دعاة الديمقراطية الأمريكية – في أفضل حالاتهم – يعتبرون أو يقولون إنه ما من تقدم لشعوبنا ولمجتمعاتنا وللمنطقة من دون
الديمقراطية . وهم يعنون بالديمقراطية شيئا واحدا : الليبرالية البرلمانية وحرية الصحافة والرأي وما شابه . أي ذلك النمط من الديمقراطية الذي
ينثرونه على صفوة ونخبة مثقفي البلدان المحتلة وشبه المستعمرة . إنه ذلك النمط من الديمقراطية الذي يقطع كل صلة بالوطنية والتحرر . إنه النمط
الذي شع بالتقدم في زمن سابق مع بزوغ الرأسمالية في القرنين 17 ، و18 ، ورسخ تقسيم السلطات ، والحق الانتخابي العام ، وحقوق وحريات الأفراد .
إنه النمط الذي تجاهل أن المساواة في الأجور والدخول هي الشرط الأول الأساسي للمساواة في الحقوق .
وعلى سبيل المثال فإن الديمقراطية الأمريكية تكفل للجميع حق الترشيح لمنصب عمدة نيويورك أو وواشنطن ، لكن نفقات الحملة الانتخابية تمكن قلة قليلة
فقط من التمتع بذلك الحق. هذه هي الديمقراطية التي يريدونها بعيدا عن مواجهة الاستعمار أكبر أعداء الحرية. ديمقراطية لا تتبنى تحرير العمل من
الاستغلال . وعلى الذين تؤرقهم قضية الديمقراطية أن يشرحوا لنا الفرق بين الديمقراطية التي ينشدونها ، والديمقراطية الأمريكية التي تحدد واشنطن
في ظلها ما ينبغي على العراق وما لا ينبغي له أن يفعله دون الرجوع إلي شعب العراق .
أقول هذا بمناسبة البيان الذي أصدرته مجموعة مجهولة تدعي أنها رابطة للمثقفين العراقيين ، ذلك أن البيان قد وضع نصب عينيه التشهير بالنظام العراقي
السابق ، دون أن يتضمن نصه كلمة الاحتلال الأمريكي ولا مرة واحدة .
بملاحظة أن المشكلة لم تعد في النظام السابق الذي زال واختفى ولكن المشكلة الآن هي الاحتلال الجاثم على صدر العراق . وبدلا من أن ينوه البيان
بالطابع الإجرامي غير الشرعي للعدوان الأمريكي ، فإنه يتحدث عن أن : " عراقنا سينهض من كبوته وينتصر على الخراب " ! وكأن ما جرى
لم يكن حربا عدوانية استعمارية ، بل كارثة بيئية أدت إلي خراب ! . ويعتبر المثقفون المجهولون من الرابطة المجهولة أن : " مسئوليتنا الأم
هي انتزاع الديمقراطية كمفتاح لمهمتنا التاريخية في التغيير الاجتماعي والحداثي " ! . انتزاع الديمقراطية إذن وليس مواجهة الاحتلال ؟ فهل
توجد ديمقراطية في ظل احتلال ؟ أليس الاحتلال أفظع انتهاك للديمقراطية ؟ فإذا كانت مسئولية أولئك المثقفين هي انتزاع
الديمقراطية فلماذا لا يتصدون للاحتلال الذي ينتهكها الآن بوجوده هناك ؟ .
إنها نفس الدعوة التي تتردد في وسائل إعلام عربية وإسرائيلية وأمريكية : فصل الديمقراطية عن الوطنية ، وعزلها عن مواجهة الاستعمار . وهي
دعوة تسقط كل يوم تحت أقدام المتظاهرين في العراق والسائرين لمقاومة المحتلين .





  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home