مقال

 

الشهيد الرنتيسي... لن تكفيك الدموع

زياد أبوشاويش



الشهيد الرنتيسي ... لا تكفيك الدموع

بقلم : زياد أبوشاويش

في ذلك اليوم الحزين وتلك الليلة المظلمة، كان الخبر شديد القسوة على نفسي ، كانت زوجتي بجواري نتسقط أي خبر عن تطور الإصابة المميتة التي تلقاها الشهيد من قبل طائرات العدو ، وكان يحدونا الأمل في بقائه على قيد الحياة ، ومثلنا الآلاف من أبناء شعبنا يرفعون أيديهم إلى السماء راجين نجاة الرجل الصادق في حبه لوطنه ولشعبه،والذي مثلت حياته ومواقفه نموذجاً فريداً للوفاء لمواقفه المبدأية، والوفاء لوطنه وأبناء وطنه . ولما تأكد خبر استشهاده كان الحزن في البيت يعتصر قلوبنا جميعاً ، والغصة لم تفارقني لساعات ، كانت الدموع كلها غير كافية لإزالة الألم والإحساس بالظلم والفجيعة بفقدان فارس من فوارس شعبنا الفقراء الملتصقين بأهلهم وجماهيرهم والمعبرين بصدق الكلمة والموقف عن روح أمة تحلم بغد أكثر كرامة وأكثر رأفة بشعبنا وبفقرائه على وجه الخصوص . كانت الخسارة كبيرة وشعرنا أن شعبنا خسر أحد ضمانات مستقبله وحقه في وطنه كاملاً غير منقوص . كنت قبلها بأيام وقبل أن يستشهد الشيخ الجليل أحمد ياسين قد تحدثت مع الأخ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في عزاء أحد شهداء عملية أسدود حول أمر الاغتيال وأن قناعتي الداخلية تقول أن العدو الصهيوني سيستهدف قيادة حماس في غزة وان الحذر واجب ، وقد طمأنني الأخ مشعل وأكد معرفتهم للأمر وأنهم يأخذون حذرهم من هذا العدو الفاشي، والذي لا يعرف لخسته وجبنه حدود . لكن وقعت الضربة الأولى وغادرنا الشيخ المناضل وتلتها الثانية بعد أقل من شهر ورحل القائدان المتميزان عن ساحتنا وهي في أشد الحاجة لكليهما ، والأمر بعد ذلك لله ، ولايغني حذر عن قدر كما يقال .

رحل الشهيد عبد العزيز الرنتيسي في السابع عشر من شهر ابريل ( نيسان ) من عام 2004 بعد أقل من شهر على تعيينه خلفاً للشيخ احمد ياسين مؤسس حماس ومرشدها ، وللمتابع الحصيف فان استهداف الرنتيسي كان أمراً محتماً من جانب العدو ، سواء أعلنت إسرائيل ذلك أو لم تعلن وسواء كان على لائحة المطلوبين وهو أولهم أو لم يكن ، فقد كان الرجل يمثل أخطر ما يمكن أن تواجهه إسرائيل من رجالات فلسطين وقادتها .

ولد الدكتور الرنتيسي في قرية يبنا / قضاء غزة عام 1947 وهاجر كباقي من هاجر من قرى القضاء إلى قطاع غزة ، وأكمل تعليمه الجامعي ورسالة الماجستير كطبيب أطفال عام 1976في مصر وعاد ليعمل بين صفوف شعبه في القطاع .

أسس مع الشيخ ياسين حركة حماس في العام 1987 مع باقي المؤسسين الأوائل ، وتولى مواقع قيادية مختلفة ، واعتقلته سلطات الاحتلال أكثر من مرة ، ثم قامت بإبعاده مع مجموعة كبيرة من الإخوة في حماس والجهاد الإسلامي إلى لبنان ( منطقة مرج الزهور) والتي مكث فيها ما يقرب العام ليعود إلى الوطن فتعتقله السلطات الصهيونية وتودعه السجن حتى العام 1998 .

في العاشر من نيسان 1998 اعتقلته أجهزة السلطة الفلسطينية لمدة 15 شهر ثم أفرجت عنه ليعاد اعتقاله ثلاث مرات وليضرب عن الطعام وتقصف الطائرات الإسرائيلية المعتقل دون أن يصاب بأذى ، وبالمحصلة فقد قضى ما مجموعه 27 شهراً في سجون السلطة .

جدير بالذكر أن الشهيد سبق أن تعرض لمحاولة اغتيال صهيونية في العاشر من يونيو (حزيران ) 2003 نفذتها طائرات مروحية استشهد فيها أحد مرافقيه وعدد من المارة بينهم طفل . نعاه الشهيد القائد ياسر عرفات ووصفه بالقائد الشجاع والمناضل الكبير وفتح بيت عزاء له في المقاطعة برام الله تقديراً له وتكريماً لسيرته الكفاحية المتميزة .

إن أبطالاً مثل الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي يستقون مكانتهم التاريخية ورمزية مواقعهم من قيمتهم النضالية والوطنية في حد ذاتها، بغض النظر عن انتماءاتهم الفصائلية ، فالشهيد الرنتيسي لم يكن قائداً حمساوياً كبيراً فقط ، بل كان زعيماً وقائداً ورمزاً لصلابة شعب وممثلاً صادقاً لكل روح المقاومة ( بتاريخيتها وراهنيتها ) للوجود الصهيوني من الأساس .

كان البطل لا يرى في الكيان سوى سرطان دخيل على المنطقة وأن الحل الوحيد لمشكلة وجوده أن يعود اليهود من حيث أتوا وأن تنتهي دولة يهود من أرضنا ، وكان رحمه الله يصفها بالكيان غير الشرعي ، وعندما سؤل ذات مرة بل في أكثر من مرة وفي أكثر من محفل عن إمكانية حل المشكلة الإسرائيلية ووجود المستوطنين اليهود، خصوصاً من ولدوا على أرض فلسطين، أجاب بأن هذا الأمر منوط باليهود أنفسهم ولماذا أتوا إلى فلسطين تاركين مواطنهم الأصلية؟ وأن الحل للتخلص من العمليات الاستشهادية هو رحيل هؤلاء وعودة فلسطين لأهلها .

إن كلاماً كالذي أوردناه وفي زمن التطبيع مع العدو والاعتراف به هو كلام غريب عن جو المنطقة والسلام المزعوم، وهو كلام يضع صاحبه في عين العاصفة ويجعله كما ذكرنا أخطر رجل من قادة العمل الوطني الفلسطيني خاصة إذا كان هذا القائد يمتلك الأدوات اللازمة لتنفيذ ما يقول ، ولعل هذا ما يفسر حديثنا عن كونه المطلوب الأول للعدو سواء أدرج على اللائحة المعلنة أو لم يدرج ، وهذا بصراحة سر حزننا العميق وشعورنا بفداحة الخسارة بفقدان رجل كبير وقائد لم تهزه كل صنوف البطش والقوة التي مارسها الكيان ضد شعبه وضد فصيله على وجه الخصوص ، وهو في زمن الخنوع والاستسلام يمثل رمزية يجب أن تغيب بالمفهوم الصهيوني والرجعي العربي . إن هذه الميزة المبدأية الحادة في دلالاتها والصادقة في رؤيتها لواقع الحال في صراع مرير ومديد كالذي يخوضه شعبنا هو ما دفع العديد من أركان العدو الإسرائيلي إلى التصريح علناً مؤيدين عملية الاغتيال رغم مخالفتها لكل القوانين والأعراف الدولية التي تجرم هذا السلوك كون الرجل عاد لوطنه بموافقة واتفاق مع إسرائيل تضمن بموجبه سلامة من يعود ، وهذا ما دفع الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة لاستنكار العملية الإجرامية ووصفها باللاخلاقية والمخالفة للقانون الدولي .

إن مسؤولاً إسرائيلياً كشيمون بيريز والذي عرف بمشروعه الشرق أوسطي والذي سوقته بعض الأعراب وأمريكا، باعتباره رجل سلام، يعطي بتصريحاته المؤيدة للعملية الدليل الأكبر والأوضح على أهمية الدكتور الرنتيسي وخطورته على الكيان ، وهو أي بيريز لم يكن وحيداً من حزب العمل الصهيوني ممن أيد الاغتيال بل لحقه عدد آخر منهم حاييم رامون وبنيامين بن اليعازر وهؤلاء من المحسوبين على معسكر "السلام" الإسرائيلي ، ناهيك عن معسكر اليمين بكل تلاوينه وفي مقدمهم عوزي لانداو وايهود ياتوم وايفي ايتام وغيرهم . وبالمختصر كان قتل الرنتيسي أمراً مجمعاً عليه في الكيان الصهيوني وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه في معرض وصفنا لمكانة الرجل وأهميته الرمزية . إن هذا بالضبط ما دفعني للكتابة عن ذكرى رجل بكيته بحرقة. وعلى ذات المستوى من الدلالة أتت الموافقة الأمريكية المعلنة على لسان الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض والرئيس بوش حول عملية الاغتيال وحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها برغم نفيها إعطاء ضوء أخضر للكيان لتنفيذ عملية الاغتيال ، لكن كل المؤشرات والأدلة كانت توحي بان أمريكا كانت على علم مسبق بالعملية ووافقت عليها ، وهذا ما دفع رئيس الوزراء الفلسطيني في حينه أحمد قريع للتصريح بأن الاغتيال جاء بضوء أخضر من الولايات المتحدة ، كما دفع المناضل عزمي بشارة عضو الكنيست الإسرائيلي للقول بأن عملية الاغتيال تمت بنكهة أمريكية ، وليس أدل على ذلك من كلام المتحدث باسم البيت الأبيض سكوت مكليلان عن أن حماس " منظمة إرهابية " في ذات ليلة الاغتيال .

ولتكتمل الصورة عن أسد فلسطين وابنها البار لابد لنا أن نذكر للشهيد صفة قلما نجدها في قياداتنا ، وهي الانضباط تجاه القيادة كما الانصياع للديمقراطية ونتائجها في ذات الوقت ، ولعلنا هنا نتذكر بكل الاحترام كلماته بعد تنصيبه خليفة للشيخ أحمد ياسين قائداً لحماس بقطاع غزة كيف تكلم عن نهجه القادم للعمل قائلاً أن هناك رئيساً للمكتب السياسي للحركة وعلينا واجب الطاعة له ، قالها ببساطة وتواضع وأدب جم، وهو من هو في سلم حماس ، وهو من هو في قدرته على بلوغ أي منصب يريد داخل الحركة وهو الذي ارتبط توليه للمسؤولية داخل الحركة برحيل مؤسسها الشيخ المناضل أحمد ياسين كخليفة له ، كما عرف عن الشهيد ليس فقط تواضعه، بل أيضاً احترامه لكل رأي وموقف، والتعاطي مع الخلاف بروح سمحة واعية وبأفق يتسع للجميع ، وهذه ديمقراطية غير معهودة من قادتنا الأشاوس .

وبعد ... ماذا نقول في حضرة الشهداء ؟ وهل نملك إلا التعبير عن عظيم امتناننا لما قدموه ، وهو والله كل ما يملكون ، وهل نملك إلا العهد على الوفاء لهم ولكل ما مثلوه في حياتهم وفي استشهادهم . وللشهيد الكبير والمناضل الفذ عبد العزيز الرنتيسي نحني رؤوسنا، ونستمطر على روحه الطاهرة شآبيب الرحمة ، ويبقى بطل فلسطين وابنها البار نموذجاً لعنفوان شعب وروح أمة .

زياد أبوشاويش

Zead51@hotmail.com

 

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home