القلم السياسي

 

التضليل الإعلامي الأمريكي لوقائع العدوان على العراق -الاسترا

د. أميمة أحمد-الجزائر




ببساطة شديدة صرح وزير الدفاع الأمريكي رامسفلد ثاني أيام العدوان
الأمريكي البريطاني على العراق " أن قوات التحالف الأمريكي البريطاني دخلت ميناء
أم قصر دون مقاومة تُذكر ، وقد استسلم قائد الفرقة /51 / وجنوده ، وتجري
مفاوضات مع قائد الفرقة لحل وضعهم كأسرى حرب " وطمأن رامسفلد الشعب
الأمريكي بأن آبار النفط أصبحت في مأمن ، وتحت السيطرة وهذا انتصار مهم ".
وعرضت القنوات التلفزيونية الأمريكية دون استثناء صور ما وصفهم وزير
الدفاع رامسفلد بالأسرى العراقيين من الفرقة /51 / . وتجاهلت الضحايا من
المدنيين العراقيين ، الذين قتلوا بصواريخ كروز الفتاكة .
وقد فنّد العراق هذه المزاعم ، حيث صرح لقناة الجزيرة قائد الفرقة/51/
خالد الهاشمي وجنوده حوله أن المزاعم الأمريكية جزء من الحرب النفسية ضد
القوات العراقية، ووصف شدة المعركة مع القوات الغازية في مدينة البصرة ، ولم
ينف الخسائر في صفوف القوات العراقية ، لكنها ضريبة الوطن الواجب دفعها.
واحتج رامسفلد والرئيس بوش على " فعلة " العراق عندما عرض الأسرى والقتلى
الأمريكيين في معركة أم قصر وقد أطلق عليها العراق معركة " الحواسم " .
والمؤسف أن التلفزيونات الأمريكية التي عرضت " الأسرى العراقيين " لم تعرض
صور الأسرى والقتلى الأمريكيين ، وحسب مراسل الجزيرة في قاعدة السيلية
القطرية ، عفوا القاعدة الأمريكية في قطر حيث تُدار عمـليات الحرب ضد العراق ،
قال مراسل الجزيرة :" لقد أخذت عدة قنوات أمريكية شريط صور الأسرى
والقتلى الأمريكيين ، لكن قناة واحدة بثتها ولمرة واحدة ، ثم جاءت الأوامر من
البيت الأبيض بمنع عرض الشريط ، خشية الرأي العام الأمريكي" طبعا الخوف أن
ينقلب الشعب الأمريكي ضد حكومته ، ويُرغم قادته على الانسحاب من العراق .
وكما يبدو جليا أن الحرب على العراق يلعب فيها الإعلام دورا ، لا نبالغ لو
قلنا السلاح الأول والأمضى لتثبيط معنويات القوات العراقية والشعب العراقي
، خاصة وأن المدنيين عاشوا هول الغارات التي ألهبت المدن العراقية
بنيرانها ، ويزعم الأمريكيون أن أسلحتهم " ذكية " تذهب للهدف فقط ، وأهدافهم
النظام العراقي ، ولم يُفسر سواء الرئيس بوش أو وزير دفاعه أو الناطق باسم
البنتاغون أو الخارجية أو الإعلام الأمريكي لماذا دمرت صواريخهم منازل
المدنيين وراح نحو ثمانين عراقيا أشلاء ، ونحو ستين آخرين أصيبوا بجراح بليغة .
الحرب الإعلامية
في الواقع تمارس جميع الحكومات وفي كل العصور التضليل الإعلامي على نحو ما
، فالتلاعب بالمعلومات يصبح شائعا في أحوال الحرب ، لأن الجهود تكون منصبة
لتعبئة الشعب ، فتنشر نصف الحقائق ، وتكثر الشائعات التي يصعب التأكد من
صحتها وقت الحرب ، وفي الحرب الراهنة ضد العراق ، تبرر الحكومة الأمريكية
لشعبها ، بالحرب " العادلة " و " لا مفر منها حفاظا على الأمن القومي
الأمريكي " وبالتالي يسمونها " دفاعية " وتصبح " وقائية " من خطر مُحتمل قد
يأتي من " أســلحة الدمار الشامل " العراقية المزعـومة فيما لو وصـلـــت "
للإرهابيين " ..وغيرها من دعاية تتحكم فيها الترسانة الإعلامية الأمريكية
المتطورة تقنيا عن كل نظيراتها في العالم ، ويتحكم فيها اللوبي الصهيوني.
والتضليل الإعلامي له قواعده ، كما للحرب العسكرية قواعدها ، فالإعلام
الأمريكي - وللأسف بعيدا عن الاحترافية الصحفية التي تلزم الموضوعية - راح
يدفع الأزمة العراقية - الأمريكية إلى ذروتها ، بتصوير العراق العدو رقم
واحد ، ورئيسه شرير ، لا يتورع عن استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد المدنيين
الأمريكيين كما فعل بن لادن في هجمات الحادي عشر سبتمبر 2001 . هذا فضلا
عما وصفوا به الرئيس العراقي صدام حسين ونظامه بأوصاف غير مهذبة بالمرة،
وقبله " حظي " قادة آخرون في العالم بمثل هذا " اللطف الإعلامي الأمريكي "
مثلا : مغامر ، شيوعي متطرف ، مختل عقليا ، نازي … إلخ ، فمن الإيراني
مصّدق ، إلى العراقي صدام حسين مرورا بالمصري جمال عبد الناصر ، والليبي معمر
القذافي ، والفلسطيني ياسر عرفات ، وشافيز الفنزويلي ، الكوبي فيديل
كاسترو ، وغيرهم . ويوصف أنصار الحل الدبلوماسي بالجبناء أو المستسلمين وفي
أحسن الحالات " سذُج " ، وهكذا انطمس النقاش الموضوعي ، بين مؤيد للحرب ،
ورافض لها .
فقد أبلت وسائل الإعلام الأمريكية بلاء غير مسبوق لتحضير الرأي العام
الأمريكي والدولي لضرب العراق . فقد قُرعت طبول الحرب ضد العراق بعد شهرين من
هجمات الحادي عشر سبتمبر ، وقد وضعه الرئيس بوش من عداد دول محور الشر .
للوهلة الأولى ، وفي غمرة التعاطف الدولي مع أمريكا في مصابها ، تصورت
إدارة الرئيس بوش أن الوقت مناسب لشن الحرب ، وكانت حربها ضد أفغانستان،
حليفتها في حربها ضد الاتحاد السوفياتي سابقا ، وشنت الحرب دون قرار أممي ،
وتواطأ المجتمع الدولي بالصمت على فعلة أمريكا وهي تدوس القانون الدولي الذي
كانت أحد الأطراف الذي صاغه بعد الحرب العالمية الثانية . لكن بعد انقشاع
غبار الحرب الأفغانية ، تبين لأوربا أن أمريكا سيطرت على نفط آسيا الوسطى
، وتخوفت الصين على مصالحها أيضا من النفوذ الأمريكي قرب حدودها من
أفغانستان ، كما هو الحال لدى روسيا. لذا عندما طرحت الولايات المتحدة شن حرب ضد
العراق بذريعة " محاربة الإرهاب " ، واجهتها تساؤلات المجتمع الدولي
ومعارضة غير مسبوقة ، فالدول الأوربية حكومات وشعوبا عارضت منطق الحرب ، وهي
التي كانت حليفة أمريكا .كما لم تتجل وحدة الموقف العربي على رفض الحرب كما
هذه المرة ، وإن كان الموقف العربي الرافض للحرب تنقصه الوسائل المادية
الملموسة ليكون فاعلا في القرار الدولي ، هذا ما إذا لم نقل أن النظام
الرسمي العربي يرحب بتخليصه من الرئيس صدام .
ومن الجانب الأمريكي بينت استطلاعات الرأي الأمريكي أن المؤيدين للحرب
انخفضت نسبتهم ، فحسب صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية ، أنه في ديسمبر
2002 كانت أكثر من 68% تعارض الحرب ضد العراق بدون موافقة مجلس الأمن ، من
بينهم 72% معظمهم من الحزب الجمهوري الحاكم ، يعتبرون أن البيت الأبيض لم
يقدم البراهين الكافية لتبرير الحرب ، فهم بالتالي لا يصدقون مزاعم الرئيس
بوش " بالتهديد العراقي الوشيك " . وليس هذا فحسب ، بل المعارضة كانت في
أوساط كبار الضباط في البنتاغون وكبار المسؤولين في الخارجية ، لكن الإعلام
الأمريكي عتّم على هذه المعارضة ، ونفخ بأتون الحرب.رغم أن الإدارة
الأمريكية رفضت تقديم أدلتها لمجلس الأمن أو لمفتشي الأمم المتحدة عن حيازة
العراق لأسلحة الدمار الشامل ، حتى أن وزير الدفاع رامسفلد قال : " إن غياب
الأدلة ليس دليلا على عدم امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل " ، وعندما
واجهه معارضو الحرب في الإدارة الأمريكية بالنوايا المبيتة ضد العراق ، وأنه
كان مهندس التعاون العراقي - الأمريكي مطلع الثمانينات ، إبان الحرب
العراقية الإيرانية ، ووثائق البنتاغون شاهدة على ذلك ، نفى ما اتهم به من
نوايا مبيتة ، وقال : من السهل على صدام حسين الحصول على أسلحة الدمار الشامل
وقد استخدمها في حربه مع إيران " ، طبعا هذه الشكوك لدى الأمريكيين ،
فيكيف بنا نحن العرب ذوي الحق في ثرواتنا والسيادة على أراضينا أن نصدق مزاعم
الرئيس بوش ووزير دفاعه أن حربهم " لتحرير" العراق ؟ فهل من يأتي محررا
يرفع العلم الأمريكي في أرض عراقية ؟ ثم يدعي الرئيس بوش وحاشيته بأنهم
يريدون " عراقا حرا ديموقراطيا" ، بكل أسف نقول هذا رياء في نظر الرأي العام
الذي يتذكر جميع الدكتاتوريات الذين تساندهم واشنطن اليوم أو ساندتهم في
العقود الماضية ، حتى الرأي العام الأمريكي المولع بالدور " الإنقاذي
للولايات المتحدة " والذي دأب رؤساؤها على تعبئة الأمريكيين به منذ الرئيس جورج
واشنطن إلى ابراهام لنكلن ..ويلسون ..ألخ لم يتردد بالتساؤل : لماذا نُضحي
بشبابنا من أجل دور ينبغي على الشعب العراقي القيام به ؟ ثم لماذا نظام
صدام حسين وليس نظام كوريا الشمالية التي أعلنت عن امتلاكها أسلحة الدمار
الشامل ؟
فالتضليل الإعلامي الأمريكي بلغ ذروته ، حينما أسقط تماما التبعات
الاقتصادية والجيوسياسية للحرب على العراق ، وما هي الفائدة لأمريكا من إقامة
نظام موال لها في العراق ، ولا شئ عن المخزون النفطي ، المُقدر حاليا الثاني
في العالم بعد العربية السعودية ، ولا عن الوزن السياسي للعراق في منطقة
الخليج ، كما لم يذكر الإعلاميون العقود المنتظرة للشركات الأمريكية لإعمار
العراق من نفط العراق ( من لحيته بخر له ) ، وتجاهل الوزن السياسي
لإسرائيل في ظل وضع عربي واهن ، متخاذل ، لا يهم حكامه سوى مرضاة أمريكا للبقاء
في السلطة. فوسائل الإعلام الأمريكية لم تطرح هذه المسائل ، لتجعل الرأي
العام الأمريكي يهتم بالأمور الثانوية .
لكن من السهولة بمكان اكتشاف الوجه المستتر للإستراتيجية الأمريكية
بالرجوع إلى وثائق مؤسسة " مشروع القرن الأمريكي الجديد " ، حيث تبين دراستان
على الموقع الالكتروني لها ، مؤرختان في حزيران ( يونيو) 1997 وسبتمبر(
أيلول) 2000 ، وهذا قبل استلام الرئيس بوش مقاليد الحكم بثلاثة أشهر ، تحددان
الأسس الإيديولوجية والعسكرية والاقتصادية التي يفترض بالسياسة الخارجية
الأمريكية القيام بها ، لتصبح الولايات المتحدة قائدة العالم ، وتعالج
القضية العراقية تحت بند المصالح الاستراتيجية الأمريكية ، وليست مسألة حقوق
الإنسان والديموقراطية أو أسلحة الدمار الشامل وراء ضرب العراق كما يزعم
الرئيس بوش، بل بقاء القواعد الأمريكية في منطقة الخليج سواء بقي أم رحل
الرئيس صدام حسين ، المهم الحيازة على منابع النفط ، وقد حذر الموقعون على
الدراستين من بينهم رامسفلد ، باول وديك تشيني وغيرهـم ممـن هم الآن في
إدارة الرئيس بــوش ، " بأن القوة العظمى العالمية الوحيدة " قد لا تنجز
دورها التاريخي إذا عجزت عن استغلال الفرصة . وكانت الفرصة في أحداث
الحادي عشر سبتمبر 2001 ، حيث شرعت الولايات المتحدة في تنفيذ مخطط الهيمنة ،
وهذا ما جعل أوربا والصين وروسيا من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن ومعهم
ألمانيا، تشكل حلفا لمواجهة الخطر الأمريكي الداهم على مصالحهم . فيما
تشتت العرب مزقا ، وليس بمقدورهم اتخاذ موقف الحد الأدنى لدعم العراق دعما
حقيقيا وليس في البيانات الآسفة . ولو كانت لديهم غيرة على المصالح الوطنية
كما يزعمون لاتخذوا موقفا عمليا مع العراق ، لأن صموده الأسطوري أمام
القوات الأمريكية المدججة بأحدث الأسلحة ، ولا أقول انتصاره سيغير المعادلة
الدولية في بحث تسوية أوربية أمريكية تضع الخطوط الأولى لنظام دولي جديد ،
لا ينبغي فيه غياب العرب وهم واسطة العقد في المصالح الأوربية والأمريكية
على السواء .




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home