القلم السياسي

 

الوضع الفلسطيني في عنق الزجاجة

زياد أبوشاويش



الوضع الفلسطيني في عنق الزجاجة

بقلم : زياد أبوشاويش

انفض اجتماع السيد عباس رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس وزراء الدولة العبرية بدون نتائج تذكر سوى الاتفاق على لقاء آخر يريح الإدارة الأمريكية ويعفيها من نق بعض حلفاءها في المنطقة ، كما يعطيها الفرصة لإدارة أزمة تمسك بخناقها على ارض الرافدين .

عاد الرئيس الفلسطيني من رحلة معاناة حقيقية رغم كل الابتسامات التي تم توزيعها على الصحفيين كلازمة لاجتماعات من هذا النوع لا تقدم ولا تؤخر ، عاد الرجل ليجد أمامه كم هائل من القضايا والمشاكل تركها قبل الاجتماع مع رسول العناية الأمريكية "أولمرت"، ليجدها لم تتغير بعد اللقاء الذي راهن عليه البعض ورفضه الآخر ، والذي كان من الأفضل أن لا يتم حرصاً على مصلحة الشعب الفلسطيني ، والذي ربما يلخص المأزق الفلسطيني على أوضح صورة . ولرؤية الوضع بآفاق التفكير الجدي في إيجاد حلول ممكنة له، لابد من الإطلال على كامل الصورة بكل خلفياتها وظلالها ، لان الوضع الفلسطيني كما الواقع الفلسطيني يمر حقاً بعنق زجاجة ربما تخنقه وتودي به إلى متاهات يصعب الخروج منها، أو في أحسن الحالات الي نتائج سياسية كارثية لتسوية مفروضة بمعايير الرؤية الأمريكية الصهيونية للحل ، مؤقتاً كان أو دائماً . ولعل القسم الأوضح من الصورة هو ذلك الشق المتعلق بالأوضاع الداخلية وتداعياتها المؤلمة والسيئة وإمكانية علاجها من عدمه .

للدخول لمتاهات الوضع الداخلي سنهتم بالفضاء الخارجي قليلاً لرؤية أي محيط من الأحداث والأوضاع والتعقيدات تحيط بواقعنا وأوضاعنا الداخلية المزرية . وتداهمنا على هذا الصعيد كل الإجراءات الإسرائيلية المغطاة أمريكياً بل ودولياً ، ولا أظنننا في حاجة لتعداد هذه الإجراءات بكل ما تحمله من عسف وظلم لشعبنا وانتقاصاً من حقه في الحياة ناهيك عن حياة حرة كريمة .

إن المرء ليقف مذهولاً حقاً من حجم ونوع هذه المظالم وفي ظل ما أسموه ذات يوم سلام الشجعان ، وها نحن نرى أي سلام نحصل عليه وأي وعود أمريكية وإسرائيلية تتحقق . إن معجزة حقيقية هي ما يبقي شعبنا على قيد الحياة سياسياً ومعيشياً وهذه المعجزة توشك على النفاذ والانهيار ، وفي المقلب الآخر من المحيط الخارجي لواقعنا المر تداهمنا أيضاً مبادرة عربية لا تملك أية آلية لتطبيقها أو حتى قبولها من أي طرف بشكل جدي ، بل تقدم طوق نجاة للأمريكيين من واقع معقد وصعب يحيط بكل مشروعهم الشرق أوسطي وورطتهم الكبيرة في العراق مع ظهور بوادر فشل خطتهم الأمنية وبدء العد التنازلي لانسحاب اضطراري لقواتهم من العراق ، هذا المشروع الذي تحرص بعض دول الجوار العربية على إنجاحه حرصاً على بقائها بالطريقة التي تحفظ لها تفردها في إدارة بلدانها بالشكل الذي يؤمن مصالحها ومصالح من تمثل في السلطة ، وهي لا تقبل من المشروع الأمريكي إلا ما يؤمن وضعها . والقبول الفلسطيني للمبادرة بصيغتها الراهنة يمثل ذات المعنى والخلفية التي تنطلق منها الجامعة العربية في تبني المبادرة ، والذي أعتقد أنه نوع من تسويق الوهم للناس ، وقد جربوه فعلاً على مدار السنوات الخمسة المنصرمة فهل أنجز الوهم شيئاً ؟ .

إن واقعاً عربياً صعباً يحيط بواقعنا الفلسطيني ويشده للخلف ، وأزمات المنطقة المستعصية على الحل تتركنا شبه وحيدين في مواجهة الوحش الأمريكي الصهيوني ، والصورة ليست أفضل على المستوى الأوروبي وفي دهاليز الأمم المتحدة التي تخلت من وقت طويل عن ملف القضية الفلسطينية وتركته بين أيدي الأمريكيين وأصدقائهم الصهاينة .

وبالمحصلة وللاختصار نجد أن الظرف الموضوعي وتجلياته العملية لا يساعد على تطوير واقعنا وظروفنا باتجاه ايجابي ومن هنا كان لابد من الاعتماد على الذات في تغيير الواقع والظروف وعدم انتظار تغييرات نوعية في العوامل الخارجية لان هكذا انتظار سيكون طويلاً ومؤلماً ، ونحن هنا نتحدث عن كل الوجود الفلسطيني في الوطن وفي الشتات وليس فقط في الداخل ، ومن هنا ربما تكون بعض الظروف مساعدة ولكنها غير ذات أهمية ويلفها الغموض وغياب البرامج والتحالفات الصحيحة الواضحة التي تخدم القضية الفلسطينية والحق العربي .

والآن نتحول للواقع الفلسطيني وما يواجه مشروعنا الوطني من صعوبات وتعقيدات تضع كل الواقع الفلسطيني وعلى كل الصعد في عنق الزجاجة، وتجعل البحث عن مخارج ملائمة واجباً وطنياً على كل مواطن ومسؤول ، وتجعل منه كذلك أمراً له أولوية البحث والنقاش بكليته وليس بجزئياته المنفلتة هنا وهناك .

لعله من المفيد تعداد الظواهر السلبية والمعضلات التي نواجه ، أو بالأحرى تشخيص المرض ومن ثم البحث عن العلاج الملائم . وفي هذا نبدأ بالأهم وهو واقع القيادة الفلسطينية وبناءنا الفوقي الذي ترتب على أوسلو وبمحدداته المجحفة والمنحازة كلياً للإرادة الصهيونية بحيث لم تستطع هذه القيادة الإفلات من قبضة الإجراءات الإسرائيلية والتي تصل في الكثير من الأحوال إلى حد الإهانة ، وعلى ذات الصعيد وفي نفس العنوان فان شعبنا يفتقد القيادة المنسقة المتماسكة والمنسجمة ، ناهيك عن الرشيدة والتي تعطي الأولوية للهم الوطني العام وليس الفصيل الذي تنتمي إليه ، وربما نجد أفراداً أو أسماءً تتمتع بالنزاهة وتغليب العام على الخاص لكن الصورة العامة تبقى كما أسلفنا . وغياب هذه القيادة يعكس نفسه في غياب هيئة الأركان القادرة على إدارة صراع قاسي ومرير كالذي يواجهه شعبنا ، ولابد أن نقر جميعاً بحاجتنا إلي الكثير من الجدية في تناول قضايا الصراع مع العدو بذات الحماس الذي ندير به صراعاتنا الداخلية المريرة والمؤلمة . إن نمطاً من السلوك والحرص يجب أن يظهر في عمل حثيث وسريع لتشكيل مثل هذه القيادة وتحديد مهامها بجدية .

وقد يتساءل أحد كيف نفعل ولماذا والانتخابات أفرزت مثل هذه القيادة ؟ وبرغم شرعية هكذا تساؤل إلا أن من يعرف بشكل صحيح ويدرك بعمق حجم المأساة الفلسطينية وتشابكاتها يعرف أيضاً أن ألف انتخابات بافرازاتها لا تستطيع بمفردها إيجاد قيادة مؤتمنة على قضيتنا وأن الأمر يتعلق بطبيعة الصراع وشموليته وتجربتنا الطويلة مع الاحتلال وداعميه ، ومن هنا فان نتائج الانتخابات يمكن أن تساعد في فرز قيادة جدية ومقبولة لكنها لا تعطي كل ما نريد على هذا الصعيد ، ولهذا السبب كان قولنا بضرورة تشكيل قيادة وهيئة أركان . وغني عن القول أن مثل هذه القيادة يجب أن تكون في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وتتشكل من قيادات الداخل والخارج لأن الأمر وعنق الزجاجة يكاد يخنق الجميع هنا وهناك .

والأمر الآخر في معضلاتنا وظواهر واقعنا المرير هو وجود مجموعات خارجة عن القانون ومحمية من بعض النافذين الذين ربما يكون مكانهم المناسب سجون السلطة ،أو محاكمتهم علناً ، ويأتي في هذا السياق العقلية المستبدة لبعض التنظيمات والفصائل التي تقوم بتسليح وتدريع بعض العائلات، لتصبح فوق القانون، وأداة رخيصة بيد هذا الفصيل أو ذاك، ولعل حديث الجميع عن أسماء معروفة بإجرامها واستخفافها بالسلطة وبالقانون يعطي دليلاً واضحاً على مدى خطورة ما نشير إليه . إن اختطاف ألن جونسون ووجوده حتى اللحظة في أيدي الخاطفين بين حي وميت يوضح كل الصورة القاتمة التي تحيط بكل إنجازاتنا الوطنية إن بقيت حتى الآن مثل هكذا إنجازات . والأمر الثالث هو هذا السلوك الغريب من جانب فتح وحماس لتقاسم السلطة والنفوذ وعدم وضع معايير قانونية أو حتى أخلاقية للتصرف كحكومة لكل الناس ، ومن المؤسف أن تمارس حماس ذات ما كانت تشكك فيه وتطعن في نزاهته . إن وضع معايير ومحددات واضحة وشفافة للتعيينات في المواقع الرسمية العامة وشغل الوظائف يجب أن يحظى بأهمية استثنائية لاستعادة ثقة الناس في قيادة أشعلت حرباً داخلية ضروس ما زالت نتائجها تؤلم الجميع وليس من العدل مكافأتها على ذلك بغض النظر عن نتائج الانتخابات والتي لا تعطي الحق في كل الأحوال للخروج عن القانون ومبدأ تكافؤ الفرص في هذا الشأن العام .

والأمر الرابع غياب روح المقاومة وممارستها ،وهو الذي لا يترك أي مجال لأي فصيل للمزايدة على الآخرين ، وفي هذا ربما توجد بعض الايجابية لكن الشيء السلبي الذي يزيد الطين بلة في واقعنا هو ركون الجميع بعد مشاركة حماس في السلطة ونسيان كل شيء عن المقاومة ، بل كما نلاحظ تبادر قوات الاحتلال بالهجوم، وملاحقة المناضلين، لأنها تعتبر الوضع الفلسطيني وواقعنا السيئ فرصتها لتصفية كل ظاهرة تمرد على الاحتلال وواقع السلام المزيف الذي تفرضه موازين قوى شديدة الميل باتجاه العدو ، لكنها طارئة وليست أبدية، ولذلك يستغل العدو ضعفنا وإرباكنا وضياع البوصلة في الإجهاز على ما بقي لنا ، ولعله من المفيد هنا التذكير بأن أي انتصار مهما كان بسيطاً أو صغيراً لا يمكن تحقيقه إلا بالمقاومة وعلى رأسها الكفاح المسلح وبدونه لا تقدم لأي مربع ، بل إن كل تطور في مشروعنا الوطني ارتبط في السابق بقدرتنا على إيقاع الخسائر في صفوف هذا العدو وإيلامه والأمر سيبقى هكذا حتى يوم التحرير الكامل لترابنا الوطني .

ولان موضوع المقاومة هو ابرز سلبيات واقعنا منذ سنتين للآن فقد يكون مفيداً اجتماع المسئولين العسكريين للفصائل لتدارس هذا الواقع والبحث في الأسئلة الصعبة وأبسطها لماذا لم نشهد أي عملية استشهادية ضد إسرائيل منذ زمن طويل نسبياً؟ والى متى سيبقى الحال على هذا ؟ ولا يجب أن نخجل من سؤال الإخوة في حماس بالذات عن ذلك وغير حماس من الفصائل. إن معالجة العجز على هذا الصعيد يشكل القاطرة الموثوقة لدفع عجلة واقعنا ومشروعنا إلى الأمام وإرغام العدو على التراجع ، وهو ما يجعلنا نكف عن أوهام السلطة وحبائلها التي تلتف على أعناق المناضلين فتخنقهم وتفرغهم من كل قيم النضال الصعب والمؤلم وذي الأثمان المرتفعة لكنه الضروري لمواجهة عدو متغطرس وفاشي كالذي نواجه . إننا هنا لا ندعوا لحل السلطة ، أو اعتبارها رجس من عمل الشيطان ، بل جهاز لابد منه لمساعدتنا في المقاومة وليس كابحاً لهذه المقاومة ومحبطاً لها كما نشاهد .

والأمر الخامس من واقعنا المرير ويحتاج لرؤية جديدة وعميقة ومعالجة سريعة حتى لا يستخدم سلاحاً بأيدي الأعداء لجرنا لمستنقعات مغرقة ومهلكة، ذاك المتعلق بالاقتصاد،و بكل ما في واقعنا على هذا الصعيد من سلبيات وما يرتبط به من شوائب وممارسات خاطئة من جانب الحكومة في الداخل أو مكونات مجتمعاتنا في الخارج وغياب المنهجية الصائبة لتثبيت ركائز قادرة على البقاء في ظل صعوبات وتعقيدات يدركها ويقدرها الجميع ، لكنها لا تغلق الطريق أمام اقتصاد يحفظ لنا أمرين :الأول القدرة على الصمود والتعايش مع الحصار وتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم للشعب الفلسطيني بكل فئاته ومكوناته ، والأمر الثاني: القدرة على تحمل أعباء معركة طويلة سياسية وعسكرية صعبة ومعقدة مفروضة على شعبنا ولا خيار فيها أمامنا سوى المواجهة لأن البديل هو الاستسلام وضياع الحقوق . وقبل أن نختم في هذا المجال لابد من التأكيد أو بالأحرى إعادة التأكيد على أهمية دور الشتات في العمل المسلح ومن كافة الجبهات العربية ولا عذر لأي فصيل لعدم إطلاق أي طلقة من خارج الحدود على إسرائيل والحدود معها تعد بمئات الكيلومترات وأعداد شعبنا في دول الطوق بالملايين ، أم أن هذا أيضاً لم يعد وارداً عند قياداتنا؟.

والأمر السادس هو ضياع القانون ، وهنا وبوضوح فان ما ذكرناه عن هيئة الأركان وحزم القيادة وعزمها يجب أن يتناول ترسيخ مفاهيم جديدة ليس عبر التثقيف فقط بل عبر الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه العبث بأمن شعبنا وإلهائه في معارك جانبية، ولابأس من سن قوانين جديدة تجرم الخروج عن القانون بشكل أوضح مما هي عليه الآن وممارسة ذلك مهما كانت النتائج ، وفي هذا لا عذر لكل المنظمات الرسمية والشعبية على هذا الصعيد .

إن غض الطرف عن الجرائم التي تقع والسكوت عن مرتكبيها يمثل أم الفضائح الفلسطينية وهناك نماذج أكثر من فاضحة لعمليات قتل واغتيال بدون محاكمات وتحت ذرائع وطنية زائفة وغير مقبولة ، ويجب أن يتعلم القادة كما الناس العاديين أن المذنب والمجرم ومهما كانت جريمته، أو دلائل إدانته واضحة، فان جهة وحيدة مخولة بإصدار الأحكام هي المحاكم والقانون وليس رغبات أو مشاعر هذا الفصيل أو هذا الشخص أو ذاك . وأن هناك جهات ينص عليها القانون لتنفيذ هذه الأحكام بما في ذلك طريقة التنفيذ ومكانه ، وليس لأي كان حق التدخل في هكذا شؤون مهما كان موقعه أو صفته .

إن كل ما تقدم يحتاج لصدق النوايا وللشجاعة والإقدام لتنفيذه حتى نخرج من عنق الزجاجة الموجودين فيه الآن ، ولعل الركود في حركة الحل والمراوحة هي فرصتنا لتنظيم شؤوننا الداخلية وتفعيل مؤسساتنا الوطنية ، ولا عذر للرئيس محمود عباس وهو القائل باحترام القانون وضرورة العودة لمنظمة التحرير كمرجعية ، ولا للسيد هنية رئيس الوزراء ، واستطراداً فتح وحماس في أي تلكؤ حول الوضع الصعب الذي يعيشه شعبنا، وليس أسوأه عدم تقاضي مناضلينا في العديد من مواقعهم مخصصاتهم لعشرة أشهر متوالية ، أو تواصل القتل والاقتتال بين عائلات فلسطينية سقط منها على أيدي بعضها البعض أكثر مما أوقعه العدو في صفوفها فهل هذا أمر معقول أو مقبول ؟

ولعل مرور مناسبتين فلسطينيتين هامتين هذه الأيام ينبه الأخوة في كل الفصائل وفي كل مستويات القيادة لأهمية الوضع الداخلي وضرورة الخروج من مأزقنا الراهن بتكاتفنا وإصرارنا على الصواب وقول كلمة الحق وممارسته مهما كانت النتائج ، كما المقاومة مهما كانت النتائج ، وهاتين المناسبتين هما يوم الأسير الفلسطيني وذكرى استشهاد القائد الرمز أبو جهاد الوزير . وبعد أقل من شهر ستطل علينا ذكرى النكبة وقد تقدم بها العمر واقتربت من الستين ، وبدون شك فان كل مناسبة وطنية مبشرة أو مؤلمة لابد تستنهض همة أهلنا وقياداتنا ومناضلينا من أجل غد أفضل ، وظروف أفضل لاستمرار النضال والعمل من أجل فلسطين الوطن الذي ما زال مصلوباً ينتظر من أبنائه الخلاص والحرية . فهل نستجيب ؟

زياد أبوشاويش

Zead51@hotmail.com

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home