القلم السياسي

 

تركيا..من أتاتورك إلى أردوغان

أروى حسن السيد / البحرين




عندما تتوالى هزائمنا.. أحزاننا.. وأوجاعنا.. يصاب البعض منا باليأس.. ويقرر أن يغلق جهاز التلفاز لأنه لم يعد يقوى على أن يشهد المزيد من الذل والقهر.. ولكن البعض الآخر منا –الأكثر تفاؤلا- يبدأ في النبش في حنايا التاريخ باحثا عن خيط مشرق قد يصل ماضينا بحاضرنا ..ولكن في رحلة البحث هذه ..يغور عمق الجرح وتصبح تنهداتنا أكثر حزننا.. في رحلتنا إلى الوراء.. نتعثر كثيرا في سيرنا.. أحيانا نبتسم للحظات نصر وتدمع أعيننا في لحظات أخرى لساعات هزيمة.. ونلتقي بشعوب قاسمناها همومها يوما وأعراق اختلطنا بها زمنا وهجرناها زمنا لكن شعرة معاوية بيننا وبينهم ظلت باقية تأبى أن تنقطع..وحدة ديننا الحنيف كانت دائما سببا لتجمعنا بعد فرقة ولتكون لنا مدا بعد سنين جزر...
الباحث في التاريخ الإسلامي الحديث لا بد أن يقف عند الخلافة العثمانية.. تلك الإمبراطورية الخرافية المساحة التي حضنت العالم الإسلامي لما يزيد عن الأربعة قرون.. الخوض في تاريخ الخلافة طويل.. يبدأ مع هجرة الأتراك في القرن الحادي عشر من أواسط آسيا إلى الأناضول وينتهي بانهيار الخلافة عقب اندلاع الحرب العالمية الأولى وبروز تجربة فريدة أخرى من نوعها.. لذلك شكلت هذه الفترة فيصلا هاما في تاريخ الأتراك خاصة والمسلمين عامة وهنا لزم أن نتريث قليلا ونسترجع صورا مفككة تجتمع في إطار واحد إذا نظرنا إليها جليا..
فحينما سقطت عاصمة أخر الخلافات في تاريخ الإسلام ،عاشت الأمة خطرا جديدا يحدق بها في الداخل والخارج.. بدأت المقاطعات العربية تسقط تباعا في يد الاستعمار و تخبطت أمة الخلافة محاولة في عجز إنقاذ ما يمكن إنقاذه.. وفي هذا الجو اليائس.. بزغ نجم شاب مناضل وحد صفوفه لقتال الإنجليز ودرء خطر الاستعمار عن بلاده.. ذئب الأناضول الأغبر مصطفى كمال علامة فارقة في التاريخ التركي.. فهو مؤسس الجمهورية التركية العلمانية الحديثة وأبو الأتراك جميعا كما يطلق عليه، " أتاتورك." ولأن مصطفى كمال ليس رجلا عاديا.. وليس فقط قائدا حربيا فذا.. وجب أن نقف عنده لنفكر.. كيف استطاع رجل لوحده تغيير حاضر ومستقبل أمة ؟ هل استطاع عمل كل ذلك وحده؟ أم كان وراءه ما هو مغيب عن كتب تاريخنا وعن أعين الأتراك وبصائرهم ؟

ولد مصطفى كمال بن علي رضا لأبوين تحكي بعض كتب التاريخ بأنهم من يهود الدونمة. "الدونمة" هم اليهود الأتراك الذين أشهروا إسلامهم لكن الشعب التركي المسلم شكا بصفاء نيتهم أطلق عليهم لقب "الدونمة" أي المرتدين عوضا عن المهتدين. لكن هذه حقائق من الصعب أن تظهر على السطح في تركيا الحديثة التي يحكم "الكماليون" سيطرتهم عليها والتي تعد الآن –رغم كل ادعاءات الديموقراطية- البلد الثاني بعد الصين في عدد معتقليها من الكتاب والمفكرين والصحفيين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية ..
ما يهمنا في حياة الغازي مصطفى كمال هو خلقه لأمة "جديدة" على أنقاض أمة انتهت أو أنهيت.. ففي مفترق الطرق بين الماضي والمستقبل.. يقف مصطفى كمال حاملا بيده صحيفة مبادئه الستة، "الجمهورية، القومية،الشعبية،الدولتية،العلمانية، الثورة." مؤسسا جمهورية تلحق بركب التطور الأوروبي قاطعة كل صلاتها بالشرق المتخلف الذي قال عنه الغازي يوما بعد توليه السلطة المطلقة " أليس من أجل الخلافة والإسلام ورجال الدين،قاتل القرويون الأتراك وماتوا طيلة خمس قرون؟ لقد آن الأوان لأن تنظر تركيا إلى مصالحها وتنقذ نفسها من تزعم الدول الإسلامية."
قبل ذلك.. وأثناء حروبه في الدردنيل ..ألتف حوله الشعب التركي بمختلف فئاته.فقد أعادت انتصاراته للأتراك عزة وفخرا خشوا فقدانها وهو أمر يصعب على التركي تحمله وهو من كان الاستعلاء والأنفة جزءا من هويته وتركيبته الإنسانية..
وعقب انتصاراته المتلاحقة التي أبعدت خطر الاستعمار عن الأمة التركية.. ولأنه كان "بطل الدردنيل ومنقذ العاصمة" كان من الطبيعي أن يكون مصطفى كمال هو رجل المستقبل وأمل الأمة.. وفي 29 أكتوبر 1923 أعلن قيام الجمهورية التركية وانتهاء الخلافة التي جمعتنا مع إخوتنا الأتراك أمدا ليس بالقصير..
وتبرز بعد ذلك التجربة الكمالية التي انطلقت تحت شعار تحديث وتطوير المجتمع التركي معتمدة في ذلك على النموذج الغربي وسنت لذلك النظم والتشريعات التي لا يخفى على عاقل معاداتها الخفية والعلنية لكل ما هو إسلامي. فبدءا بإلغاء الإسلام كدين للدولة ينص عليه الدستور وانتهاء بتحريم إرتداء الطربوش الذي كانت عقوبة الإعدام جزاء من يتمسك به، بدأت رحلة التغريب في المجتمع التركي وأهيل التراب على الماضي بكل ما فيه بدون حتى استثناء الدين الإسلامي. ففي حين نصت معاهدة لوزان للأقلية التركية من مسيحين ويهود على إقامة مؤسساتهم الخاصة..حرم الأتراك المسلمون الذين يشكلون 99،8 % من عدد السكان حتى من تكاياهم وزواياهم وطرقهم الدينية .وهي عناصر كانت تشكل عضدا هاما في الثقافة العثمانية الإسلامية. لكن الخطر كان أكبر من حظر الزوايا والتكايا. الكمالية جاءت لتخلق مجتمعا أوروبيا جديدا في قلب الأناضول. فتم تقنين الفقه الإسلامي في كتاب عنوانه "مجلة الأحكام العدلية" وتم وضع رجال الدين تحت المراقبة وكانوا يخضعون مباشرة لمؤسسات الدولة ويتقاضون مرتباتهم منها والدولة "العلمانية" هي التي كانت تعنى بتخريجهم ومدارسهم لكي تضمن أن أحدا لن يتجاوز الحدود الحمراء التي رسمتها . والمفارقة بأن هذا من أبسط ما يتخالف مع مفهوم العلمانية الحديثة التي تفصل الدين تماما عن الدولة بينما كانت الدولة التركية ولا زالت تتدخل في أبسط الأمور الدينية معتبرة إياها خطرا يهدد الأمن القومي إذا خرج الدين عن نطاق السيطرة. وفي سلسلة التحديث هذه تم حظر إرتداء الحجاب في المؤسسات الرسمية واستبدال التقويم السنوي الهجري بالميلادي وتغيير عطلة الأسبوع من الجمعة –اليوم المقدس للمسلمين- للسبت والأحد مواكبة للنظام الأوروبي. وتم استمداد القانون المدني السويسري كبديل للإسلامي. هذا القانون الذي على سبيل المثال يمنع تعدد الزوجات للرجال فيما يبيح زواج المسلمة من غير المسلم. ولعل أهم التغييرات الجذرية التي قام بها أتاتورك هي استبدال الحروف العربية – لغة القرآن الكريم- بالحروف اللاتينية التي اعتبرها الطريق الأقصر لتتشرب تركيا الثقافة الغربية التي تبناها.
وإلى آخر هذه التجديدات التي كانت تهدف – على حد زعم الكماليين- إلى خلق أمة متحضرة...ومنذ ولدت تركيا العلمانية وهي تبتعد عنا شيئا فشيئا..لاهثة وراء الغرب ولفترة غيرة بعيدة، كدنا ننعى فقدان جزء عزيز من وطننا الإسلامي كان قد اختار الغرب بديلا ونموذجا.

ولكن اليوم وبعد مرور 64 عاماً من رحيل أتاتورك الذي بدأ رحلة التغريب تدخل تركيا منحنى مهما في تاريخها لتذهل من اعتقد بأن تركيا قد ذابت في عالمها الجديد متناسية أصولها وهويتها الحقيقة فقد رد الشعب التركي بقوة وشبه إجماع على كل هذه التجربة التي أضنته ومزقته وأطاح لأول مرة في تاريخ تركيا برؤساء الأحزاب الكبرى ومن بينها الأحزاب الثلاثة الحاكمة ليكتسح حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان المعروف بتوجهه الإسلامي المعتدل البرلمان التركي حاملا معه ثقة الشعب وآماله و أصالته. ورغم إن التحديات الإقتصادية والسياسية التي تواجه هذا الحزب كبيرة هذا إلى جانب خطر العسكر الذين أخذوا على عاتقهم حماية الكمالية والدولة العلمانية من الخطر -الإسلامي- والذين يربضون الآن في ثكناتهم متربصين أي فرصة للفتك بالحزب الجديد وإن لم يظهروا ذلك. إلا أن فرحة الشعب التركي العارمة عشية الإنتخابات والإحتفالات التي عمت الشارع التركي بفوز حزب العدالة الإسلامي لوحدها تعد نصرا على من حاولو قتل هوية هذا الشعب وإعلانا بأن الجذور في تركيا شرقية وإن كان الهوى غربيا والروح - رغم كل محاولات التغريب- كانت وستظل مسلمة.




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home