دراسات هامة

 

ظاهرة ُ قاف قاف جيم

هند أبو العينين



ظاهرة ُ قاف قاف جيم

أهي إبداع ٌ أدبيٌّ أم رغبة ٌ في الوجود؟

 

تمهيد

 

هي القصصُ القصيرة ُ جدا .. ذلك النمط ُ الأدبيّ الجديد الذي فرض لنفسه مكانا بين الأنماط المعروفة لدى الكتّاب والأدباء في الوطن العربي وفي العالم أيضا. فقد ظهر فيه مبدعون ولهم منشورات عدّة على الساحة الأدبية العربية والغربية، وتميّز فيه قاصّون من المغرب العربي على وجه الخصوص. كما أخذت الهيئات الثقافية تتناول هذا الجنس الأدبي في مسابقاتها للإبداعات الأدبية.

 

يعرّف الدكتور جميل حمداوي الناقد المغربي القصصَ القصيرة َ جدا على أنها "جنسٌ أدبيٌ حديث يمتاز بقصر الحجم والإيحاء المكثف والنزعة القصصية الموجزة والمقصدية الرمزية المباشرة وغير المباشرة، فضلا عن خاصية التلميح والاقتضاب والتجريب والنفس الجملي القصير الموسوم بالحركية والتوتر وتأزم المواقف والأحداث، بالإضافة إلى سمات الحذف والاختزال والإضمار" [1]

وفي ما يميّز القصة القصيرة جدا نسبة إلى الأنماط الأدبية الأخرى، يقول د. حسن مودن "... نصوصها قصيرة ٌجدا، ولا تتألف إلا من عدد قليل من الكلمات، ولكنها تنقل اشتغالها من المستوى الكمّي إلى المستوى النوعي، موظفة شعرية الإيجاز والتكثيف، سواء من خلال الصوغ السريع جدا للوضعية، أو من خلال التركيز على مقطوعة هامة من حياة الشخصية، أو من خلال التشديد على كيفية الكتابة وشكلها، جودتها وشعريتها." [2]

 لمحة ٌ ضرورية في تاريخ السرد والأدب:

 

لا يخفى على المتتبع للأنماط الأدبية عبر الزمان أنها تأثرت جميعا برغبات المتلقين لها في الاستماع والمشاهدة والقراءة. فقد بدأ الأدب عند أوائل البشرية على شكل سردٍ لفظي يقوم به من يمتلك جزالة اللغة والقدرة على التعبير والتصوير بالإيماءة والحركة وحتى نبرة الصوت. ومن ذلك أن كان الإغريق يعينون لكل مدينة حاكيا يقوم بسرد القصص عليهم في تجمعات الرجال وفي الملاهي ليلا. ثم تطور الأمر ليصبح لكل قصرٍ راو ٍ وشاعرٌ من وظائفه تسلية ضيوف الملوك والنبلاء ، وذلك بسرد قصص ٍ إما أن تكون منقولة ً عن أحداث حصلت حقيقة ً، وفي هذه الحالة يقوم الساردُ بإضافة عناصَر التشويق بالتهويل أو التصرف في الرواية، وإما أن تكون من إنشاء هذا الراوي وفي هذه الحالة فإنه يطلق العنان لخياله ، ليحتوي كل ما كانت تجود به الظواهر الطبيعية غير المفسرة آنذاك، والعوامل التي نعتبرها اليوم فنتاستيكية، وكل هذا كان بهدف تسلية جمهوره.

 

بعد تلك المرحلة تطورت عملية التسلية بالسرد الأدبي لتأخذ شكل الدراما. فأنشأ الرومان المسارحَ والمدرجات الضخمة التي لا تزال تقف آثارُها شواهدَ في إيطاليا و الأردن وسوريا وكافة أرجاء امبراطوريتهم قديما. ومعلوم أن هذه المسارح كانت تستخدم لاجتماعات الساسة نهارا وفي أوقات الحروب، أما في وقت الرخاء والسهر والسمر فكانت مساحات لتجمع النبلاء، يؤدي لهم فيها ممثلون أدوارا في قصصٍ يقوم بتدريبهم عليها رُواتها. وقد طغت سيطرة المسرح على أشكال النصوص الأدبية بحيث أنها كانت تغلب على ما كتب في أوروبا.

 

ثم انتقل الأدب السردي إلى مرحلة الرواية، وما أن وصل الإنسان إلى اختراع المطابع ، وأصبح يستطيع طباعة آلاف النسخ من رواياتٍ تحتوي مئات الصفحات، حتى أصبح هذا النمط الأدبي هو الأوسع انتشارا بين محبي السرد والخيال. وأصبح عندها ارتياد المسارح امتيازا اقتصر على الطبقات الأرستقراطيه في المجتمع في ما يشبه المناسبات الاجتماعية، وليس متابعة للأدب.

 

إلا أن التمكن من الطباعة لم يكن هو السبب الوحيد لانتشار نمط الرواية الطويلة، بل عاد ذلك إلى أن الرواية أظهرت أنها النمط الأدبي الأقدر على نقل التجربة البشرية بكافة أشكالها. وشكلت قدرة السارد على الولوج في نفوس شخوص الرواية، وبالتالي التعبير الكامل عن العاطفة والنزاعات الروحية وعمق الفكر بحيث يصل كل هذا إلى ذهن القارىء دون الحاجة إلى مؤثراتٍ مسرحية، شكـّل كل هذا الفارق الأساسي بين متعة المشاهدة القصصية المسرحية، ومتعة القراءة الروائية المطوّلة.

 

 

أغراض الأدب السردي والقاف قاف جيم

 

لو حاولنا أن نحصر بعضا من الأغراض التي ساهم الأدب في تحقيقها عبر الأزمنة، لوجدنا أنفسنا أمام هذه النقاط:

 

أولا : أن الأدب بكافة أشكاله السردية والشعرية ساهم في ترسيخ الأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للشعوب عبر التاريخ. فكل حقبة سياسية مثلا وجدت انعكاساتها في نتاج كتـّابها، وذلك من خلال تجسيدهم للأحداث التي احتوتها تلك الحقب. كما أن الآداب تحمل في طياتها مرايا الفكر السائد. فعلى سبيل المثال عندما اشتعل الفكر الحتميّ بين مثقفي أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية تغيّر مجرى الأدب ليعكس ذلك الفكر السوداويّ  كما قرأناه في أعمال ألبر كامو وجان بول سارتر.

 

وباختصار، فإنك إن كنت تبحث عن معالم الحياة لشعب ما في حقبة زمنية ما فما عليك إلا أن تقرأ نتاج أدبائهم، لتجد نفسك تطـّلع على تفاصيل كل شيء لديهم، بدءا من طريقة لباسهم إلى مبادئهم وأعرافهم الاجتماعية والدينية ، وحتى أحوالهم السياسية. وبذلك فإن الأدب يعد رابطا خفيا بين الشعوب، ينقل بقوّةِ الكلمةِ المكتوبةِ أخبارَ الأمم وتجاربَها على نطاق اجتماعيّ، ويمكننا أن نقول أن الأدب كان من أوائل أساليب الاتصال بين أركان البشرية.

 

ثانيا : إذا ما ابتعدنا عن النطاق الاجتماعي وولجنا في الأغراض الفردية التي يحققها الأدب عموما والأدب السردي بشكل خاص، فإننا ننظر باتجاهين.

 

من وجهة نظر المتلقي، فإن الفائدة الأهم التي يحققها له الأدب هي الإمتاع الروحيّ. لا بل أن درجة الإمتاع التي يأتي بها عملٌ أدبي تشكل المقياس بين الأدب الرفيع والأدب الضعيف. وتتحقق متعة تلقي العمل الأدبي بأن ينجح الكاتب في نقل القارىء إلى عالم آخر، بكامل ما فيه من عاطفة وروحانية وصراع وتأزّم. ومرور القارىء بذلك العالم واختباره لتلك العواطف يسبب له شعورا يتوق إلى تكراره، إما في نفس العمل الأدبي أو في غيره. ومهما كانت العاطفة التي يختبرها المتلقي خلال ذلك المرور فإنه يجد متعة في ذلك. فمن منا يستطيع القول أن تجربة الحزن التي نمر بها عند قراءة البؤساء لفكتور هوغو تقل متعة ًعن تجربة الشفقة عند قراءة الأرض الطيبة لبيرل باك أو صراع الذات والندم في آنا كارنينا للوي تولستوي.

 

كما أن المتلقي للأدب يجد أن الأعمال الجيدة التي يرغب في إعادة قراءتها والاستزادة من مثلها، هي تلك الأعمال التي تدفعه إلى التعمق في ذاته. قيل أن أرخص طرق العلاج النفسي هو الكتاب، بحيث أن القارىء يتعلق بالسرد الذي يجد فيه جزءا من ذاته، ويجعله يتفكر فيها وفي كينونته وماضيه ومستقبله، بالضبط كما تفعل بنا قراءة ٌ واحدة للخيميائي[3]، وهو في اعتقادنا ما يبحث عنه كل إنسان في أي عملٍ أدبيٍّ سرديّ: قطعة ً من مرآة.    

 

أما الغرض الفردي الثاني الذي يحققه الأدب السردي، فهو التعبير عن مكنونات النفس. والمقصود هنا من وجهة نظر الكاتب لا المتلقي. فكلّ قارىءٍ شرِه يجد في نفسه الرغبة بعد حين في أن يخط تجاربه وحياته قِصصا. ولكلّ منا قصة يحكيها، ومن هنا يبرز تعدد الراغبين في الإبداع والتميّز، لكن ليس بالضرورة المبدعين حقا. بيد أن الفرق بينهما هو الملـَكة أوالموهبة في بلوغ درجة الإبداع القصصي أو الروائي بما يحقق الأهداف الأخرى للفرد المتلقي وللمجتمعات.

 

إلا أن هدفي المتعة وفهم الذات، لا يمكن أن يتحققا للمتلقي ما لم يتمكن الكاتب الأديب من منحهما لقارئه. والكاتب المتمكن من ذلك عادة ما تشتهر أعماله بصيت روعتها. وهذا لا يأتيه إلا إن أعمل عقله الباطن في حبك أحداث قصته ، ووصف شخوصها وحالاتها بما يفرض على القارىء التوحد معها لا إراديا. وهنا يبرز إبداعُ كاتبٍ وآخر.

 

أما التعبير عن مكنونات النفس قصصيا، فلا بد أن يمر القصّ بمراحل العاطفة النابعة من هذه النفس حتى يتم التعبير عنها. ولهذا قسّم النقاد عناصر العمل الروائي إلى تقديم وشخوص وحبكة ومعضلة ونقطة تأزم وحل. وإن غابت بعض هذه العناصر عن القصة فلا يمكن أن تغيب كلها، وإلا لما بقي شيءٌ يعبر عنه الكاتب. والكاتب المتمكن من التعبير عن ذاته هو ذلك الذي يعطي كل عاطفة وفكرة في عمله مداها من الوصف لتصل كاملة إلى قارئه، حتى يظن القارىء أن الوصف عنه.

 

 

أين نجد وليدنا الأدبي الجديد من كل هذا؟

 

يقول الدكتور حسن مودن أن شاعرية هذا النمط الأدبي الجديد تأتي من بلاغة الإيجاز فيه وتكثيف الصور [4]. ولعلنا نستطيع أن نلمس ما يعنيه الدكتور باستعراض بعض النماذج هنا:

 

براءة [5] :

سأل الطفل جده بعدما تأمل مئذنة المسجد في ذهول...

جدي ... متى ينطلق هذا الصاروخ...؟
نهر الجد حفيده ، ودخلا المسجد الأعظم .

أمومة [6]:

حين سألته عن ما فعل في المدرسة قال لها :

ذهب في رحلة، وأحد زملائه غرق في النهر وهو بكل شجاعة قفز خلفه وأنقذه فشكره الجميع وكان في منتهى السعادة !

سقط قلبها واجفا الى أدنى أضلاعها واستنكر نبضه تهاون الإدارة ومغامرة الولد بعمره الطري !. قبل أن تستكمل رسم شكل مناسب لردة فعلها، مد لها ورقة الإنشاء وانتبهت الى أن نهر القرية جف مند زمن بعيد !

 قصةٌ قصيرة جدا لإرنست همنجواي بلا عنوان [7]، يقال أنه اعتبرها أفضل ما كتب:

للبيع ، حذاءُ طفل، لم يـُلبس أبدا .

 

عند التأمل في هذه النصوص نجد أنها أقرب ما تكون إلى الخواطر، ولو مالت إلى الكوميديا قليلا لاستطعنا أن نسميها نكاتا، لكنها بالتأكيد ليست سردا لتتخذ اسم القصة. فأي سردٍ هذا الذي تأتي به ستُّ كلمات، أو عشرون، أو حتى مئة كلمة؟ ولو سلمنا بأن التكثيف الصوري المحفّز للخيال عند القارىء هو مفتاح الإبداع في هذه النصوص، فهذا غير كافٍ لتسميتها قصة ً وفرضها على الأنماط السردية التي تجلب للقارىء متعة القراءة والتوحد مع النصوص. ثم كيف لهذه النصوص المقتضبة القصيرة أن تخدم غرض توثيق الأحوال الاجتماعية للأمم كما فعلت وتفعل الأنماط السردية الأخرى، بدءا بأوديسة هوميروس إلى قنديل أم هاشم؟

 

قد يقول المؤيدون لهذا النمط الجديد أنه يخدم أغراضا أدبية جديدة أحدثتها ظروف هذا العقد ، ومنها أن القاف قاف جيم تحفّز خيال المتلقي لأن يبني للقصة مقدماتٍ ويستنتج لها نهايات، وبذلك فإنها تقحمه في عملية بناء السرد الخيالي، ولا تبقي عليه متلقياً له فقط، بل يتفاعل معها بخياله. لكننا لو افترضنا أن بين القرّاء من يبحث عن هذا، فإن أغلبية القراء لا زالوا إلى يومنا هذا يبحثون عن نصٍّ يغوصون فيه لينقلهم إلى عالمٍ آخر ينهلون من خياله وصوره، ولولا أن هذا صحيح لما احتلت روايات جابرييل غرسيا ماركيز وباولو كويلهو قوائم أكثر الكتب مبيعا في العالم وترجمت إلى أكثر من أربعين لغة على مدى عقود. ما كان هذا ليحصل لولا أن معظم القراء المحبين للأدب لازالوا تواقين إلى النص السردي الموغل في الوصف وسبر أغوار الروح البشرية ونقل تجاربها بتفصيل التصوير لا بتكثيفه.

 كما أن بعضا من القصص القصيرة جدا يكاد لا يكون مفهوما حتى يستطيع القارىء أن يبني عليه أي شيء في خياله. وبعض منها له نهاية مغلقة ، لا تحتاج إلى صناعة الخيال. والبعض الآخر يبدو لقارئه مبتورا، وبشكل يجعله خالياً من أي إمتاع.  كمثل هذه المجموعة من القصص القصيرة جدا [8]:

الـقا ف: (كـــلام)

(1)

كلما رغبت في مولود (ذ).. تلد (أ).. أنثى.. واستمرت على هذه الحالة إلى أن ولدت ( ق).. (قلادة) بنات في عنقها...

(2)

تبرعت إحدى الجمعيات الخيرية بحصص مجانية من الدياليز لفائدة المصابين بداء (القبور) الكلوي... أما أصحاب (القصور) الكلوي فلا خوف عليهم...

(3)

(قـــرش) بألف (قـــرش)... وهكذا ابتلع الحوت مـــاله...

(4)

وقعت حادثة سير مروعة في بطن جائع.. حيث انقلب (قمر).. وتحول إلى (رمـــق).

(5)

أضاع (القطر) العربي نصفه، وتحول إلى شـــعـــاع...

(6)

وزعوا (الفرق) بيننا... ولما جمعناه، صنعنا (الفـــقـــر)..

وفي حجج لدعم هذا النمط الجديد أيضا يقول مؤيدوه أن هذه النصوص تأتي قصيرة ً جدا حتى تواكب قصر الوقت المتاح للقراءة والاستمتاع بالنصوص الأدبية في حياتنا العصرية المتسارعة. وهذا لا يمكن إلا أن يكون بحثا عن سبب منطقي لشيء ٍ تمّ وحصل، بغية إنشاء القبول لدى الجمهور.

لا نعلم إن كان هؤلاء يتجاهلون أن نمط القصص القصيرة جدا بدأ قبل عصر الاتصالات السريعة وقبل تسارع الحياة الذي يتكئون عليه حجة ً لهم. فقد كانت قصة همنجواي المذكورة أعلاه مثلا من أول ما كتب في العالم الغربي من هذا النمط ، وكان ذلك في الأربعينات من القرن الماضي. وفي الصين استمرت كتابة ُ القصة القصيرة جدا من القرن الرابع عشر إلى أوائل القرن الماضي، حين بدأ الاعتراف بها بين الأدباء كقصص، ثم بدأ تدريسها كجنس أدبي في الجامعات في التسعينات منه[9] ، لكنها مع كل هذا لم تكن مقتضبة إلى عدة كلمات، بل كانت من مئة إلى خمسمئة كلمة. وعند الإغريق كانت هناك أقاصيص تـُروى على الأطفال لتعلمهم الأخلاق الحميدة، ومن هذه قصة الأرنب والسلحفاة، وقصة الثعلب وقطف العنب. أما عربيا، فقد ظهرت الكتابة الخيالية القصيرة جدا في الأربعينات لتشتهر في الستينات والسبعينات. ففي العراق تضمن كل من القاصة بثينة الناصري والقاص خالد حبيب الراوي عددا من القاف قاف جيم في وسط مجموعاتهم القصصية، كما نشر عدد آخر من القاصين العراقيين قصصا من هذا النمط بشكل دوري، وقبل ذلك فقد نشر القاص اللبناني توفيق عواد مجموعة منها متضمنة مجموعة قصصية له أيضا [10] .

 

ثم لو أننا فرضنا أن تسارع الحياة الرقمية ذات الاتصالات الضوئية وتعدد أساليب الترفيه سبّب حجوم القارىء عن إمساك الكتاب ذي المئة صفحة لمجرد إمتاع خياله بقراءة الأدب، إذن فكيف تحتل كتبٌ غير سردية ولا خيالية مثل "حياتي" لبيل كلنتون و "العادات السبع للناس الأكثر كفاءة" لستيفن كوفن  قوائمَ الكتب الأكثر مبيعا في العالم، رغم أن عدد صفحاتها بالمئات ومن القطع الكبير؟ هذا إذا تجاهلنا نجاحات ماركيز وكويلهو في نفس الحقبة المتهمة بخيانة الأدب الطويل.

 

إن محاولة دمج هذا النمط الأدبي الجديد بالأنماط الأخرى وتبرير وجوده بينها لا يجد لدينا إلا سببا حقيقيا واحدا، وهو أنه نمط سهل الوصول إلى النشر، وبذلك فإنه يصنع من أصحابه كـُتّابا ويزيد من عدد وحجم نتاجهم المنشور. إذ أن كتابة مئتي قصة قصيرة جدا لا يحتاج إلا إلى تدوين الخواطر اليومية وبعض الرؤى من الحياة، ومن ثم إعمال الحذف والإضمار فيها وبعض الصقل في تصاويرها، وهذا على أبعد حد يحتاج شهرا أو شهرين، وتكون النتيجة كتابا من مئتي صفحة جاهزا للنشر تحت مسمى الإبداع الأدبي. في حين أن القاص والروائي يـُعمل عقلـَه في نسج حبكات يحاول أن يجعلها شيّقة ومتشابكة ومختلفة في كل مرة، وتواجهه في ذلك صعوباتُ الوصف والحوار وتوثيق وصف الأماكن والتاريخ ونسج تشابك الأحداث، ثم يجد نفسه يعيد حياكة أطراف القصة ببعضها في تنقيح أول ثم ثان ثم ثالث، حتى تقترب القصة أو الرواية – بعد عام ٍ أحيانا - من عمل ٍ يجرؤ أن يضع اسمه عليه ، وأيضا تحت مسمى الإبداع الأدبي. لكن شتـّّان ما بين الإبداع والاستبداع.

 

الملفت للنظر هنا أن هذا النمط الأدبي الجديد وجد رواجه بين الكتّاب وليس بين قرّاء الأدب. ولا نستطيع تفسير ذلك إلا بفهم آلية عمل بنك المعروف [11] . يـُقرِض أحدُ الكتّاب آخراً قراءة ً في مجموعته القصصية القصيرة جدا، ويطيل في كلماتها القليلة التحليلَ والمدحَ وافتراض ما هو غير موجود ولا مقروء، كي يردّ كاتبُها المعروفَ له قراءة ً ومدحاً في أعماله. والمراد من كل هذا لفت نظر متابعي الأدب. وهكذا ذاع صيت هذا النمط واحتـُسِبَ على الإبداع الأدبي إضافة ً . ولهذا فقد عـُلم أن الصالونات والمجلات الثقافية الرقمية كان لها أكبر دور في تفعيل بنك المعروف بهذه الطريقة وبالتالي تجنيس هذه المحاولات للابداع ِ أدبا ً.

 

إذن فالمسألة بالعكس. قد ذاع صيت هذا النمط لأنه ارتكز على ما وفرته له الشبكة الدولية من سرعة الانتشار وتجاوُزِ الحدود الإقليمية والتداول بين الأدباء، وهو ما يبرر أن هذا النمط الأدبي كان موجودا في العقود السابقة لكنه لم يشتهر بين جموع الأدباء ولم يعترف به النقاد جنسا أدبيا إبداعيا إلا بعد أن شاع التواصل بينهم بالإنترنت، فمن منا لا يحتاجُ قرضا ً حسنا ً؟

 

أما الإدعاء بأن هذا النمط كان نتيجة ً لطقوس الحياة الرقمية فما هو إلا لـُبسُ الغايةِ بوسيلتها.

 

استنتاج :

 

 القصة ُ القصيرة ُ جدا ً كانت موجودة في تاريخ الأدب، لكنها لم تلقَ رواجا بين القرّاء، وإلا لوجدنا أحد مجموعاتها على قوائم الآداب المترجمة، أو الأكثر مبيعا. بيد أنها راجت بين الأدباء مع انتشار استخدامهم للشبكة المعلوماتية في ترويج أعمالهم. والسبب في عدم تقبل جمهور قرّاء الأدب لهذا النمط الجديد هو أنه لايبلغ بهم درجة َ العطاء السرديّ الذي تؤديه الأنماط ُ الأدبية ُ الأخرى كالقصة أو الرواية أو المسرحية. ونتج عن دمج هذا الجنس الأدبي مع الأجناس الأخرى محاولة ٌ لتمويه معالم الإبداع الأدبي ومقاييسه، بحيث أصبحت الخاطرة القصيرة المصوّرة تعدّ إبداعا ً. وفي هذا إساءة ٌ كبيرة ٌ لمن يستحقون فعلا ً لقبَ أديبٍ مبدع.

 

 

 


--------------------------------------------------------------------------------

[1]  د. جميل حمداوي، مقال "القصص القصيرة جدا جنسٌ أدبيٌّ جديد"، مجلة ديوان العرب، 25 ديسمبر 2006

[2]  د. حسن مودن، مقال " شعرية القصة القصيرة جدا " مجلة اتحاد كتّاب الإنترنت العرب.

[3]  باولو كويلهو، الخيميائي ، دار هاربر كولينز، المملكة المتحدة.

[4]   د. حسن مودن، نفس المرجع السابق.

[5]  عبد الله المتقي ، مجموعة قصص قصيرة جدا، مجلة ديوان العرب، 19 تشرين ثاني 2006.

[6]  فاطمة بوزيان، ليلة ٌ قصيرة ٌ جدا، الكاتبة المغربية فاطمة بوزيان.

[7]  بلا مؤلف، مقال قصص قصيرة جدا ، مجلة وايرد ساينس.

[8]  حسن برطال، مجموعة القاف كلام ، مجلة ديوان العرب، 2 نيسان 2007

[9]  بلا مؤلف، مقال "القصة المصغّرة الصينية تستقطب القراّء من خارج الصين" ، صحيفة تشاينا ديلي، 24 كانون أول  2004

[10]  إبراهيم السبتي، مقال "محنة القصة القصيرة جدا" ، الحوار المتمدن.

[11]  فكرة بنك المعروف واردة في رواية الزاهر لباولو كويلهو . باولو كويلهو، الزاهر، دار هاربر كولينز، المملكة المتحدة.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home