دراسات هامة

 

تنضيد قوافي الوجدان في ترشيد المعارضة السياسية

نضير الخزرجي



تنضيد قوافي الوجدان في ترشيد المعارضة السياسية

نضير الخزرجي*


يجد المرء متعة في قراءة كتب التاريخ والسير، ليستعرض أمام ناظريه طبيعة الحياة التي عاشها الأجداد أو الشعوب والأمم الأخرى، وقلما يعتبر المرء، ولكن المتعة تكون أشد عند تذوق الشعر وهو يتعرض للمراحل التاريخية نفسها، فالقصيدة وان لم تكن تنقل الحوادث كما تنقلها عدسة الكاتب والراوي بتفاصيلها، لكنها تشير إليها إشارات ومضية بأسلوب أدبي شيق، تجعل المرء يستذوق التاريخ ومجرياته وربما يعتبر به أكثر.
وإذا تمحورت قصيدة أو مجموعة قصائد لشعراء عدة في مرحلة زمنية، حول حدث واحد طار صيته في الآفاق، فان هذه القصائد ستكون بمثابة كشاف ضوئي تستدل به الأجيال عما حصل في تلك الفترة الزمنية وان تباعدت زمنيا بقرون عدة، لان الشعر من خاصيته انه يحفظ في الصدور قبل أن يقيد على الورق، فهو يملك حافظتين أحدهما أثبت من الأخرى.
الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي، في كتابه المعنون "ديوان القرن الثالث" ضمن سلسلة مجلدات دائرة المعارف الحسينية في نحو 600 مجلد من ستين بابا، صدر منها 34 مجلدا حتى الآن، يتابع الوضع السياسي والاجتماعي والديني الذي كان عليه العراق بخاصة والعالم الاسلامي بعامة في القرن الثالث الهجري، من خلال تقصي القصائد التي نظمت بخصوص النهضة الحسينية، لاسيما وان القصائد تؤرخ للمائة الثانية من حكم الدولة العباسية، والانتفاضات والثورات التي حصلت في تلك الفترة والتي كانت تستمد مادتها الأولى في المعارضة من نهضة الإمام الحسين (ع) وتتأسى باستشهاده في كربلاء المقدسة.

ملامح عامة
يختلف بداية القرن الثالث الهجري عن منتصفه عن نهايته، بالنسبة لعلاقة الحكم العباسي مع البيت العلوي، ففي مطلعه: "كان هنا شيء من المتنفس لخط آل محمد (ص) وسواء كان ذلك مراداً واقعا أم محاولة لتثبيت الأركان، فإن البداية كانت مريحة لكنها كبركان يوشك على الانفجار غيظا"، ولم يستمر الأمر طويلا وهو خاضع بشكل عام لطبيعة الشخصية التي تتولى الحكم من بني العباس، ولهذا نرى أن الأئمة من ولد الإمام علي بن موسى الرضا (ت 203 هـ) الذي تسلم ولاية العهد خلال حكم المأمون العباسي (ت 218 هـ): "لم يعمروا أكثر من دور الشباب أو في الكهولة فقد قضى الإمام الجواد (ع) محمد بن علي الرضا وهو ابن خمس وعشرين سنة، وقضى ابنه الهادي علي بن محمد (ع) وهو ابن اثنتين وأربعين سنة، وقضى ابنه العسكري الحسن بن علي (ع) وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وغاب ابنه الحجة المهدي المنتظر (عج) وله من العمر خمس سنوات"، فالإمام الرضا دس إليه السم المأمون العباسي، والإمام الجواد (ت 220 هـ) دس إليه السم المعتصم العباسي (ت 228 هـ)، والإمام الهادي (ت 254 هـ) دس إليه السم المعتز العباسي (ت 255 هـ)، والإمام العسكري (ت 260 هـ) دس إليه السم المعتمد العباسي (ت 279 هـ).
ومع إن: "هناك الكثير الكثير مما قيل في أهل البيت عموما وفي الإمام الحسين (ع) خاصة قد حكم عليه عامل الرعب بالفناء إما لعدم تدوينه خوفا من أن يكون وثيقة تؤدي إلى الموت أو انه دُوّن ثم جعل في طوامير حتى تلف كما أتلفت مطامير السجون شيعة أهل البيت، ولا أدل على ذلك من قلة ما وصل إلينا من الشعر المتعلق بهذا القرن"، فان المحقق الكرباسي يؤكد في الوقت نفسه: "كان الشاعر يعرض نفسه للموت حتى يذكر الحق المتمثل في أهل البيت (ع) فلم يردعه ذلك من المضي في هذا المسلك"، وكان الشاعر دعبل بن علي الخزاعي (ت 246 هـ) نموذجا للشاعر الرسالي الذي جهر بمعارضته لظلم بني العباس، حتى اشتهر عنه فحوى القول: "لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي أبحث عمن يصلبني عليها فما أجد من أحد"، وقد هجا المعتصم محمد بن هارون وهو الثامن من بني العباس، بقوله:
ملوك بني العباس في الكتب سبعة ...وما جاءنا عن ثامن لهم في الكتب
وكذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... كرام إذا عدوا وثامنهم كلب
على إني أعلي كلبهم عنك رفعة ... لأنك ذو ذنب وليس له ذنب
ولعل الرحالة والأديب أبي بكر الخوارزمي محمد بن عباس (ت 383 هـ)، خير من يعرفنا بالملامح العامة لعهد بني العباس وموقفهم من أئمة أهل البيت (ع)، ومن طبقة الشعراء، حين أكد في "كتاب الرسائل": "يموت إمام من أئمة الهدى وسيد من سادات بيت المصطفى فلا تتبع جنازته ولا تجصص مقبرته ويموت ضراب لهم أو لاعب أو مسخرة أو ضارب فتحضر جنازته العدول والقضاة ويعمر مسجد التعزية عنه القواد والولاة، ويسلم فيهم من يعرفونه دهريا أو سوفسطائيا ولا يتعرضون لمن يدرس كتابا فلسفيا أو مانويا ويقتلون من عرفوه شيعيا ويسفكون دم مَن سمّى ابنه علياً وإن بعض شعراء الشيعة يتكلم في ذكر مناقب الوصي، بل في ذكر معجزات النبي (ص) فيقطع لسانه ويمزق ديوانه..".

الشعارات الحائطية
تعتبر كتابة الشعارات الجدارية أو الحائطية وسيلة من وسائل المعارضة السياسية بالضد من النظام القائم، وهي وسيلة متاحة للجميع عبر الكتابة أو الرسم، وقد يظن البعض إن هذا الأسلوب حديث، ولكن الشيخ الكرباسي من خلال بحثه وتقصيه توصل إلى إن الشعارات الحائطية أسلوب ابتدعه أهل بغداد للتعبير عن معارضتهم للسلطة العباسية بخاصة في عهد المتوكل العباسي (ت 247 هـ)، ذلك: "أنه لما شاع ظلم المتوكل وذاع خبر هدمه قبر سبط الرسول (ص) بين الناس كتب أهل بغداد، ولأول مرة في تاريخ الإسلام، شتمه على الحيطان، ومنذ ذلك اليوم استخدم كتابة الشعارات على الحيطان".
وقد تعرض قبر الإمام الحسين (ع) للهدم حتى عهد المتوكل العباسي ست مرات، فأول مرة هدمه المنصور العباسي (ت 158 هـ) وذلك في العام 146 هـ، والمرة الثانية هدمه هارون العباسي (ت 193 هـ) وذلك عبر واليه على الكوفة موسى بن عيسى الهاشمي، وأربع مرات في عهد المتوكل، في الأعوام 233 هـ عبر عمر بن فرج، والعام 236 هـ عبر إبراهيم الديزج، والعام 237 هـ عبر هارون المعري، والرابعة عام 247 هـ عبر إبراهيم الديزج أيضا.
وقد أرخ الشعراء هدم القبر الشريف في قصائدهم، منهم الشاعر ابن السكيت يعقوب بن إسحاق الأهوازي (ت 244 هـ)، يقول فيها تحت عنوان "أسِفوا" من بحر الكامل:
تالله إن كانت أميةُ قد أتت ... قتلَ ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله ... فغدا لعمرُك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا ... في قتله فتتبعوه رميما
وممن أرخ لهدم القبر الشريف، الشاعر ابن الرومي علي بن العباس البغدادي (ت 283 هـ)، في قصيدة تحت عنوان "ديزج" من الطويل، مطلعها:
أمامك فانظر أي نهجيك تنهج ... طريقان شتى مستقيم واعوج
إلى أن يذكر الشاهد:
ولم تقنعوا حتى استثارت قبورهم ... كلابكم منها بهيم وديزج
في إشارة إلى اليهودي الأصل إبراهيم الديزج الذي استخدمه المتوكل في تشديد الخناق على زوار الإمام الحسين (ع)، حتى تجرأ على هدم القبر الشريف لمرتين.


أسماء لامعة
ضم ديوان القرن الثالث أسماء لامعة لشعراء وأدباء وعلماء وأرباب مذاهب إسلامية، رثوا الإمام الحسين (ع)، أو أشاروا إليه، منهم دعبل الخزاعي والبحتري، وأبو مقاتل، والصولي، وأبو تمام، والبلاذري، وابن بسام، والضحاك الباهلي، وديك الجن، والمجنون البصري، وابن الرومي، وابن المعتز، والإمام الشافعي، وغيرهم.
فالشاعر دعبل الخزاعي اشتهر بتائيته المعنونة "منازل آيات" في قصيدة من 122 بيتا من بحر الطويل، يقول في مطلعها:
تجاوبن بالإرنان والزفرات ... نوائح عجم اللفظ والنطقات
إلى أن يقول:
نفوس لدى النهرين من أرض كربلا ... مُعرَّسُهم فيها بشط فرات
تُوُفُّوا عِطاشا بالفرات فليتني ... تُوُفِّيت فيهم قبل حين وفاتي
وقد استأثر الديوان بأربعة عشر قطعة لدعبل من بين 59 بيت وقطعة وقصيدة، أي بنحو ربع الديوان، مما يعكس غزارة شعره وصلابة موقفه، يليه الشاعر أبو تمام حبيب بن أوس الطائي (ت 231 هـ) بثمان قطع ثم عبد السلام بن رغبان الكلبي (ت 235 هـ) بخمس قصائد.
يقول أبو تمام تحت عنوان "صبر الحسين" من الطويل"
جرى الأجلُ المحتومُ ينشدُ رَبعها ... ألا أيها الرَّبع الذي خفَّ آهِلُه
بصبر حُسين الحِلمِ حَلفةَ صادقٍ ... لقد أدركتْ فيه النوى ما تُحاولُه
وهنا يثبت الشاعر حقيقة هامة، وهو أن صبر الإمام الحسين (ع) في واقعة كربلاء كان من السعة وهو يرى أهل بيته وأصحابه يقتلون الواحد بعد الآخر عطاشا، بحيث صار مضرب الأمثال ومحط حلف الرجال، وقد قال فيه بعض الرواة كما ينقل المجلسي في بحار الأنوار: 41"50: "فوالله ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشا منه، وإن كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ألفا فينهزمون بين يديه كأنهم الجراد المنتشر، ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن شعر أبي مقاتل النصر بن نصر الحلواني تحت عنوان "الحسنان" من الرجز:
محمد المختار ثم صنوه ... والحسنان ولدا سِتّ النِّسا
ويستظهر الدكتور الكرباسي من استخدام الشاعر لكلمة "ست" وهي من اللهجات المحلية إشارة الى سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع)، أن اللهجات المحلية تم تداولها منذ القرون الأولى. وهو ما يعكس الأثر السلبي الذي تركته لغات الشعوب الداخلة في الإسلام على اللغة العربية.
ومن رواد المرحلة الشافعي محمد بن إدريس (204 هـ)، إمام المذهب الشافعي، الذي رثى الإمام الحسين (ع) وعبر عن ولائه لأهل البيت (ع)، فمن شعر له من الطويل تحت عنوان "تزلزلت الدنيا"، ينشد:
تأوّب همي والفؤاد كئيب ... وأرق عيني فالرقاد عجيب
إلى أن يقول:
فمن مبلغ عني الحسين رسالة ... وإن كرهتها أنفس وقلوب
ذبيح بلا جرم كأن قميصه ... صبيغ بماء الأرجوان خضيب
ويؤكد الإمام الشافعي على مفهوم الشفاعة الذي أصّلته نصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة، فيضيف:
لئن كان ذنبي حب آل محمد ... فذلك ذنب لست عنه أتوب
هم شفعائي يوم حشري وموقفي ... إذا ما بدت للناظرين خطوب
وينشد في قصيدة أخرى من بحر الوافر تحت عنوان "حب أهل البيت" ومطلعها:
إذا في مجلس ذكروا عليا ... وسبطيه وفاطمة الزكية
إلى أن يقول:
برئت إلى المهيمن من أناس ... يرون الرفضَ حبَّ الفاطمية
على آل الرسول صلاةُ ربي ... ولعنته لتلك الجاهلية

مفارقات مؤلمة
تعكس عدد غير قليل من القطع الشعرية، مفارقات مؤلمة عن وضع أهل البيت من نساء ورجال بما ينبغي أن يكون بوصفهم وصية النبي محمد (ص) في أمته، حيث أثبت القرآن هذه الوصية كما في الآية 23 من سورة الشورى: (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)، مقارنة بالوضع الذي كان عليه البيتان الأموي والعباسي، حيث يصل الهبوط والإسفاف إلى إقامة العزاء لموت قرد أو عاهرة، وتساق المحصنات من أهل البيت (ع) أسارى إلى الكوفة ثم الشام.
ومن ذلك قطعة للشاعر زيد المجنون المصري التي أنشأها بعدما زار كربلاء المقدسة في العام 247 هـ، يقول فيها من المتقارب تحت عنوان "أيُحرث قبر الحسين":
أيُحرثُ بالطفِّ قبرُ الحسين ... ويُعمَرُ قبرُ بني الزانية
لعلّ الزمان بهم قد يعود ... ويأتي بدولتهم ثانية
ألا لعن الله أهل الفساد ... ومن يأمن الدنية الفانية
وهنا يشير الشاعر إلى ما فعله المتوكل العباسي عندما ماتت له جارية حبشية تسمى ريحانة وكان مولعا بها حزن عليها ودفنها في قبر جديد وفرش لها الورد والرياحين والمسك والعنبر وبنى على قبرها قبة عالية!
ومن ذلك قصيدة لابن الرومي من الطويل، يقول فيها:
أفي الحق أن يمسوا خماصا وأنتم ... يكاد أخوكم بطنه يتنعج
وتمشون مختالين في حجراتكم ... ثقال الخطا اكفالكم تترجرج
وليدهم بادي الطوى ووليدكم ... من الريف ريان العظام خدلج
أو قول دعبل الخزاعي في تائيته الشهيرة:
فكيف أُداوى من جوى لي والجوى ... أمية أهل الفسق والتبعات
بنات زياد في القصور مصونة ... وآل رسول الله منهتكات
وآل زياد في الحصون منيعة ... وآل رسول الله في الفلوات
ومن المفارقات المؤلمة، أن يكون أذى بني العباس على أهل البيت (ع) وهم من شجرة نسبية واحدة أكثر من أذى بني أمية، ولذلك فان مما يظهره المحقق الكرباسي في الخاتمة من خلال معاينته للمقطوعات الشعرية: "ظاهرة المقارنة بين الجورين - جور بين العباس وبني أمية - وبيان ما حلّ بالعالم الاسلامي جراء تسلط هاتين السلسلتين من الحكام، فبدأ بعضهم بتبيان مدى حقد العباسيين ومشاركتهم سلفهم من الأمويين في ما اقترفوه ضد أهل البيت (ع) وأشياعهم".
من ذلك قول دعبل الخزاعي من البسيط تحت عنوان "إربع بطوس" يقول في مطلعها:
تأسفت جارتي لما رأت زَوَري ... وَعَدَّت الشيبَ ذنبا غير مُغتفر
ثم يقول:
أرى أمية معذورين إن قتلوا .... ولا أرى لبني العباس من عذر
أبناء حرب ومروان وأسرتهم ... بنو معيط ولاة الحقد والوغر
ويقول:
قبران في طوس خير الناس كلهم ... وقبر شرهم هذا من العبر
وهو يشير إلى مرقد الإمام علي بن موسى الرضا (ع) في طوس بخراسان والى جنبه قبر هارون العباسي (ت 193 هـ) الذي دسم السم إلى الإمام موسى بن جعفر (ع) (ت 186 هـ) المدفون في مدينة الكاظمية ببغداد.

التضمين القرآني والنبوي
كان من شأن القرآن الكريم، أن حفظ للعرب لغتهم، وكان من شأن الشعر أن حفظ للعرب تاريخهم، وقد اصطبغت قوافي الشعر العربي مع مجئ الإسلام بصبغة القيم الإسلامية، كما وجد الشعراء من آيات القرآن الكريم كنزا أدبيا، فجاء تضمين الآيات في صدر الأبيات وعجزها، كتعبير عن هذا الكنز الذي لا ينضب، كما أن التراث الذي تركه النبي محمد (ص) كان ولازال مادة خصبة للشعراء فضلا عن الكتاب والأدباء.
وهذا ما نلحظه في ديوان القرن الأول والثاني والثالث ودواوين القرون اللاحقة حتى يومنا هذا، حيث احتوى الشعر الذي أنشد في الإمام الحسين (ع) الكثير من الأدلة والشواهد القرآنية والنبوية، تضمنتها قصائد الشعراء على مر التاريخ، وسبق للأديب الأردني محمود عبده فريحات، أن استل الشواهد القرآنية التي وردت في احد عشر ديوانا من دواوين دائرة المعارف الحسينية التي غطت القرن الأول الهجري حتى التاسع منه، وجمعها وشرحها في كتاب مستقل حمل عنوان: "الأدلة القرآنية في الشعر الحسيني من دائرة المعارف الحسينية للكرباسي"، صدر في العام 2004م عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 248 صفحة من القطع الوزيري.
وفي ديوان القرن الثالث أدلة قرآنية ونبوية عدة، فعلى سبيل المثال، أنشد علي بن الحسن العسكري المتوفى قبل العام 300 هجرية في رثاء شهداء الطف، من بحر الكامل تحت عنوان "خير البرية"، يقول في احد أبياتها:
قوم هدى الله العباد بجدهم ... والمؤثرون الضيف بالأزواد
فهنا تضمين لقوله تعالى في الآية 9 من سورة الحشر: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) التي نزلت في حق أهل البيت (ع)، وتضمين لقوله تعالى في الآية 8 من سورة الدهر: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) التي نزلت في البيت العلوي عندما مرض الحسن والحسين ونذر الإمام علي وفاطمة الزهراء (ع) صوم ثلاثة أيام لشفائهما، فطرق بابهما في هذه الأيام وعلى التوالي المسكين واليتيم والأسير، فوهبوا لهم ما عندهم من طعام وباتوا جوعى لثلاث ليال، حتى نزلت فيهم سورة الدهر، ولقد أحسن الشاعر عندما أنشد:
وسائلي هل أتى نص بحق علي ... فقلت "هل أتى" نص بحق علي
ومن التضمين النبوي، قول الشاعر علي بن محمد الحماني المتوفى ما بين 260 -270 هـ، من الكامل تحت عنوان "ودّ الآل":
أخذ النبي يدّ الحسين وصنوه ... يوماً وقال وصحبُه في مجمع
مَن ودّني يا قوم أو هذين أو ... أبَويهما فالخلد مسكنُه معي
وهذا تضمين لقول النبي محمد (ص) في أهل البيت (ع): (من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة)، كما في صحيح الترمذي:5/641.

مضامين بلاغية
ومما يعطي لهذا الديوان أهمية، جملة فهارس لا غنى للباحث عنها، حيث نقرأ في فهارس المتن: فهرس الأعلام والشخصيات، القبائل والأنساب والجماعات، القوافي والروي، البحور والأوزان. ونقرأ في فهارس الهامش: فهرس الأبيات وأنصافها، التأريخ، الناظمين والشعراء، الأعلام والشخصيات، القبائل والأنساب والجماعات، اللغة. وفي الفهارس المشتركة بين المتن والهامش، نقرأ: فهرس الآيات، الأحاديث والأخبار، الأمثال والحكم، مصطلحات الشريعة، المصطلحات العلمية والفنية، الطوائف والملل، الوظائف والرتب، الآلات والأدوات، الإنسان ومتعلقاته، الحيوان ومتعلقاته، النبات ومستحضراته، الفضاء ومتعلقاته، الأرض ومتعلقاتها، المعادن، الأماكن والبقاع، الزمان، الوقائع والأحداث، المؤلفات والمصنفات، المصادر والمراجع، مؤلفي المراجع، فهرس الخطأ والصواب لديوان القرن الأول الجزء الأول، فهرس الخطأ والصواب لديوان القرن الأول الجزء الثاني، فهرس الخطأ والصواب لديوان القرن الثاني.
هذا إلى جانب قراءة نقدية للديوان قدمها أستاذ التصوف الاسلامي في جامعة السوربون، الفرنسي الجنسية، الكاثوليكي المعتقد، الدكتور بيير لوري (Pierre Lory)، الذي أشار إلى: "دأب الشيعة سنويا على إحياء مناسبتين رئيستين، الأولى تسليم النبي الولاية لعلي في غدير خم، والثانية مقتل الحسين وأصحابه على يد الأمويين في كربلاء"، معتبرا: "إن شهادة الحسين بحد ذاتها تعتبر رسالة عمل توجه المؤمن إلى حقيقة أعمق، وهذا المعنى العميق يعالج القيمة الحقيقية للشهادة العقائدية"، وكان من رأيه: "أن دائرة المعارف الحسينية تعرض مضامين النهضة الحسينية ببلاغة وقوة تدعو إلى التأمل".
في الواقع إن "ديوان القرن الثالث" الصادر عن المركز الحسيني للدراسات في لندن، في طبعته الأولى في 312 صفحة من القطع الوزيري، وضم 32 شاعرا، يمثل لوحة مترامية الأبعاد ومتنوعة الأغراض لوقائع وحوادث رسمها الشعراء بريشة القوافي، نفض عنها الدكتور الكرباسي غبار التاريخ، وقدمها زاهية مضيئة.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات - لندن
alrayalakhar@hotmail.co.uk

 


1


 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home