خاطرة

 

لن أقبل الحجر الأسود

محمد سنجر



محمد سنجر

لن أقبل الحجر الأسود

 

 لا ! غير معقول
في كل مرة أحضر إلى هنا
أرحل و قلبي يعتصر ألما
ينزف حزنا على فرصة عمري التي ضيعتها من بين يدي
نعم المفروض ألا أحرم عيني من التمتع حتى لو برؤيته
المفروض ألا أحرم قلبي من هذه اللهفة لتقبيله
و لكن
في كل مرة أرحل و لم أحقق شيئا من هذه الأحلام التي نسجتها بخيالي خلال سنوات عجاف
نعم هو قدري ، اللهم لا اعتراض
دائما ما أؤثر دفع الضرر
أنظر إليه من بعيد يتفطر قلبي ألما
أكاد أسمع صوته يناديني
تنهمر دموع قلبي تغرقني و تغرق العالم من حولي
أحاول الرد بينما تتحشرج الحروف الخارجة من قلبي
فو الله لا يمنعني عنك إلا ما ترى من هذا التدافع
أما هذه المرة فأنا مشتاق لتقبيله بصورة تتخطى الخيال
نعم و اللهِ
فلقد اشتقت لتقبيله
أحلم و أمني نفسي ليل نهار منذ كنت هنا آخر مرة
عزمت على تقبيله مهما كلفني الأمر
ربما لا تتاح لي هذه الفرصة مرة ثانية ؟
لذلك وضعت خطة محكمة لتحقيق حلمي بتقبيله دونما أعرض أحد للخطر
عندما أذن للصلاة
جلس المصلين صفوفا في انتظار إقامة الصلاة
تحريت الجلوس أمامه مباشرة في انتظار الإقامة
و بعد انتهاء الصلاة مباشرة سأنطلق إليه
سأكون أول من يصل
فأنا أجلس في هذا المكان الاستراتيجي الذي قلما يتاح لأحد من البشر
قبيل الإقامة جاء رجل ممسكا بامرأة ضريرة إلى الرجل الواقف بجواره يرجوه
: بالله عليك يا أخي
هذه المرأة أمي ، ابتلاها رب العزة بالعمى
جاءت إلى هنا ، و كل ما تتمناه من هذه الدنيا أن تقبله ، و لن تتاح لها هذه الفرصة
أبدا إلا الآن
بالله عليك لو تسمح لها إن تقبله فجزاك الله خيرا
( عندها تحشرجت الكلمات بين شفتيها تخرج مختلطة بالبكاء )
: بالله عليك يا بني
( عندها رق قلب الرجل لرغبة المرأة فأخذ بيدها تتخطى الصفوف، و ما أن ولجت برأسها
إليه من خلال الغلاف الفضي
حتى استمسكت به تقبله
سمعنا بكاءا مختلطا بعتاب و لوعة و لهفة
أم وجدت طفلها الذي ظلت تجوب الصحاري و البحار و الجبال للبحث عنه
لا تريد تركه و لو كان الثمن حياتها
حاول الابن إبعادها عن التشبث به و حاول
حتى نجح في إقناعها ،
عندما خرجت من هناك التف حولها الحاسدات من النساء
أخذن يتمسحن بها تباركا
الغريب أن إحدى النساء أخذت تقبلها من شفتيها تيمنا
ما هي إلا لحظات و أقاموا الصلاة
قمت أصلي و جل دعائي أن يقدر لنا تقبيله دون أن يتعرض أحد لسوء
بمجرد أن سلم الإمام
انطلقت كالسهم إلى هدفي
و لكن
هيهات فلقد كان نفس تفكير أقراني من المتلهفين
سبقني إليه البعض بالفعل
و لكن لن أتراجع
فأنا الآن في عنفوان الشباب
نعم لست أقل عافية من المشتاقين حولي
حاولت التشبث بأستار الكعبة أحاول انتظار العائق الذي يحول بيني و بينه
هذا العائق متمثل في رجل مسن قصير القامة
ما الذي أتى بهذا الرجل هنا في وسط هذا الزحام ؟
الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب بالمرة
لا عمره و لا صحته يؤهلانه للتواجد ها هنا في هذا الوقت بالذات
فلا مكان هنا إلا للشباب أولي القوة
فاجأني هذا الرجل بالتفاته لمواجهتي محاولا الخروج
كأنه عدل عن محاولة التقبيل
أيقن أن الوقت قد فات
واجهني بوجهه الذي حمل توقيع ثمانين عاما من الشقاء
وجدت أمامي ثمانون عاما تختنق من شدة التدافع
ثمانون عاما تستصرخني بطلاسم لم أفهم منها شيئا
قرأت توسلاته التي كادت تقفز من عينيه
يرجوني أن أتحرك من أمامه لعله يستطيع الافلات لالتقاط أنفاسه،
حاولت نفسي الأمارة أن تشغلني عن الغوص في توسلات عينيه
أحاول التشبث بحلمي بالتقبيل مهما كلفني الأمر
لن أسمح لشيء مهما يكن أن يمنعني عن تحقيق حلمي
قفزت التوسلات من عينيه تطاردني تلاحقني حتى و أنا أهرب من نظراته
وجدت توسلاته محفورة بناظري أينما التفت
عندها رفع قلبي الراية البيضاء فأنا لا أحتمل أكثر من ذلك
نعم ، لا مفر
التفت إليه ، أحمله بين أحضاني كما تحتضن الأم طفلها
أخذت أتراجع بظهري للوراء ،أحاول تفادي المتدافعين من خلفي
حتى وصلت به إلى بر الأمان بعيدا عن الزحام
عندما وضعته بحنان من بين يدي
انهالت علي قبلاته مختلطة بدعواته التي لا أفهمها لكنني أحسست بها من حولي ، تلفني
، تغمرني ، تتوغل إلي قلبي
انسحبت مطأطأ الرأس أجلس بعيدا
أتطلع إلى الكعبة
أركز بنظري على الحجر الأسود
أنظر إلى جموع المتدافعين من حوله
أحلم بالثانية ، فقط ثانية واحدة أنعم فيها بتقبيله
أدعو الله أن يكتبها لي قبل أن أموت و لكن
دون أن أمس شعرة واحدة من شعيرات أخواني المسلمين بأذى
و إلا فلن أقبل الحجر الأسود

 




  خواطر سابقة

اطبع الموضوع  

Home