قصة

 

شاب في زمن العولمة

سمية البوغافرية



شاب من زمن العولمة 
  سمية البوغافرية
المغرب
 
     سحبت نفسي من فراشي وجسدي مدكوك من الأرق. أرق تعاقد معي مذ اللحظة التي حزمت فيها أوراقي وعزمت على ولوج سوق العمل. ولولا الفكرة التي برقت في ذهني فجأة، لاندسست في فراشي أقتنص سكرة النوم ولن أبرحه حتى الظفر.. أجل، لن أبرحه حتى  أظفر بغفوة تسرقني من هم السهر ومن انكسارات النهار...
 
     لكن ها أنا كعادتي كلما بزغ لي بصيص أمل في الأفق، أتصدى لجبروت شبح الليل بكل أسلحتي.. أمزق غشاء سجني.. أنتفض.. ألم ما استطعت من شتاتي.. أحزم أمتعتي وأمضي.. أمضي لمعانقة شبح النهار بأسلحة مهترئة تزداد مع الأيام اهتراء.. أمضي في أي اتجاه.. في كل اتجاه. أطرق أي باب.. كل باب... فأعود متخما بالانتكاسات والاستفزازات.. أعود إلى محطة الانطلاق.. إلى فراشي.. إلى مأوى الأشباح.. إلى مسكن الأرق.. إلى بؤرة الاختناق...
 
     لكن اليوم، شعلة الأمل سطعت في أعماقي، أضاءت جزءا من ليلي، وأنارت الوجود حولي.. أحس أن شخصا آخر زرع في كياني.. شخص آخر لا عهد لي به.. نشيط سليم حر.. ما أجمل أن يعانق المرء الشباب والأنوار حوله! ما أروع هذا! كل خلية في نشيطة وتمدني بثقة بالغة. سأسعى لأول مرة بعد التخرج نحو النور.. سأغنم من عزم اليوم ما أضاعته مني السنوات العجاف. علي إذن، أن أعجل بضخ هذا الأمل في صميمي أخي التوأم جميل وأخي وسيم الذي بلغ به اليأس ذروته رغم أنه أصغر منا. سأوقظ فيهما الثقة بالنفس والثقة بأن جذوة الخير لا يخلو منها زمن.
 
     كذلك عزمت فأقدمت دون تردد. وكيف أتردد والحسرة عن السنوات السبع العجاف التي مضت من عمري هباء لم تفارقني بعد. اقتحمت عليهما غرفتهما وهززتهما بنشوة بريق الأمل الذي ينبض في داخلي. حدقا في بوجهيهما المتقلصين، وعيونهما المتقدة غضبا تخاطبني بيأس مرير: ماذا غنمناه من سعي النهار حتى تنط لنا كما الجن في هذه الساعة؟ هدأتهما بيدي ثم استعجلتهما قائلا وبسمة الأمل تختم شفتي:
     ـ علينا أن نقل أول حافلة نحو قرية شتوكة آيت باها.
  
     نزل الاقتراح في قلبي الأخوين منزلة نسمة النجاة من الغرق، فسطع بريق الارتياح في عيونهما وقفزا من سريريهما يعانقانني ثم عكفا يلتقطان ملابسهما في عجلة من أمرهما. قال جميل ممنونا لأخيه علي وعيناه تشعان بفرحة النجاة:
     ـ أول مرة تقدم على خطوة صحيحة يا علي. فلن ينقذنا من محنتنا غير صديقنا وحبيبنا عبد الرزاق. فهو نعم الصديق ونعم الناصح، ويؤثر دائما مصلحة الغير على مصلحته. فلن يخيب بدون شك أملنا. ربما علم بضعفنا وتنحى عن عمله لصالح أحدنا. أليست هذه عادته وهو ضائق اليد؟ فأمثاله لما يوسع الله عليهم أبواب الرزق يمدون يد العون ويغدقون العطاء..
     ـ حقا، حقا.. وإذا أعطوا أغنوا وإذا نصحوا ضحوا...
     ـ الله يكثر من أمثاله.
 
     وما كادت شمس ربيع ذلك اليوم تشرق حتى كان الإخوة قد غادروا وسط المدينة وغادروا همومهم كما تغادر الأفاعي جلودها. قال علي لأخويه جميل ووسيم بنبرة متحسرة وهو يحدثهما عن صديقهم عبد الرزاق: 
     ـ ليتنا سمعنا كلامه وسلكنا سبيله.
     ـ يا لغفلتنا..كنا نسخر منه حينما كان يرشدنا ويحاول أن ينقل إلينا تقنيات بعض الحرف التي تعلمها.
     ـ كنا نعتقد أن شواهدنا ستغنينا عن مزاحمة أصحاب الحرف الصغيرة وأن مزاوليها أقل شأنا منا. ليتني تعلمت منه الإسكافية، وليتني تعلمت منه روح الرضا بكل شيء...
     ـ كنا نعتقد أن الجامعة ستجعل منا أسيادا. وأن شهادة الهندسة ستجعل المستقبل يفتح لنا ذراعيه.
     ـ ليت أمنا ربت فينا روح الرضا بكل شيء مثل أم عبد الرزاق. لسذاجتنا انسقنا كطفلين مسلوبي الإرادة وراء كلامها: إن الرأس والفكرة محور تحول كل شيء، وبأن العلماء يقودون ولا يقادون وأنهم يشيرون والآخرون ينفذون والقاطرة تسير... كم كانت روحنا تنصهر لمعانقة هذا اليوم الذي تصير فيها الأمور رهن إشارتنا وتتلمس فيها أيدينا نتاج سنوات الجري وراء التحصيل والتكوين، ونحقق فيه لأسرنا قليلا من الرخاء والرفاهية التي طالما ضحت بها من أجلنا. لم أتخيل أبدا أن يصل بنا الحال إلى حد تسول المصروف من أهالينا لنحلق رؤوسنا ولحانا..
     فاض فو علي بضحك الحنق وقال:
     ـ والله لولا المضايقات وسلسلة التحقيقات التي لا تنتهي ما مددت يوما يدي إلى حلق لحيتي.
     قاطعه وسيم:
     ـ وأنا أيضا، لولا المطاردة الملعونة الأخيرة ما حلقت ذقني إلا وأنا خارج من مأزقي
     ضحك جميل يقول:
     ـ لم أكن أرى فيك من الوسامة غير الاسم.
     ـ لا تسرع في الحكم على أخيك. غدا يفرجها ربك وترى الوسامة تسطع من هذا الوجه الذي كدرته الحاجة والغموم.
     ـ لا تيأسا على ما فات. اليوم إن شاء الله سنضع حدا لهذه المرارة.
 
     ورغم ضيق الاخوة من الريف وحياة الأرياف إلا أنها بدت لهم خير مخرج لأزمتهم، وأن الظروف هناك أكثر ملاءمة لتوظيف طاقاتهم وخبرتهم العلمية منها في المدينة حيث الزحام حتى على مهنة النبش في القمامة. وبصراحة، لم تحفزهم شهادتا الإجازة في الهندسة الزراعية والأخرى في الطب البيطري لخوض غمار هذه التجربة ولا إدراكهما للأمور مثلما شجعهما صديقهم عبد الرزاق القاطن هناك وحنكته الخرافية في تدبير أمور حياته.
 
     فهو شخص من طينة أخرى لا يمت إلى زمان العولمة بصلة. فمنذ أن تعرف عليه علي وجميل التوأمين في السنة الأولى إعدادي وظلاهما لم يفارقا ظله. لم تكن تشد الأخوان إليه طيبته وإخلاصه واجتهاده بقدر ما كان يشدهما إليه طريقة تعامله مع المصاعب وكيف يبددها بلين ونفسية راضية. ولولا الدموع التي رأياها في عينيه ليلة عودته إلى الحي الجامعي عاريا لتخيلاه لا يبكي، وأن الظروف مهما بلغت حدتها لا يحس بقرصتها. وكانا يعزوان قوة شخصيته وصلابة عوده إلى ظروف حياته. حيث ذاق طعم اليتم قبل أن يستنشق نسيم الحياة. وقرصه الحرمان وعانقته قسوة الحياة قبل أن يقف على قدميه.. فسكن المرارة وسكنته حتى تشكل بها عوده..
 
     لم يسبق لعبد الرزاق أن زفر أو اشتكى مما كان يعكر صفو أترابه من الشباب. بل كانت مشاكل أقرانه تضحكه وتصغرهم في عينيه حتى عادوا لا يثيرونها أمامه إلا وهم متحفظون. ومع ذلك كان دائما عضدهم ومؤازرهم ومفك أزماتهم... ولولاه ما أتم الأخوان دراستهما. كانا قد ركنا إلى زاوية اليأس وهما في وسط المشوار، واقتنعا بأن لا جدوى من إتمام باقي المشوار الذي تعتم وأظلم، وأن احتراف أية حرفة تضمن العيش الكريم خير من المضي في نفق مظلم أغرق السابقين في أمواج من الظلام. لكن صديقهما عبد الرزاق كان يشد من عضدهما ويزيح الضباب عنهما وينفذ بأسلوبه الشجي المقنع إلى مكمن الظلام في ذواتهما فيمسحه غيوم الكآبة الزاحفة إليهما من الأفق مسحا. كان يردد بين أصدقائه بثقة عمياء حينما يرى اليأس قد كبس على أفئدتهم وعمى أبصارهم:
     ـ بأيدينا أن نغير وضعنا إلى أحسن ونقهر الصعاب ونفتح لنا أفاقا تستوعب شبابنا وطاقاتنا وهواياتنا ونحقق طموحاتنا..
     ـ علينا أن نستفيد من أخطاء من سبقونا وأن نحتاط من اليوم من شر الوقوع في محنتهم أما إذا استسلمنا لليأس ونحن في منتصف الطريق فالخندق لا محالة سيكون أفظع..
     ـ علينا أن نعد العدة لهذا الغد الشبح الذي نتخوف منه وألا نرهن بكل ثقلنا على شواهدنا..       
     ـ علينا أن نسلك كل سبل النجاح فإذا فلت من أيدينا حبل مسكنا بآخر.
    ـ علينا أن نبذل كل ما في وسعنا لنيل هذا الرهان.. علينا أن نكسبه.. أجل علينا أن نكسبه.. وكوننا شباب فلن تعوزنا الوسيلة لكسبه.. لا تخشوا من الفشل. فالحياة معترك وما يكسبه المرء من هذا المعترك لا يقدر بثمن. فأنتم لا تدرون نشوة نحت الحجر بالأظافر ولم تذوقوا متعة الراحة بعد التعب. فالمصاعب، التي تتخوفون منها متى قهرتموها أكسبتكم نشوة السعادة، وصلابة الحجر، وثقة في النفس وهذا شيء يثمن بالذهب. وإذا كانت قيمة الحياة تقدر بمدى إسعاد النفس فيها، فالسعادة الحقيقية بنيل الصعب وطرق المستحيل وليس بالجلوس على الكراسي المتحركة وإمضاء الأوراق...
 
     وكان يختم كلامه ويسكن آلام أترابه لما يلتمس فيهم عسر هضمهم لما يدعوهم إليه بقوله الطافح بالأمل: ربما كان غدكم أفضل من يوم إخوانكم الذين يصارعون أمواج المحنة والظلام بمجاديف معطوبة ونلتم ما ترغبون باليسر الذي عاهدتم...
 
     كان الأخوان يجدان حقا في كلامه مسكنا لآلامهما وينقادان وراء نصائحه وإرشاداته كطفلين صغيرين رغم فتيل التمرد المشتعل في داخليهما لأتفه الأسباب. كما كان عبد الرزاق، ناصح كل أصدقائه وسلواهم ومفك أزرهم. إذ لم يكن يقول ذلك وهو نائم. وإنما سلك سبيل السعي وراء اكتساب الخبرة والحكمة منذ صغره. لم تكن ثمة شيء تشقيه في حياته وتنغص عليه حلاوة شبابه مثل أن يجد نفسه في أوج فترات العطاء يستيقظ لينام يلوك خيوط الحسرة على ما فات من عمره. فركب التحدي وسبح ضد تيار كابوس العالة والعوز منذ أن فتح عيناه على الوجود حتى أضحى مع الأيام يخفق قلبه مع كل نبضة " لن أكون فريسة سهلة للضياع..."
 
    ما أشد وطأة كابوس العالة وشبح البطالة على قلبه!..
 
     فهذه المأساة يتخيلها بينه وبين نفسه فتحرك فيه كل خلية تستهوي النوم. ففي الوقت الذي يستمتع فيه أصدقاءه بحياتهم على شواطئ البحر ليطردوا كابوس الامتحانات أو يتجولون في الشوارع ليقتنصوا بسمة من شفاه الحسناوات كلما داعبتهم حلاوة الشباب، تجده في الأسواق يتناقش مع هذا أو ذاك في تقنيات التجارة ومطباتها. وإن تعسر عليه مص معلومة من أحد الحرفيين تراه يحمل البضائع ويخزنها في الحافلات في مقابل أن يضطلع في آخر المطاف بخبرة في هذا الميدان أو ذاك. وكم حز أمره في أنفس أصدقاءه حينما رأوه يحمل أكياس الدقيق كما البغل من المطحنة إلى المخبزة ويكافح نيران الفرن وسوط لسان الخباز من أجل أن يكسب في آخر اليوم تقنيات في العجن والخبازة. في حين تراه يضحك والبشاشة تغمر وجهه ويدير ظهره للخباز كلما انهال عليه بالضرب وهو يقول له وفرحة الظفر تسطع من عينيه كأنه سيتقاضى أجرا خياليا: من علمني حرفة عبدته دهرا؟!...
 
    وأحيانا تراه يتردد على المطاعم، فتعتقد أنه ليأكل أو ليشرب وينتابك شعور بأنه قد ولجه ليترفه على نفسه ولكن ما أن تتوغل إلى الداخل حتى يصدمك حاله وهو غارق في غسل الصحون والكؤوس. بل ولا يتحرج من لمها من فوق مائدة أصدقائه وذلك مقابل تعلم طريقة إعداد وجبة غذائية في آخر النهار.
 
     والأمر كذلك في الميكانيكا والإسكافية والحدادة... لم يكن يفرق بين المهن. كلها عنده سواء طالما أنها تكسب متى أتقنها الشخص.
 
    ولولا ذلك اليوم الذي جرد فيه من ثيابه حينما قصد دور الدعارة والقمار لكسب مهارة في هذا أو ذاك ما أمضى عبد الرزاق ليلة في فراشه. وكان لا يعيب شيئا عن المدينة مثل انعدام الأمن فيها بالليل، إذ لو أمكنته الوسيلة لقضى ليله في البادية ونهاره في المدينة ولكان بذلك أسعد حالا مما هو عليه. وكان يحسد رفاقه على تواجدهم في المدينة لأنهم ولدوا وسط زخم من الحرف، وفي الآن ذاته يتحسر على أمرهم حينما يرى بعضهم يدس زر قميصه في جيبه لتلصقه له أمه متى عاد إلى البيت، أو يرى سيور أحذيتهم قد تمزقت أطرافها ولم يبادروا إلى إصلاحها. وكان يحز فيه حالهم لأنهم ألقوا بكل ثقل الدهر على شواهدهم العلمية وما قد تدره عليهم من وظائف ومناصب راقية. فتراه لا يفوت فرصة إلا وذكرهم بعاقبة وضع كل البيض في سلة واحدة...
 
     وكان عبد الرزاق خدوما وصدره رحب، ولسانه عذب، ويده ممدودة ومعطاءة رغم ضيقها. وما سبق أن قصده أحد يوما وخيب أمله وفي المقابل لا يبتغي من أحد غير رضاه على ما أسدى إليه من معروف. في حين لم يكن عبد الرزاق يستعين بأحد مهما بلغت حاجته إليه. وأهون عليه أن يبتر يده من أن يمدها إلى قبول نفحات الغير...
 
     ما أكثر خدماته لأصدقائه! وما أشد احتياجهم إليه! وما أشد وطأة فراقه على قلوبهم!
 
      في الطريق، قال علي لأخويه وفرحة النجاة تشع من محياه:
     ـ لا أحد يرد إلينا الروح غير صديقنا عبد الرزاق
     ـ لا شك أنه قد وظف مهاراته في مشروع ضخم متشعب الخدمات وقادر على امتصاص كل العاطلين من أصحابه.
     ـ لا أدري كيف غابت عني فكرة استشارته والاستنجاد به  طيلة هذه المدة.
 
     لم يحس الإخوة بوطأة الرحلة رغم حالة المركوب وصعوبة الطريق. نشوة إنقاذهم من الغرق استحوذت على قلوبهم وفتحت جيوب الآمال في صدورهم وأنستهم مرارة يومهم ومرارة ما مضى من عمرهم.. البيت في مقدمة الجبل. حال البادية لا يطمئن ولا يبشر بخير ويبعث عن الحسرة وخيبة الأمل ومع ذلك دفعوا بأنفسهم يطوون الربى ويصعدون إلى الجبل كما يدفع من تغمره المياه رأسه إلى أعلى أملا في نسمة هواء. ثقتهم العمياء في صديقهم عبد الرزاق كانت كفيلة بأن تبث في ثناياهم الشجاعة والقوة حتى النهاية.
 
     وما كاد الاخوة يبلغوا مقدمة الجبل حتى تهالكوا في باحة جرداء كجثث لفظتها الأمواج ثم استأنفوا الطريق على هدي نور بدر زمانهم الذي بدا لهم لحظته، أكثر سطوعا من أي وقت مضى:
     ـ فهو يستطيع أن يوفر قوت يومه من الرمال. لن يقهره هذا الجفاف ولن يرده عائق على بلوغ هدف إذا نصبه أمام عينيه.. ألم يقهر الجهل وبلغ المدينة راجلا وهو حافي القدمين؟ ألم يتخرج من كلية الهندسة بتفوق يحسد عليه وهو يتيم ويمر بظروف لو مررنا ببعضها ما خرجنا منها إلا ونحن في مصحة الأمراض العقلية؟ لقد أكسبه الزمن المناعة إزاء قسوة الحياة ووجد في أمه خير السند ونعم المثل في قهر مسلسل المحن...
 
     كان نباح ميرو المزمجر والذي يهز القرية الغارقة في النوم دليلهم ومرشدهم إلى بيت صديقهم. ذلك البيت الذي ميزوه عن باقي أشباه البيوت بمجرد ما وقع بصرهم على حمار أبيض ونعجتين وشجرة زيتون يحرسها هذا الكلب المربوط إليها والذي راح يهز الشجرة ويكاد أن يجتثها من جذورها كلما دنا الاخوة منه فهز قلوبهم روعا ورعبا. وكيف لا ترتعد فرائسهم وتهتز قلوبهم في هذا الخلاء وأمام هذا الكلب الذي لم يرمقوا في طريقهم مخلوقا في حجم جسده وضخامته كأنه يقتات بأمثالهم من ضحايا الزمن؟! طمأن علي أخويه وقلبه فارغ من ذرة طمأنينة قائلا لهما:
     ـ هذا حاله إزاء الأغراب. لكن لا تخشوا منه فهو لا يؤذي أحدا إلا إذا شم فيه رائحة الغدر والعدوان...
 
     طرقوا الباب وعيونهم تتنقل بين هياكل المخلوقات حولهم لتستقر جاحظة على القارب الصغير المنزوي بجانب نوالة على يسارهم.. قارب مجهز بكل المعدات.. تبادلوا نظرات حيرة ثم أجالوا بصرهم يستجلون الأمواج في عمق الصحراء، فعادوا وهزوا باب البيت هزا كمن يستجدي من خطر وشيك رغم أنه كان مفتوحا. بل يبدو أنه لا يغلق على الإطلاق ولا سبيل إلى إغلاقه أبدا. هزوه ليعتقوا أنفسهم من هيجان الكلب ومن الضباب الزاحف نحو أنفسهم. ولولا بوادر الإعمار التي حولهم لظنوا البيت مهجورا وعادوا أدراجهم يندبون حظهم...
 
     فجأة، صعد شخص نحوهم. ما أشبهه بعربة مشحونة بطن من التبن تتمايل كأنها تطفو فوق سطح مائي وكأنها مجرورة إلى أعلى بحبل سري.. سلب منظره حواسهم فراحوا يجهدون عيونهم وجل مداركهم لحل طلاسمه واستجلاء حقيقته: رزم من الحطب تغطي شكله المنجلي، ورزمة ضخمة من الملابس المبلولة تفيض من فوق رأسه، ويداه مثقلتان بإبريقين من الماء، وفوه يخرسه حبل وقد التهم جزءا من خده الأيمن ويشده إلى الوراء بقوة تنال كل مرة من توازنه ومن رغبته في التقدم. وفي كل مرة، ومع كل خطوة يظن الاخوة أنه سيتعثر وينقلب على نفسه ويندثر فإذا به يهزم ولا ينهزم.. وقف أمامهم صامدا وحياهم بابتسامة عريضة دفع بها رغم الحبل الذي ما زال يخرسه... أدرك الاخوة بأنها أم عبد الرزاق.. سيدة في الأربعينات لكن شكلها الذي نحتته المحن يوحي بشكل طفلة نحيفة في العاشرة من عمرها. وجهها بشوش وعنوان للقناعة والرضى... عيناها غائرتان حادتان يسطع من أديميهما الصافي شعاع التحدي والتصدي...
 
     غمغم الإخوة وعيونهم تشع بنظرات إعجاب وتقدير:
     ـ وراء كل رجل عظيم امرأة! وما أدراكم امرأة مثلها!
 
     ما أسعد الأم بضيوفها!!! وما أوسع بحر الأمل الذي ضخوه في أعماقها!!!
 
     استوقفتهم بلباقة عند القارب "النعش" وهي تقول لهم وعيناها تتنقلان بين الفأس والقارب العدو:
     ـ ما أسعدني بكم يا أولادي! ساقتكم إلي ملائكة الرحمة. ما أوسع رحمتك يا رب وما ألطفك بعبادك!
    
     ودت الأم لو يمد أحدهم يده إلى الفأس ويدك القارب. إذ كم مرة راودتها رغبة الفتك به إلا أنها كانت تفشل في كل مرة وتتراجع.. فهي الأم التي لا تكسر رغبة لابنها. دعتهم بنبرة سارة إلى داخل البيت فدخل الإخوة. كان صديقهم عبد الرزاق مقتعدا فوق جلد خروف مهترئة في أقصى زاوية الفناء. على يساره مجموعة من كتبه ودفاتره وثلاث برادع مرقعة وعلبة فيها خيط ومخيط وأدوات أخرى. يداه مسرفتان في قص أوراق بدقة وعناية في حجم أوراق نقدية من فئة مائتي درهم. وقد انتهى من إعداد رزمتين تبدو في دقتها وضبط وزنها كأنها رزم من أوراق نقدية من فئة خمسين درهما وأخرى من فئة مائة درهما. رغبته في إعداد المزيد منها مستحوذة على جوارحه كأنه على موعد بتسليم دفعات منها. وقد كست ظلال أصدقائه هيكله الذي بلغت به النحافة مبلغها ومع ذلك لم يبادر برفع رأسه حتى همس علي في أذنه ضاحكا له:
     ـ ما هذه الرزم يا عبد الرزاق؟ أمشروعا تريد أن تزاحم بها زمرة المحظوظين في هذه البلاد؟
 حينئذ نط من مكانه وعانق أصدقاءه بحرارة الشوق التي فاض به صدره ودعاهم بعينين مغرورقتين إلى الجلوس على جلدة الخروف التي كان يجلس عليها ليغرق من جديد في عمله. بدا للإخوة أنه يخفي في عمله هذا، لوعة لم يستجلوا طبيعتها ولا مصدرها بعد، ومع ذلك لم تتزعزع ثقتهم فيه في قهر المصاعب. بادره وسيم بالقول:
     ـ هل من مساعدة تودها يا السي عبد الرزاق؟
     رفع عبد الرزاق رأسه يبتسم لأصدقائه المحيطين به ابتسامة متعثرة سرعان ما انمحى أثرها من على شفتيه كما أفل بريق الثقة في عينيه وقال ويداه مستمرتان في الترتيب وضبط المقاس:
     ـ إذا رغبتم فاليتكفل أحدكم بضبط الوزن: خمس سنتيمترات في الطول وأربع منها في العرض والآخر يتكفل بالقص لأرتبها هكذا في رزمة متى اطمأنت إلى حسن أدائكم. انساق الأخوان وراءه كطفلين صغيرين امتصتهم نشوة تعلم قواعد لعبة جديدة:
     قال جميل مسرورا وقد شرع في العمل:
     ـ تخصيص العمل مبدأ مهم في الاقتصاد أليس كذلك يا عبد الرزاق؟
     ـ أجل، أجل هو كذلك.
     قاطعه علي مندهشا وهو يمد يده إلى إحدى الكتب:
     ـ وكيف تجرؤ، يا عبد الرزاق، على قص كتبك ودفاترك هكذا...
     ـ العلم في الصدور وليس في السطور.
     فوخزه أخوه جميل بطرف كتفه هامسا في أذنه:
     ـ ماذا استفدناه من العلم ورزم الأوراق التي نشحن بها الرفوف؟ هيا قل لي
    أضاف علي متأزما مصدوما:
   ـ وكم تحتاج من الرزم يا عبد الرزاق؟
فوخزه أخوه جميل بطرف كتفه ثانية قائلا له بصيغة آمرة:
     ـ اشرع في العمل إذا أردت، ودعنا من هذه الاستفسارات العقيمة، فكثرة الكلام تفسد الجودة ثم فالعمل في حد ذاته قيمة.. ألم تستنج هذا بعد؟ وإلا ما أتى بك هنا غير البحث عنه.
 
     كبست الصدمة على فؤاد الأم ونطت عيناها من جحريهما وهي ترهف إليهم السمع من نافذة غرفتها المطلة على الفناء. قال عبد الرزاق بعد ما اطمأن إلى عمل الأخوين:
     ـ لا شيء يعادل العمل الجماعي.
     قاطعه علي يبتلع الصدمة:
     ـ ونحن ما حملنا على المجيء إلى هنا غير إيماننا المطلق بقيمة العمل الجماعي. ولكن هلا أفصحت لنا عن قيمة هذا العمل وجدواه؟
     ـ لقد نبهني أحد زبائني حينما رآني أعد كما الأعمش دريهماتي التي كسبتها من ترقيع برادعه وقال لي: يا للمصيبة لما تكون من أصحاب الملايين! فلن يرهقك ـ يا السي عبد الرزاق ـ شيء مثل عدها. ثم أشار علي أن أعد رزما من الورق وأتدرب على عدها مثله...
     قاطعه جميل الذي يريد أن يقحم نفسه في سوق العمل بشتى الطرق:
     ـ لا تحمل لعدها هما، المهم أن تجري بين يديك ـ يا أخي ـ فنحن هنا بمثابة اخوتك الذين لم تلدهم لك أمك
     ـ فالنتوكل على الله إذن،
     قال علي بنبرة ساخرة وهو ينظر إلى البرادع التي بجوار صديقه:
     ـ وعما العزم إن شاء الله يالسي عبد الرزاق؟..
 
     التفت عبد الرزاق وراءه يستجلي ظل أمه ثم قال لأصدقائه بصوت خافت:
     ـ سنركب البحر ونستثمر طاقاتنا ومهاراتنا في مشروع ضخم في الضفة الأخرى.
    قال علي وهو يدوس على أعصابه ويكبح رغبته في القض على رقبة صديقه وعصرها بين يديه بقوة الصدمة التي اجتاحته:
     ـ ماذا؟ أتدعونا إلى ركوب البحر على متن ذاك القارب؟.. أترغب في ركوب قارب الموت يا عبد الرزاق ؟ أتسعى إلى امتطاء نعشك بساقيك يا حكيم زمانه؟...
 
     وبينما علي يهول الخطب في نظر صديقه ويحذره من عاقبة الاندفاع والطيش كان أخواه قد انتشيا بعرض صديقهما.. يرقصان .. يحلقان في العالي.. يعانقان الأحلام على إيقاع ما أعده بدر الزمان من الدهاء والضياء.. فوجد علي نفسه وحيدا يغني لحياة الضنك.. يناجي المنطق والعقل وأمواج الواقع تصفعه وتصرعه.. جذب إليه أخويه، اللذين خدرهما العرض كأن ليس هناك بوابة لعتق الشباب غيرها فزمجرا ورمياه بشباك الواقع قائلين:
     ـ وهل رأيت الشمس بأيماننا والقمر بشمائلنا فعدلنا عنهما ببحر الظلام.
     ـ أنتم تبدلون الظلام بما أحلك منه.
     ـ لا نبتغي من عزمنا غير النور.. غير النجاة من بحر الظلمات الذي لبسنا واكتوت به جلودنا وصبغت به أنفسنا حتى صرنا كتلة من الظلام تتحرك...
 
     بسرعة البرق هدأت عاصفة الحكيم المحتار، ووجد نفسه في القارب يرقص مع السرب بجناحيه للعهد الجديد.. عهد الشباب والأحلام.. عهد الضياء والنور.. ثمل الشبان بعتق الشباب وتناغمت ضحكاتهم مع زقازيق العصافير.. على حين غفلة منهم داهمهم، من الخلف، موج صاخب مرعب هد صرحهم وشتت مجمعهم وألقى قاربهم في بحر الهول والرعب كأن قنبلة موقوتة غرست وسطهم وانفجرت فجأة. التصقوا بالجدران مستسلمين للقدر وهم يعقبون مسار الأم المفؤودة التي اندفعت من باب غرفتها كما الموج الصاخب تولول وتزمجر وعيناها تمطران شرارة كهربائية ولسانها يقذف قذائف بركانية:
     ـ تبا لكم ولزمانكم.. كلبي، ميرو، أولى بلحمكم من الحيتان.. ليلتهمكم جميعا...
 
   ارتجف علي كمن يصارع سكرة الموت وانقض على يدي أخويه يجرهما وراءه وهو يقول وعيناه ترصدان برعب يدي الأم المشتعلتين بفك رباط الكلب وتهييجه بضربات في الخلف:
     ـ علينا أن ننجوا بجلدنا فعضة البطالة لا تقتل!... 
 
 
                                                                                                      سمية البوغافرية
الناظور / المغرب




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home