قصيدة

 

رحلة مع الموت

د. نوري الوائلي



رحلة ُمع الموت

د. نوري الوائلي


مرحى لمنْ باع َ الحياة َ ويقصد  ُ** موتا ً يلاقيه بقلب ٍ يَحمد  ُ

في كل ّ يوم ٍ قالَ أنـّي قادم ** في أي وقت ٍ قد أصيدُ وأكمد ُ

قد زرت ُ كلّ الناس ِ أعلن ُ أنني ** موت ٌ بسيفي حلمكم يتبدد ُ

قد جأتُ بالويلات ِ بعد مصائب ٍ ** فأنا المصيبة ُ لا تزول ُ وتـُبعدُ

الله ُ يعلم ُ كم يؤلـّم ُ مبضعي ** نفسا ً تنازعني البقاءَ فتقعد ُ

أرضيت َ بالدنيا وأنت ذليلـُها ** تحبو اليها فوق َجمْر يصلد ُ

أنسيتني وأنا بجسمك َ أرتوي ** فجعلت ُ وجهكَ والخدودَ تـُجعّد ُ

أحسبت َ أن المالَ حُصنٌ أمنٌ ** يحميك َ من موت ٍ بنفسك يرقدُ

أو أن مُلكا ً قد ملكت بخالد ٍ ** أو حشد َ أزلام ٍ لعرشك ِ تسجد ُ

تحميكَ من قهري وبطش مرارتي ** هذه الركائزُ لا تفيدُ وتنجد ُ

أشتاق ُوصْلك َ كلَّ يوم ٍينجلي ** شوقي يزيد ُ ولهفتي تتجدد

منذ ُ الآجنة ِفي البطون ِ تـُنعّموا ** وأنا لها كالليث ِ لا يتردد ُ

لاتحسبن َّ الموت عنك بغافل ٍ ** فأنا وروحك َ توأم ٌ يتوحد ُ

سهمي لصدرك َ يا ضعيف ُ مصوبٌ ** والبيض ُ وجهي لا تلين ُ وتغمد ُ

أين الفرارُ وقد أتيتك ُ واثبا ً ** قلْ لي وحقك ِ كيف جسمُك يَصمد ُ

خـُلقتْ بنفسك ِ للحياة ِمودة ً ** وعظيم َ عُشق ٍ لا يشيخ ُ ويبرد ُ

تلهو وتلعبُ ثم تضحكُ مبطرا ** والعمرُ يمضي والشباب ُ مهد َّد ُ

أحذرْ فأني قد أتيك َ مُبكرا ** وقت َ الطفولة أو شبابكَ أحْصد ُ

أنظرْ الى المرآة ِ نظرة َ شاخص ٍ ** فترى بوجهك هيكلي يتشيد ُ

لا تـُعز ِ هونَ الجسم أو شيخوخة ً ** لنوائب ِ الدنيا وغل ِّ يكبد ُ

بل كلَّ هون ٍ من تشعُب ِ أذرعي ** ورصيد ُ سهمي في حسابك يصْعد ُ

عجبا ً لحالك حين تنبت ُ أسهُمي ** ويعيشُ بعضُك َ كالعليل ِ يكابد ُ

تسعى لجمع ِالمال ِ تركضُ لاهثا ً ** لمناصب ٍ أو شهوة ٍ تتزوَّد ُ

وأخوكَ قد ضم َّ الترابُ لسانه ** فغدتْ عليه قوراض ٌ تتولـّد ُ

الله ُ بالآنسان ِ يخلق ُ قوتي ** وتزيدني الأيام ُ سطوا ً يُجهد ُ

أنمو بجسمك كالجنين ِ تكاثرا ً ** وأصيرُ مفسدة ً بخلقك تـُفسد ُ

سأضم ُّ في حضني بقايا جسمكم ** كالنار ِ تأكلُ يابسا ًيتوقد ُ

سأريك يا طمّاع ُ مُرَ خسارة ٍ ** مالا ً وأبناء ً وجاها ً يُحسد ُ

تأتي معي فردا ً وحيدا ً شاخصا ً ** لامال َ ينفع ُ لا خليل َ يعضد ُ

سأريك خِلانا ً تـُواريك الثرى ** وتدوس ُ فوقكَ بالتراب ِ وتنشد ُ

أحسبتَ أنـّك صامد ٌ ضدَ القنا ** وحلمْتَ أنـّك في عظام ٍ تـُخلـــد ُ

العجزُ والأمراضُ بعضُ مخالبي ** وكوارثُ الدنيا لسيفي تسند ُ

العمرُ يمضي والتعاسة ُجلـّه ** الكل ُّ يشكي همّه أو ينقد ُ

قطعا ً حضرت َ يوم دفن ِ أحبة ٍ** ورأيتَ مثواه وأنت َ توسِّد ُ

وسكبتَ دمع َ العين ِ حُزنَ فراقه ** فكأنّك الباقي وغيرُك يُفقد ُُ

لم يمض ِ وقت ٌ حين تنسى ذكره ** ورجعت دنياكَ السعادة تنشد ُ

*******

اللهُ قد قهرَ العبادَ بسطوتي ** فأنا الفناء اليك لا أتردد ُ

أفرحتَ بالدنيا وأنكَ راحل ٌ ** عنها وتترك ُ ما ملكت َ يُبدد ُ

أنظرْ لوجه ٍ قام صُبحا مشرقا ً** يحوي الجمال َ ونظرة ً تتعيـّد ُ

فأذا به عند المساء بحفرة ٍ ** مُلىء بديدان ٍ جياع ٍ تنضد ُ

أشدو لأمرالله يمنحني الردى **فاهب ُّ  صقرا ً للورى يتصيد ُ

سأسوقُ روحك من نهاية ِ أرجل ٍ ** فتلف ُّ سيقانا ً وجسمك ُ يبرد ُ

وأقومُ أنزع ُ بالسيوف ِ ومضربي ** الروح َ من بين الضلوع ِ فتجمد ُ

أرثي لحالك حين روحك ترتقي ** حلقوم َ جسمك والأقارب ُ تشهد ُ

تأتي معي للقبر ِ دون مساند ٍ ** فترى بقبرك ِ ما يضيق ُ ويكمد ُ

قفْ لحظة ً وأرجع ْ لنفسك مرة ً ** متأمِّلا يوما ًبقبرك ترقد ُ

قبرٌ حوى دودا ً وقـُبح َصراصر ٍ ** ودويَّ آفات ٍ ووحشا ً ينهد ُ

ويؤولُ نومك َ من قصور ٍ مرتعا ً ** لتراب ِ لحد ٍ فيه جسمك  يُقدد ُ

من ضيقه ِ التربان فوك معفر ُ ** فالقبرُ وسع َ الجسم لا يتمدد ُ

وتعيش ُ في دنيا تـُضئ ُ بشمسها ** والليل ُ نورٌ كالنهار ِ يُشاهد ُ

فأذا بعالمك ِ الظلام ُ شعاعه ** لا عين َ تروي لا شموس َ ترفد

هذه المقابرُ لا حدود َ لسورها ** أذهبْ أليها حيثُ دارُك يُوجد ُ

لو كنتَ تسمعُ صوتهم لسمعتهم ** قالوا بأن الموتَ بُعد ٌ سرمد ُ

لا تتركَ الدنيا تغرُّك لاهيا ** واقبلْ لربك ساجدا ً تتعبد ُ

وأصبرْ اذا يوما ً أتتك مصيبة  ٌ ** فالصبر من شيم ِ الكرام ِ  يُمجَّد ُ

أن كنت حقا ً واعيا لمقولتي ** فاشددْ لموتك أحزما ً لا تزهد ُ

الموتُ نار ٌ والنفوس ُ وقودها ** والقبرُ ثعبان ٌ لصدرك َ يشدد ُ


**********

فأقول للموت ِ كفاكَ توعدا ً ** وعظيم ٌ بطش ٍ من سيوفك ِ يرفد ُ

مزقتَ قلبي حين تذكرُ أنـّني ** غفلان عنك في الجهالة يُسعد ُ

أين َ الأحبة والبنون وزوجتي ** أين الصديق وأين جار يسعدُ

لم يبقَ منهم حول قبري سائلٌ ** وبقيت ُ وحدي للزرواحف ِ تورد ُ

رحماك َربّي حين تأتي ساعتي ** سكرات ُ موتي ذوقها يتلبّد ُ

من لي سوى ربي وحلــّم ذاته ** سندا ً لحالي يوم َ روحي تصعد ُ

الخوفُ من ربي لكوني َ مذنبا ** فأنا لفعل ِ نواقص ٍ أتعمد ُ

رفقا ً ملائكة ُ الممات ِ ببنيتي ** فالنفس ُروح ٌ في جسوم ٍ تولد ُ

ثق يا مليك الموت ِ أني خائف ٌ ** فالموت ُ حق ُ لا يُوّد ُ ويُحمد ُ
الخوف ُيأتيني لذكركَ هيبة ً ** والدمعُ من عيني يسيلُ فترمد ُ

أن كان لي عقل ٌ فأنّك هاجسي ** ورفيق ُعُمري في نيابك أرقد ُ

تعسا ً لنفسي أن نسيتك لحظة ً ** فأنا لقهرك ِ ميت ٌ يتمرد ُ

سأشد َّ خِصرا للمات ِوهمتي ** للخير تشدو لا تكـل ُّوتركد ُ

قبري سأبنيه وأزهرُ أرضه ** وأضئ ُضلمته ووحشا ً أطرد ُ

بصلاح أعمالي ودفع ُ خطيئتيٍ** وعبادة خلـُصت ْ لرب ٍ يُعبد ُ

قبري وآخرتي حصيلة رحلتي ** وثمار زرعي من حياة ٍ تـُخمد ُ

فالموت ُ لا يعني الفناء َ وأنـّما ** يعني حصاد الزرع ِ حيث ُ تـُخلـّد ُ

*****

يا نفسُ قد صدق َالمماتُ بقوله ** فالموت ُ حق ٌ لا يَمُل َّ ويُحسد ُ

همي أذا جاء الممات ُ وحاصلي ** لم يُرض ِ ربي رغم أنـّي أحمد ُ

لو أن ربّي كان عنـّي راضيا ** ما خفت ُ من موت ٍ  به أتجرد ُ

ولسوفَ أسعى للمملت ِملاقيا ً ** ويطيب ُ قلبي من ممات ٍ ٍيُسعد ُ

ولأترُك َ الدنيا لغفلان ٍ جنى ** فيها سرابا ً لا يفيد ويسند ُ

ويعيشُ دنياه مرارة خاسر ٍ ** يبني بظلم ِ النفس وهو يلنـْدد ُ

أهلا بموت ٍ جاء َ يختم ُ رحلتي ** بلقاء ِ ربي واللسان ُ يُمجّد ُ

من بعد موت ِ الخلق ِ يقهرُ خالقي ** ملك َ الممات ِ بالممات ِ فيـُلحَد ُ

يا ربُ  في نفسي فحببْ ساعة ً ** فيها أموت ُ وتحت قبري أ ُنـْجد ُ

سيموتُ كل ّ الخلق لا صخرا ً ولا ** حيّا ً يدوم ُ ولا حياة َ تُأبّــد ُ

 

 




  قصائد سابقة

اطبع الموضوع  

Home