مقال

 

المثقف والعاصمة: هل من علاقات متبادلة؟

صالح سليمان عبدالعظيم



المثقف والعاصمة: هل من علاقات متبادلة؟

 

        تعكس احتفالية العاصمة الثقافية في العالم العربي طبيعة العلاقات السائدة بين المدينة العاصمة من ناحية، التي تبتلع كل المدن والمحافظات الأخرى، وبين المثقف الذي يمتهن الكتابة والثقافة وصناعة الفكر من ناحية أخرى.  فالمدينة العاصمة هي محور الأضواء ومحور الانطلاق ومحور الارتباط بالسلطة السياسية التي تدعي ارتباطها بالثقافة، وينشرح صدرها، وترفرف أعلامها باختيار عاصمتها مركزاً للثقافة، ومنبعاً للعلوم والفنون.  من هنا لا بد للمثقف الذي يسعى للبروز والانتشار أن يرتبط بالعاصمة، بمؤسساتها القائمة، ومبانيها الأسمنتية، التي يتصدرها مسئولون مُعْينون من قبل السلطة السياسية.  في الكثير من الأحيان لا يفقه هؤلاء المسئولون شيئاً في الثقافة، حيث يتخذونها مجالاً للاحتفال والإعلاء من شأن الحاكم الفرد المطلق، كما يتخذونها مجالاً لتعظيم أرباحهم ومكاسبهم الشخصية.

 

        هذه هي العاصمة العربية مستبدة دائماً مثلما هو حال السياسة العربية.  فالعاصمة هي المركز وهى الاحتفال وهى كل الجغرافيا، وما هو خارج المكان العاصمة مجرد هوامش على طرف المركز الموحش الأكثر توغلاً واستبدادً.  يأتي القرويون إلى العاصمة من أجل النشر، ومن أجل القراءة والإطلاع، ومن أجل أضواء المدينة اللامعة البراقة.  ويتوافد فقراء العاصمة إلى منتدياتها وندواتها من أجل تلمس ضوء ما، والبحث عن مغامرة جديدة قد توصلهم إلى بصيص أمل ما.  فالعاصمة هي الدولة، والدولة هي العاصمة، وما دون ذلك عليه أن يكابد الأمرين من أجل الحصول على ميزة من هنا ونصيب من هناك.    

 

لا يقف التوغل والاستبداد فقط عند المكان الجغرافيا، والامتيازات التي يحوزها، لكنه يرتبط أيضاً بجوقة مثقفيه الأكثر التصاقاً بالمكان والمتنفذين من خلاله، سواء من المهاجرين الريفيين أو من أبناء العاصمة، حيث تضيق المسافة بين المثقف والسلطة، ليصبح المثقف مجرد واجهة للسلطة، وتصبح السلطة غواية هذا المثقف وهدفه الأثير.  كما تبرز أسوأ ما في الثقافة الريفية البدوية المحافظة لتنضح على المدينة سموم النفاق، وبراثن الوصولية، وشراسة الانتهازية. 

 

تصبح المدينة خليطاً من كل أدران الدولة؛ تديُن ريفي مظهري وطقوسي مرتبط بقيم وعادات بالية ومهترئة، وغوغائية شعبية مرتبطة بأزقة المدينة وحاراتها الأكثر توحشاً وفقراً وامتهاناً، وأناقة مبتذلة لبرجوازية مفتعلة بدون رصيد اجتماعي، وبقايا بهرجة أرستقراطية ممجوجة وزاعقة عفا عليها الزمن.  وخلف كل هذا المشهد لا يبقي سوى الاستبداد بكل عناصره المشكلة لنسيجه، وهو ما يؤدي حتماً ولا محالة إلى إنتاج ثقافة مستبدة ومثقفين مرتعشين ليس لهم من هم سوى الاندماج ضمن نسيج هذا المشهد القاحل والمفرط في جهالته.    

 

فالمدينة العاصمة لا تدعم سوى مراسم الاستبداد الجغرافي، ولا تنتج سوى ثقافات مستبدة وخانعة في الوقت نفسه، عبر المريدين والحواريين المرتبطين بأجهزة السلطة، والمستفيدين من عطاياها ومنحها.  هؤلاء هم من يتصدرون مشهدية الاحتفال بالعاصمة الثقافية، وهؤلاء هم من يديرون دفة الحوارات، ويحددون معالم الأنشطة، وهؤلاء هم من يحوزون على الشطر الأكبر من عناصر الإطار والمشهد الثقافي في العالم العربي.  هؤلاء لا يبدعون شيئاً، بقدر ما يبتذلون أنفسهم في متابعة أهواء السلطة وأمزجتها الخاصة. 

 

فالثقافة العربية مستبدة من حيث الخطوط الحمراء التي تحددها مُسبقاً للإبداع والفكر والكتابة، وهى مستبدة من حيث ارتباطها بأطر الثواب والعقاب التي تمنحها من جانب وتفرضها من جانب آخر، على من ترضي وعلى من تغضب، بغض النظر عن مشروعية وموضوعية هذا المنح وهذا المنع.  كما أنها ثقافة خانعة من حيث جبنها وضعفها وخوفها من تناول القضايا المجتمعية الحاسمة، وعن مواجهة السلطة السياسية، ورفض أطر القمع السياسي المنتشر على طول أرجاء عالمنا العربي، ورفض الهيمنة الغربية، الأمريكية بالأساس، وتأثيراتها السلبية المدمرة على ثقافتنا العربية. 

 

وهى مفارقة غريبة ومؤسفة، من حيث كون الثقافة العربية مستبدة وخانعة في الوقت نفسه.  وربما يمكن القول بأنها مستبدة ومستأسدة فيما يتعلق بشؤون الداخل وفعالياته وأركانه وجغرافيته وبشره، لكنها مهترئة وضعيفة وخانعة وخائرة أمام الوافد الأجنبي.  أليس ذلك هو حال العواصم العربية التي نحتفي بها ليل نهار!! وهل هناك فرق، كما بينا سلفاً بين طبيعة المدينة العاصمة العربية وبين منتجاتها الثقافية التي تطرحها وتقذفنا بها ليل نهار.  فكل إناء ينضح بما فيه، فالثقافة العربية هي الوجه الحقيقي لتلك المدن العواصم الرازحة تحت وطأة التخلف والتبعية والقمع وتقليد الآخرين والتباهي بمنتجاتهم المادية والمعنوية.    

 

وعلينا أن نلاحظ هنا العديد من هؤلاء المثقفين الذين تمتلأ بهم صفحات الجرائد، ويرتادون الكثير من اللقاءات التليفزيونية سواء عبر المحطات الرسمية الخاصة بعواصمهم، أو عبر القنوات الفضائية العربية في حالة جديدة يتم من خلالها تبادل الأدوار التي ليس لها من هدف سوى إشادة الجوقة العربية بعضها بالبعض الآخر، حيث تتحول الثقافة العربية إلى محفل احتفائي متجانس لا تشوبه أية شائبة، ولا تحركه أية قضية أو مشاكل حقيقية.  فمن خلال هذه المجاملات الإعلامية عبر الفضائية تتحول الثقافة العربية إلى كائن متجانس مسالم مطيع، لا يشاكس ولا يجادل ولا يطرح تلك القضايا التي تثير السلطات الحاكمة من ناحية، وتستنفر تلك القوى التقليدية المحافظة الجامدة أسيرة الارتكان إلى المتعارف عليه والمنجز المتكلس تاريخيا من ناحية أخرى.      

 

        لا ينفصل واقع المثقف العربي المعاصر عن الكيفية التي تتم بها هذه الاحتفاليات الرسمية باختيار إحدى العواصم العربية عاصمة ثقافية لعام ما؛ فالمثقف الذي يكابد فعل الثقافة، ويكابد صناعة الفكر الحقيقي ليس له من متسع ومكان ضمن المشهد الثقافي الرسمي.  كما أن احتفالية العاصمة الثقافية لا تعني فقط، كما في عالمنا العربي، مجرد قص شريط هنا، أو افتتاح مبنى جديد هناك، لكنها تعني بالأساس صناعة الفكر وتدعيم النشر.  فباريس العاصمة الثقافية لأوروبا تتصدر الثقافة بالنشر، وبصناعة الرواية، وبتقديم مئات الروائيين والكتاب الجدد سنوياً، وبالفعاليات الثقافية الحقيقية سواء اختيرت رسمياً عاصمة للثقافة الأوروبية أم لم يتم اختيارها.                                                                

 

فالاختيار علامة للجودة والصلاحية ليس أكثر ولا أقل، فالواقع الثقافي الفرنسي يتحرك ويتطور ويدعم المفكرين والمثقفين، بغض النظر عن اعتراف الآخرين به وتقديرهم له، رغم أهمية ذلك، ورغم رغبة كل عاصمة في أن تكون عاصمة للثقافة في الإقليم الجغرافي الذي تنتمي إليه .  صحيح أن كل عاصمة تنتظر وتتمني اختيارها عاصمة للثقافة، لكنها وهى تنتظر هذا الاعتراف الدولي والإقليمي لا تقف ولا تتحرك، ولا تصاب بالعقم والجمود والشللية الثقافية، فالحال قبل الاختيار لا يختلف كثيراً عن الحال بعده، إلا في بعض المظاهر الاحتفالية المرتبطة بنشاطات ثقافية وفكرية حقيقية ذات ارتباط مباشر وجديد بطبيعة الحدث.    

 

        من هنا، فإن اختيار عاصمة عربية ما عاصمة للثقافة لن يغير من المشهد الثقافي لهذه العاصمة، وللواقع العربي الثقافي بعامة.  فطالما أن المشهد العربي الثقافي لا يرتبط بقدرات المثقفين الحقيقية وقدراتهم الفكرية المختلفة المستندة إلى ممارسة التغيير والرغبة في مواجهة اهتراءات الواقع الحقيقية عبر الكلمة وعبر الإبداع الأدبي والفني بكافة تجلياته وإسهاماته، فإن العاصمة الثقافية لن تضيف شيئاً جديداً إلى التماعات الحدث وجوانبه الإعلامية.  فكما تمارس العاصمة الثقافية قيودها الثقافية على المثقفين قبل الحدث، فإنها لن تتوانى عن ممارسته فيما بعد الاختيار وفيما بعد الحدث ذاته.

 

        يواجه المثقف العربي المعاصر حالة من التأطير القوي، تلعب فيه العاصمة عبر استلابها، ليس للمثقفين فقط، ولكن للكثير من المواطنين، ولمساحات شاسعة من الجغرافيا، حالة من النهب الفكري المنظم، الذي لا يؤدي إلا إلى خلق إخصاء عقلي وثقافي، تظهر تجلياته واضحة في تلك الإنجازات الفكرية التي تحققها أية عاصمة عربية يتم اختيارها عاصمة للثقافة العربية.  فالمثقف المُلاحق ليل نهار من قبل السلطات الحاكمة والقوى التقليدية الرجعية المبتذلة، سوف يجد نفسه خارج إطار هذه الاحتفالية العاصمية. 

 

وحتى لو قبلت السلطات الرسمية دعوته وإشراكه ضمن مشهد الاحتفال هذا، فإنها سوف تقبل بذلك ضمن شروطها المحدد سلفاً، وضمن الإطار الذي ترسمه لهذا المثقف.  على المثقف العربي أن يعي هنا أنه مرحب به للاشتراك وفق شروط القوى الثقافية الرسمية وثيقة الصلة بالسلطات السياسية.  فلن يستطيع هذا المثقف فكاكاً من قبضة هذه السلطات الرسمية وممثليها القائمين على شؤون الثقافة وصناعة الفكر، فهم العيون الأمنية المدنية التي تكتب التقارير، وتحدد المكافآت، وتقرر طبيعة العقوبات.       

 

ورغم وجاهة الكلمة، عاصمة للثقافة العربية، فإنه علينا الآن أن نطرح التساؤلات الأكثر إرباكا وقلقاً، وربما الأكثر صفاقة، للكثيرين ممن يلهبهم بريق الحدث، ويسعدهم أن تكون عاصمتهم هي المختارة محوراً ومركزاً للثقافة العربية لمدة عام كامل من الزمان.  وتشمل هذه التساؤلات ما يلي: هل توجد ثقافة عربية محددة الملامح؟  وإذا وجدت ما هي ملامحها وما هي المشتركات القائمة فيما بينها، والتي تؤدي في النهاية للقول بوجود ثقافة عربية؟  والأهم من كل ذلك ما هي طبيعة القضايا التي يجب أن تتناولها هذه الثقافة العربية وتسعى من خلالها إلى الاشتباك مع الواقع الاجتماعي السياسي المعيش؟  إذا استطعنا أن نجيب على هذه التساؤلات، وأن نقرر ماهيتها يمكننا ساعتها أن نأمل خيراً من أي من العواصم العربية المختارة بوصفها بؤرةً الثقافة وعنواناً للإبداع.

 

د. صالح سليمان عبدالعظيم

        كاتب مصري

          salehabdelazim@hotmail.com




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home