القلم السياسي

 

لا ندين العمليات الإستشهادية .. ولكن

د. أميــمة أحمد-الجزائر




كان واضحا عندما أقدمت حركة المقاومة الإسلامية (حماس ) على تنفيذ العملية الاستشهادية في القدس الغربية ، وقتل فيها ستة عشر مدنيا من الاسرائيليين وجرح نحو سبعين آخرين ، أرادت تبليغ رسالة بأنها مصرة على خيار المقاومة ضد الاحتلال حتى يرحل ، وأن ماجرى للفلسطينيين خلال الاجتياح الاسرائيلي للضفة الغربية والمجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال ضد المدنيين في سائر المدن الفلسطينية لن تثنها عن خيار المقاومة مهما كان الثمن ، بل توعدت على لسان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أحد قادتها البارزين بمزيد من العمليات الاستشهادية .
جاءت العملية الاستشهادية في وقت تتعرض فيه القضية الفلسطينية برمتها لأخطر منعطف في تاريخها ، حيث الضغوط العربية قبل الاسرائيلية والأمريكية على القيادة الفلسطينية ، بقبول الشروط الأمريكية ، بأن يتولى الرئيس ياسر عرفات القضاء على ماتصفه إسرائيل وأمريكا ( بالإرهاب) وإلا قاموا بعمل ذلك بدلا عنه باجتياح تلو الاجتياح للأراضي الفلسطينية بذريعة محاربة "الإرهاب " ، حتى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية خلال زيارته لأمريكا ، راح يتحدث عن " الإرهاب الفلسطيني" أمام المسؤولين الأمريكيين ، ويبرر مافعله الجيش الإسرائيلي أمام جمعية مقاومة التشهير الأمريكية ، بأن " الإرهابيين" الفلسطينيين اتخذوا من المدنيين دروعا بشرية مما عرقل تقدم جنوده لاقتحام مخيم جنين ، وتكبدوا خسائر" فادحة " بمقتل /23/ عسكري من الجيش الإسرائيلي . طبعا ولم يسأله أحد من الحاضرين الذين أغلبهم يناصر إسرائيل عن آلاف المدنيين الذين دمرت المنازل على رؤوسهم ، وتناثرت أشلاؤهم بين الأنقاض ، حتى لم ينعموا بالدفن، بل تفسخت جثثهم حتى أصبحت المنطقة مهددة بكارثة بيئية . بل كانت تصفيقات الحاضرين الحارة تؤكد المساندة المطلقة لما يفعله شارون في حربه ضد ماوصفه " بالإرهاب" ، وقد أعلنتها أمريكا حربا طويلة الأمد في طول الأرض وعرضها ، غير عابئة بالرأي العام الدولي بما فيه الرأي العام الأوربي . وبذات الوقت يتحدث الرئيس بوش بصلف الأغبياء " أنه على عرفات ليكسب ثقته أن يتحكم بما وصفه " بالإرهاب" ، ومستشارة الأمن القومي تصرح " أن القيادة الفلسطينية غير مؤهلة لقيام دولة فلسطينية " . والقادة العرب يصرحون على غير استحياء " على الطرفين وقف العنف " في مساواة مفجعة أن تتساوى طائرات الأباتشي والدبابات مع الحجر الفلسطيني والبندقية ربما كانت محشوشة .
هذا المشهد التراجيدي المربك ، يطرح السؤال بإلحاح أكثر من أي وقت مضى إذا أردنا الوصول إلى أهدافنا الوطنية : ماهو إسلوب المقاومة الذي ينبغي العمل به لدحر الاحتلال ؟ ويستولد منه السؤال الأهم ، والذي ينبغي الحسم به بإجابة واضحة لالبس ولا غموض فيها ، حتى نحدد أسلوب المقاومة .
والسؤال : هل الحركة الوطنية الفلسطينية ثورة تحرر وطني على غرار ثورة التحرير الجزائرية أم أنها دولة وليدة تتكون مع الزمن عبر مفاوضات سياسية ؟
الحسم في هذه المسألة يحدد معالم الطريق ، ولن يتأتى الجواب إلا عبر حوار وطني يجمع جميع أطراف الحركة الوطنية بكل طيفها السياسي . ويكتسي الجواب أهمية قصوى في ظل قيام السلطة الفلسطينية وفق اتفاقيات أوسلوا ، وما التزمت به من اتفاقيات أمنية ، تلزمها بالحفاظ على أمن إسرائيل . ويطرح وجودها كسلطة ، مفاهيم السلطة والمعارضة ، والتنسيق الأمني بين أجهزة الأمن الفلسطينية والاسرائيلية ، ومسألة الوحدة الوطنية التي حققتها محنة الاجتياح الاسرائيلي ، وباتت مهددة بعد تداعيات الاجتياح الإسرائيلي .
فالوضع والحالة هذه في حالة تعارض بالمطلق لايخدم أهدافنا الوطنية ، ففي حين تقوم السلطة بعمل سياسي ودبلوماسي ، تأتي عمليات استشهادية تعطي الحجة حسب رأي السلطة والنظام الرسمي العربي لاسرائيل كي تضرب الفلسطينيين . بمعنى لاتنجح العملية السياسية كما لاتنجح المقاومة . بل تُفسر العمليات الاستشهادية في ظل هذا الوضع أنها للابتزاز السياسي لكسب المزيد في المفاوضات ، مما يزيد في تعنت إسرائيل وهي في موقع قوة أمام الإختلال المريع لموازين القوى بين حجر ودبابة ، بين بندقية وطائرة أباتشي ، فهل الحزام الناسف يعيد التوازن لميزان القوة ؟
لمناقشة هذه الأمور وغيرها في البيت الفلسطيني لانعتقد أنها ممكنة بدون حكومة وحدة وطنية ، وبرنامج وطني موحد ، غايته الاستقلال ، ويحول الاتفاق الوطني دون هذه المباراة في العمليات الاستشهادية التي بقدر ماترعب المجتمع الاسرائيلي بقدر مايذهب أثرها النضالي هباء على المستوى الدولي ونحن نسمع الشجب والادانة من كل مكان . لماذا نحول العدو إلى ضحية أمام الرأي العام الدولي ولديه من وسائل الإعلام للدعاية والترويج بما يغطي أقطاب الكرة الأرضية ، في حين لايزال الإعلام العربي يحاور نفسه ، ويعرض نشاطات حفظه الله .
فالحرب مع العدو الصهيوني حرب طويلة الأمد ، وفي ظل ماذكرناه من اختلال في موازين القوى ، يضاف إليه استسلام عربي رسمي مريع يتسابقون لمرضاة أمريكا ، علينا توطين النفس على استمرار المقاومة بما يجعلنا أمام الرأي العام الدولي بموقع الضحية ، وإسرائيل هي المعتدية دوما . بمعنى لانجر العدو لمواجهة على أرض هو الأقوى فيها ، ورأينا ماحصل في مخيم جنين ، صحيح صمدوا حتى آخر قطرة دم وآخر رصاصة ، لكن بالنهاية استشهدوا بالمئات ، كان يمكن ادخارهم لسنوات من المقاومة دون هذه الخسائر البشرية الفادحة ، انجرت عنها تداعيات أرغمت الرئيس عرفات إلى إدانة عملية حماس الإستشهادية وقد وصفها" بالإرهاب " تحت الضغط الأمريكي . ووافق على ترحيل ثلاثة عشر مناضلا عن وطنهم ، وسجن من سلمت يداهم على مقتل زئيفي العنصري ، والقادم أعظم ما لم تجمعنا خيمة الوحدة الوطنية ، ونضع سويا برنامج وطني يحسم السؤال الرئيس هل نحن حركة تحرر وطني أم دولة تتكون بالمفاوضات ؟




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home