قصة

 

فتنة المساءات الباردة.

المختار ميمون الغرباني



فتنة المساءات الباردة!

بخطو شبه زاحف قرأ حذائي المسافة ما بين الشقة ومقهـى الزمن ..الدروب الضيقة الضاجة بألسن المارة وروث البهائـم ترشحني للاستياء على كناش المدينة ..أحس وكأن الروح تطالب باستقلالها الذاتي عن الجسد ..الروح تدعوني الى كأس قهـوة . الجسد يطالب بعصير برتقال ..الروح تنفصل عن الجسد، الجسد ينفصل عن الروح! ألج مسارب الذهان والفصام.. جاهدا طالبت النادل الوسيم بعصير برتقال بصوت مثقل بالدعابة والسخرية ..وبصوت يرسو ما بين القلق والانتشاء طلبت كأس قهوة سوداء.. الروح والجسد يحطمان الفواصل، يتحقق التلاحم !النادل الوسيم أحضر الطلبين بخفة ورشاقة ..ابتسم ،ونبهني إلى فاصل الأخبار ، الأصوات تتزاحم ، تتشاكل ،تتوزع في حدود ضيق فضاء مقهـى الزمن ..صـوت مذيعة الأخبار الشقراء يـراوغ خليط أصوات الزبائن ..طعم الخيانة يتصاعد من جوف التلفاز، رائحة الخيانـة تزكم زبائن المقهى.. انقطع صوت المذيعة الشقراء وانقطعـت أصوات الزبائن فجأة! تدلت عيونهم وتشربت ألوان المشهد الحزين…..
شرطي اسرائيلي يتحرش بأم فلسطينية تحضن صغيرها..الأم تقفز رافضة !الشرطي يحاصرهـا برشاشه ..يحاصرها..تتراجـع الأم غاضبة! تـرشقه بكلمات عربية ..صغيرها يصرخ، يرتعـد في حضنها..الشرطي يواصل خطو الاقتحام ..الأم الفلسطينية لاتقدرعلى المنازلة ..تعالى صراخها ،صراخ صغيرها ..قطعت حبل الصبر وانخرطت في هستيريا الاحتجاج ، السب، الشتم، الندب…
عفريت ركب رأس الشرطي …يقترب منها بخطو ثقيل ..انتشل الصغير من حضنها بقوة ..أسقطها أرضا بركل متمرس..أخذ الصغير بقبضته، عقد على عنقه ..رفعه إلى أعلى ..الى أعلى .. أكثر ..الصغير يرتعد ،ينتفض، غارق في البكاء والصراخ .. عفريت ركب رأس الشرطي..!يحكم قبضته على عنق الصغير، تتقطع أنفاسه ،الصغير يرفرف في الأعلى !الأم الفلسطينية تحتضر، دم أحمر متخثر يتدفق من رأسها ..عيناها نحو الأعلى ..الصغير يرتعد والشرطي يقهقه بأعلى صوته ..ترتسم في أعين الزبائن خرائط ضوئية لأحقر مشاهد المهانة والاحتقار .راح يفتش في جيوب جهاز التلفاز عن مشهد قد يذيب استياء المكان!أصوات الزبائن المختنقة بعباب الدخان تشاركه البحث ..فريق يرضى ..فريق أخر يعصى ..أصوات تتعالى ،تتصايح، مقهى الزمن مصاب بالحمى وصداع الرأس ..صاحب المقهى شخص ملتح يجلس الى جانبي يحتسي شايا من غير سكر ،ويخرج من جمجمته الظالمة جملا غير مقيدة بمنطق! ينهر الزبائن بكلام جارح ..يتوعدهم بـإغلاق المقهى إذا استمر الحال على اختلافهم..ركب جملة مفيـدة .. أطلقها في الهواء..تعمد إسماعي صوته الراعد:
- ناس بزاف عليهم التلفاز ..خصهم العصا !
لم أتبين لماذا العصا ضبطا ،غير أن رأسي أشارت إليه تصديقا.غير مبال بما يقول حولت مجرى العين ..في العمارة المجاورة ..في الطابق الثاني ..في الشرفة امرأة مكتنزة ،في عمـر المرأة التي كانت في التلفاز، توزع
الابتسامات على الرائحين، الغادين، المارين على غير اهتداء ..تنفخ كرة علكتها ..تعمد الى فرقعة الكرة ..تلعق شفتيها بطرف لسانها ،تبعثر خصلات شعرها الأشقر ..صدرها ينتحب، ينتصب خلف إطار النافذة ،يتدلى عناقيد عنب خريفي في جنائن اللذة ..نار حارة فائرة سرت في أوصالي ..لذائذ جامحة تتجول في جيوب الروح والجسد!أصوات مجهولة تقيم بداخلي عرسا للثرثرة كثيرا ما كانت تتضايق من صمتي الراعش ..أترقب عصا صاحب المقهى الملتحي، يلوح بها في فضاء المقهى آمرا الزبائن بالهدوء الى حيـن ..
الأصوات المجهولة بداخلي لم تتحمل الصمت أكثر ،تتأهب الى تطريز الكلام بعبير
اللغة ومعسول الحكمة :
الصائت الأول :العصا..العصا!
الصائت الثاني :ربما كانت عصا موسى !
الصائت الأول :عصا موسى ..لم عصا موسى !؟
الصائت الثاني :وحدها عصا موسى تحقق المبتغى !
ستتحول إلى ثعبان
الثعبان الى مشجب
المشجب ،حيث التبان الوردي المشبك سيتحول الى أنثى !
حواء ،وحدها تحقق التوحد والائتلاف !
الصائت الثاني نبهني الى أنثى الشرفة !ملعون هذا الصائت الذي يرقد بدواخلي
على تلة ممسوخة برئتي ..الأنثى في الشرفــة ،في الطابق الثاني ، في العمارة
المجاورة تجاورني بانتشائها ..ابتساماتهـا
أورقت وأزهرت موعدا.. ربما كانت أنثاي !أراها تبرق إشارات
غامضة ذات نفحات شبقية !تدعوني الى العمارة ،الطابق ،الشقة ، الشرفة..لذائذ
جامعة جانحة تستيقظ الآن في رأسي ..الأصوات
المجهولة بدواخلي تتهددني :
الصائت الأول :الأنثى دائرة المشكل !
الصائت الثاني :ارتعاشة عشق دفين قد تنتابك في أية لحظة !
الصائت الأول :ما أفتك غربة الجسد عن الروح ..
الصائت الثاني :ما أفتك مقام العاشق الواجف الراجف !
أنا العاشق الواجف الراجف ..تخترم صدري نبال المدينة الغول..
أنثاي قالت لي نفس الكلام قبل أن تسافر إلى مدينتها الجبلية !عاشق واجف راجف
أنا !أسعل..أختنق ..عباب الدخان عتم سقف مقهى الزمن .أصوات الزبائن تصر على
توجيه النـادل الوسيم. المشاهد والصور تتوارد .. لا أحد يرضى ..المشاهـد
والصور تتوارد ،النادل الوسيم يتأفف .يسخط على جهــاز
التلفاز..زبائن المقهى يرعدون.. فريق يعصى ،فريق يرضى ..
هنا ..لا!هناك.. لا!هنالك.. لا! لم أعد أتحمل أصوات الزبائن
أكثر ،لم أصرخ حتى لا أنعت بالمجنون !
فالصراخ عادة المجانين .هذا ما تعلمته من زوابع المدن الرمادية
الأصوات المجهولة تتأهب للكلام.. تكاد تنفجر بدواخلى :
الصائت الأول :السفر في الأحلام عادة المجانين أيضا..
الصائت الثاني :فتنة المساءات الباردة ،أيضا عادة المجانين في المدن الرمادية
..من رعاش فتنة المساءات الباردة يتقطر الهم الدفين خطى رتيبة زاحفة تتهجى
المسافة في دروب ضيقة ظالمة..!
نبهني الصائت الثاني الى ما ينتظرني من دروب خانقة ،تؤسس لرتابة الخطو الزاحف
ما بين مقهى الزمن والشقة ..أنا العـاشق الواجف، الراجف..أنا الراعش الزاحف..!
أنثاي قالت لي نفس
الكلام قبل أن تسافر الى مدينتها الجبلية ! أصابعي ترتعش.. رأسي تكاد تنفجر
..يحتد توتري أكثر..!ألج عوالم الذهان والفصـام ..
مصيبة الاختلاف تغرق المقهى في صراخ هائج ..أصوات مجهورة
متنافرة ..ترضى.. تعصى!علبة السجائر تحتضر،فاه صاحب المقهى الملتحي فاغر. رأس
النادل الوسيم هي الأخرى تكاد تنفجر .. داخت الرأس مع عناد التلفاز..انقطعت
حبال الصبر..!
النادل الوسيم يجوب جيوب التلفاز بعزم ثابت .الأصوات تعاند المشاهد والصور
تتوارد.. تتواعد.. الأصوات تتصايح ،فريـق يعصى.. فريق يرضى !الأصوات تتوحد
،تساير إيقاعات المشهد ،
تتماثل.. تتماهى.. الأصوات الآن تتوحد أكثر.. الأصوات الآن
صوت واحد ثقيل.
- احبس.. احبس.. الفيلم.. احبس..!
الأفواه فاغرة ،الأعين متوهجة ،التلفاز طائعـة تساير التوحـد والاختلاف!
المشهد صقر يحط بزهوه الغريزي على الصخرة ،يـمط عنقه ،يتأهب لايقاعات المنازلة
..يمامة لاهية تجمع تفاصيل عشـها!
المسافة ما بين الصقر واليمامة ،نفسها المسافة ما بين زبائن مقهى الزمن وجهاز
التلفاز ،ما بين أنثى الشرفة وبيني!
الأصوات لمجهولة بداخلي (تباغتني ..تتأهب للكلام! محكوم علي بالانصات كلما
شاءت الأصوات ترقيص أجراس اللغة وتــذوق
معسول الحكمة :
الصائت الأول: التوحد ،طريق وعر واختيار صعب !
فمن توحد اختلف
ومن اختلف عن الركب تخلف!
ومن تخلف تاه
ومن تاه شاخ
ومن شاخ لزمته عصا!
الصائت الثاني :العصا.. مرة أخرى ..العصا!
العصا ثعبان..
الثعبان مشجب حيث التبان الوردي المشبك…
المشجب أنثى سافرت في الأحلام ..
الصائت الأول :السفر في الأحلام عادة المجانين..
الصائت الثاني : وفتنة المساءات الباردة أيضا!
نبهني الصائت الثاني الى ما ينتظرني من قذف للخطى الزاحـفة في دروب ظالمة
..!أسعل وأبصق سائلا مرا.. المساءات الباردة هشمت صدري ..أضيق أكثر من الدروب
الموبوءة …أسعل.أختنق.أتقطع أجزاء تطالب باستقلالها الذاتي ..الروح والجسد في
عراك !تنفصل الروح عن الجسد. ينفصل الجسد عن الروح !ألج مسارب الذهان والفصام
.. بخطو شبه زاحف قرأ حذائي المسافة ما بين مقهى الزمن والشقة…




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home