القلم السياسي

 

الحرب أمريكية ضد المنطقة العربية.. فهل فشل باول في مهمته ؟

د. أميمة أحمد/الجزائر




عندما يقبل باول وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية لقاء الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات تحت حراب الدبابات الإسرائيلية ، فهذا يعني أحد أمرين ، إما أن إسرائيل من القوة بمكان بمقدورها مواجهة أمريكا أقوى دولة في العالم . وإما أن السيد باول اعتبر نفسه دخل قاعدة أمريكية ، له الحق أن يلتقي فيها مع من يشاء .
وحسب اعتقادنا نرى الأمر الثاني هو الملائم لمنطق الأمور ، وما شارون وجيشه إلا ضواري في المنطقة تحرشها أمريكا ضد من تشاء .
وهذا يقودنا إلى الحديث عن السياسة الخارجية الأمريكية خاصة في المنطقة العربية ، حيث نلاحظها قائمة على منطق الابتزاز ، " طبقوا يا قادة العرب مانريد وإلا نطلق عليكم شارون " ، والمتتبع لزيارة باول للمنطقة يلاحظ الأمر جليا .
فعندما بدأ باول زيارته للمنطقة أخطأ في بداية الرحلة حسب الملك محمد السادس رئيس لجنة القدس ، عندما سأله : لماذا لم تبدأ زيارتك من القدس ؟
الحقيقة ، والملك محمد السادس يدرك ذلك ، أن باول تقصّـد أن تكون رحلته من أبعد نقطة عن القدس ، بل وقطعها ليحضر مؤتمر وزراء خارجية أوربا في إسبانيا ، كي لايدينوا مجازر شارون من جهة ، ومن جهة أخرى ليعطي وقتا أكبر لشارون عله ينهي عملية " الجدار الواقي " ضد الفلسطينيين ، او كما يزعم محاربة " البنية التحتية للإرهاب " قبل وصوله للمنطقة . ولا حظنا باول يتجه للمنطقة بسرعة السلحفاة ، والقادة العرب المدرجين في مخطط زيارته هللوا ورحبوا به ، وكنا نتمنى منهم موقفا يحفظ ماء الوجه ، بأن من يقتلهم شارون يقاومون الاحتلال وليسوا إرهابيين . ماحصل أن مصر ، ظهير الأمة العربية تعهدت بإرسال وزير خارجيتها إلى الرئيس عرفات ، بعد ممانعة شارون ، ليضغط عليه بقبول الشروط الأمريكية ، وقد نجح فيما جاء فيه ، بحمل الرئيس عرفات على إصدار بيان يدين العمليات الاستشهادية ، ويصفها بالإرهاب ، وربما بشق الأنفس قبل الأمريكان بإدانة " الطبطبة " الإسرائيلية على الفلسطينيين بقنبلة المخيمات على من فيها ،أطفالا ، ونساء ، وشيوخا ، رغم تفهم أمريكا بحق إسرائيل بالدفاع عن أمنها وأمن مواطنيها من " الإرهابيين " ، وكان مخيم جنين أو " وكر الزنابير " كما يصفه شارون لكثرة " الارهابيين " فيه ، شاهدا على حماية إسرائيل لأمنها ، بجعله وسكانه الثلاثة عشر ألف فلسطيني أثرا بعد عين .
أما الملك الأردني الشاب ، وكنا نتمنى أن يتحدث بحماس الشباب ، لكنه لجأ إلى حكمة عجائز أوربا " على الطرفين إيقاف العنف " ، وكأن الطرفين جيشان نظاميان لهما نفس القدرات العسكرية . وأكد باول ما قاله الملك الشاب بوضوح أكثر " على الفلسطينيين إدانة الإرهاب ، وعلى إسرائيل الانسحاب من الأراضي الفلسطينية لاستئناف مفوضات السلام " . والواقع لكل طرف حساباته ، فمصر تخشى نشوب حرب تحرجها باتفاقية السلام مع إسرائيل ، فضلا عن الأزمة الاقتصادية التي تعجز معها إطعام شعبها ، والأردن يخشى أن يصبح بلده الوطن البديل للفلسطينيين ، وربما هي الدولة التي وعد بها الرئيس بوش دون أن يحدد مكانها وحدودها ، فقط قال : " يجب إقامة دولتين إسرائيلية وفلسطينية متجاورتين". أما الرئيس عرفات أدرك رغبة أمريكا وإسرائيل وحتى بعض القادة العرب بإيجاد قيادة فلسطينية بديلة ، وبدا أن أطرافا فلسطينية كانت على استعداد لتطبيق هذه الرغبة ، فأفشل خطة القيادة البديلة ، والتقى باول ، واعتبر ذلك نصرا سياسيا له ، رغم عزم شارون على حصاره وعزله عن العالم .
ورغم هذه التنازلات بقي شارون العقدة في المنشار ، وأقسم على دك الفلسطينيين ، لينشرهم جثثا محروقة تحت الركام ، وليداري شارون جرائمه راح يجمع جثث الشهداء المتناثرة في أزقة وشوارع سائر المدن الفلسطينية في شاحنات تبريد الفواكه واللحوم ، ويرميها في مقابر جماعية ، وفي ذات الوقت عرض على السيد باول صور العمليات الاستشهادية " الإرهابية " والضحايا " الأبرياء" من الإسرائيليين ، مما أثار شفقة باول الذي خف سريعا إلى الحدود اللبنانية ليكف " عدوان" حزب الله عن الجنود الإسرائيليين ليتفرغوا إلى الجبهة الفلسطينية ، متجاوزا رائحة الموت في المخيمات الفلسطينية . ولعل هذا دفع باول ليعدل برنامج زيارته ويلتقي بالمسؤولين السوريين واللبنانيين بعد تهميش مقصود للبلدين، حيث وجد استقبالا فاترا - حسب وسائل الإعلام - وتأكيد البلدين أن مقاومة الاحتلال مشروعة وليست إرهابا ، وهل بمقدور البلدين إدانة المقاومة في ظل احتلال الجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية ؟ كنا نتمنى أن تقيم سورية مقاومة في الجولان على غرار حزب الله طالما عجزت الحروب النظامية عن التحرير ، وهذه المقاومة لاشك تدعم المفاوض السوري ، لكن ماحصل أن إيران الحليف الاستراتيجي لسورية وحزب الله ، يأتي وزير خارجيتها قُبيل زيارة باول ليطلب إسكات " كاتيوشا" حزب الله التي أرغمت إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان .وحجة إيران خشية تعريض المنطقة لحرب ، ما يجري أليس حربا بعد ؟ أليست إيران من وصفت أمريكا بالشيطان الأكبر؟ وأليست هي من دعا الدول النفطية إلى استخدام سلاح النفط بتجميد صادراتها لمدة شهر احتجاجا على المذابح الفلسطينية ؟
وعاد باول " ليُقنع " شارون" بالانسحاب الفوري " تطبيقا لدعوة الرئيس بوش ، للأسف فشل في إقناعه ، بل أقنعه شارون بعقد مؤتمر للسلام ، تحضره مصر والأردن والمغرب والعربية السعودية مع مندوبين عن الفلسطينيين لايكون الرئيس عرفات بينهم . ويستمر في عملية " الجدار الواقي" التي وصفها ضابط إسرائيلي كبير ، " أنها دمرت البنية التحتية للإرهاب في الأراضي الفلسطينية وتحتاج لإعمارها أموالا بحجم مخطط مارشال لبناء أوربا " ( المصدر أحرنوت يدعوت " . ومع ذلك يدعو شارون لعقد مؤتمر للسلام .
أليس هذا الموقف مثيرا للسخرية والغثيان معا ؟ ماذا جلب مؤتمر مدريد للسلام عام /1992/ وما تلاه من اتفاقات أوسلو ، واي ريفر ، كامب ديفيد (1) و(2) غير المزيد من التنازلات العربية عل إسرائيل تعيد الجولان وجنوب لبنان و/20% / من فلسطين التاريخية ، والأنكى يحلمون بعودة اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية الممسوحة من قاموس إسرائيل .
وهاهو الرئيس الأمريكي يصرح في أعقاب زيارة باول ، بأن على العرب وخاصة الأردن ومصر والعربية السعودية مساعدتهم بمحاربة الإرهاب كما فعلوا في حربها ضد أفغانستان ، واعتبر سقوط نظام طالبان أنه نصر لبلاده في محاربته للإرهاب ، وعلى العرب أن يختاروا بين موقفين : يدعمونه في حربه ضد الإرهاب أو أنهم في الضفة الأخرى مع الإرهاب، وأنه لايستطيع أكثر مما فعله لانهاء الصراع في الشرق الأوسط الذي يعود لقرون .
هكذا ينفض الرئيس بوش يده مما يجري في فلسطين ، ويضع الكرة في مرمى العرب ، الذين لا يزالون يراهنون على أمريكا بإعادة الحقوق العربية . بل ويهدد إذا لم يقضوا على " الإرهاب الفلسطيني " ، فأنظمتهم مهددة بالزوال كما حصل لطالبان ، الذي أصبح عبرة لمن تسول له نفسه رفض الشروط الأمريكية .
مما تقدم ، لا نرى أن باول فشل في مهمته ، بل نجح نجاحا باهرا في الشروع بالمخطط الأمريكي للمنطقة ، وإعادة رسم خرائطها من جديد في ظل انهيار مريع للنظام الرسمي العربي ، فهذا النظام الرسمي العربي إما أنه من الغباء لايقدر المخاطر القادمة ، وإما أنه يتواطأ لتمرير مخطط أمريكي مقابل بقاءه في السلطة .
يخطيء خطأ ذريعا من يعتقد أن ما يدور في الشرق هي حرب بين العرب وإسرائيل ، بل هي حرب أمريكية بكل تفاصيلها ضد العرب . وقد هيأت لها منذ إن زرعت إسرائيل إسفينا في قلب الأمة العربية قبل أكثر من خمسين عاما .




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home