القلم النقدي

 

تأملات في حارس الكآبة

أحمد النهير



تأملات في حارس الكآبة

دراسة نقدية : أحمد محمد النهير / القامشلي

كتب بخط يده في رأس الصفحة الأولى عبارة الإهداء : لنحرس الكآبة معاً من فرح مزيّف يعيشه العالم . ثم وقع في ذيل العبارة ، رسم مستقيماً كبيرا مع إنكسارين متضادين في نهايته على شكل مزلاج ، رمزية العبارة ، وشكل التوقيع ، عنصران أساسيان يشكلان ملامح بوابة السجن الكبير، و يرسمان أبعاد الواقع المقهور خلف قضبانه في جغرافية المكان ، وانعكاسات تشظي البيئة الفسيفسائية غير المتجانسة ، وخطر هشاشة التعايش المبطن بالكراهية ، وفقدان الشعور بالأمان ، وفقدان المساواة ، وفقدان العدل ، في زمن يسوده الاضطراب ، وتعمه الفوضى ، وترعبه قوة البطش والإذلال والتحريض ، ودعاة الفتنة ينشطون بين الأمم والأقوام والشعوب والطوائف، يصبون النار فوق الزيت . وكأن العالم أصبح على فوهة آتون تغلي حممه ، وتوشك أن تثور في كل لحظة ، ولا شك أن تأثيراتها بالغة في تجسيد الأفكار ورسم سلوك المجتمعات المتشابكة في المكان ... أنها تراجيديا الواقع المفعم بالخوف ، والفوضى العمياء .....

قال لي لحظتها أرغب في أن أسمع منك رأياً مكتوبا فيها ... وها أنا ذا أُحاول تلبية المطلب ولو بعد حين ، مستخدماً أدواتي المحدودة ، والمتواضعة جداً في هذا المضمار، لعلني أوفق في تأملاتي المستكشفة لانعكاسات مأساة الواقع على النص ، وقدرة الإبداع على تصوير معاناة الإنسان وهواجسه ، وتحديد تضاريس الصراع الضمني / الذاتي ، الذي يعيشه المرء في داخله ، وفي محيطه الاجتماعي ، وصراعه مع الآخر ، والطقوس المستمدة من الدين والأخلاق والتربية والوعي واللغة ، ويتطلب هذا الأمر النظر في النقاط التي تشكل عناصر القصة : الحدث . الشخصية . الفكرة . النسيج القصصي . المجموعة تضم ثمانية عشر عنواناً ، أربعة عشر منها على الأقل تقع ضمن دائرة الخوف والألم ، أو لها علاقة بهما ، القصة الأولى/ انكسار ، ترتدي حلة الألم والحرمان ، والمدخل إليها حزين وبائس ومؤلم ، حارسه جملة ملتبسة استعارها من دستويفيسكي : إنني أسجد أمام آلامك .

لغتها توزعت بين السرد الإنشائي ، وصيغة المتكلم : فاحتضنك وفي قلبي تعوي ذئاب الحسرة والألم . تصوير يجسد واقع معاش تستأثر فيه ذاكرة طفولة الكاتب ، وأبعادها الاجتماعية المقيدة بأصفاد ثقيلة ،أبرزها التخلف الفكري والاقتصادي ، والانغلاق الفئوي لمجتمع تسوده أعراف وتقاليد بالية ، والسطوة فبه لقوة القبيلة والعشيرة والطائفة والدين ، القوي فيه قوياً إلى درجة الوحشية ، والضعيف فيه مغلوباً على أمره إلى درجة القهر... وفي ورود صفراء حزينة : لا تتغير الوقائع ، ويسود الأسلوب ذاته / استيقظت نوارس الحنين بداخلي صخبت ..حلقت .. وحملتني إليك حيث كنت على فراش الموت تنظر إلي بصمت وحنان / قراءة ألذات الراهنة واستحضار الذكريات الماضية وإقامة جدل بينهما في ضوء مستقبل مجهول . وفي غرباء : يستمر المشهد الحزين ، وتستمر معه المفردات ، وأدوات القص ، والاستطراد ، والإيغال في الرمزية المفرطة / ذات صباح بدأنا رحلة غريبة غامضة .. اجتثينا الدالية من جذورها .. وتساقطت الجدران الترابية على وقع ضربات قاسية لا ترحم / . وفي أول الغيث ... احتضار .

يمتطي جواد أوجين غيوفيك الباكي ، ويدفعه من فوق أسوار الخيبة والقنوط ليكتشف المدينة البائسة وموتها المحتوم ،لا جدوى من محاولات الإنقاذ ، لقد تكرست هزيمة الواقع الاجتماعي ، وتداعياته الخطيرة/ لا أمل في ذلك ... المدينة تحتضر ... كأنها ترقد فوق فوهة البركان ... كل ما فيها يدعو إلى الترقب والانتظار... انتظار ممل متعب ... عيون معلقة في السماء . / وفي شجون .يهبُّ لوركا عتياً ليوزع الآلام إلى ستة مقاطع صغيرة ، يسودها جدل التحدي والاستجابة/ قلق ، وأرق ، وحنين , وموت ، وغربة ، وأمل / سداسية مخاضها الأمل : صغيراي .... أتفاءل بضحكتهما فيجتاحني الأمل من جديد . في حارس الكآبة ، تسود اللغة الشعرية ، وتسيطر على مساحات الكلام ، وتوشك الرمزية المحببة أن ترسم ملامح القص المكثف ، لولا رياح الاستطراد المباشر التي تجتاح جمالية البناء الدرامي ، ومعمارية الإبداع المباشر في إنجاز هذا العمل الخلاق ، وتظل المحاولة رغم فوضى الترابط ، وهشاشة المعنى ، في بعض الأحيان . تجذب الاهتمام وتدفع القاريء إلى التأمل في هذا النمط الذي تخلى عن عباءة الشكل الكلاسيكي ، وتظل قصص المجموعة رغم سيطرة السحنة الرمادية على إيقاعات الحدث في مساراتها المتعددة ، ذات رؤية مؤكدة لعوامل النهوض والتغيير .......

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ • حارس الكآبة ــ مجموعة قصص

ــ ملكون ملكون .

إصدار مركز الإنماء الحضاري ـ حلب




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home