مقال

 

الموت عجبا وكمدا

سيد يوسف



الموت عجبا وكمدا

سيد يوسف

 

قد تطول حالة السكون- الخالى من الحركة اللازمة للحياة- فيموت المرء جوعا أو اضطهادا أو تعذيبا أو غيظا... أما أن يموت عجبا فالعنوان مثير لكنه يكاد يطابق حال الذين يحبون أوطانهم حبا فاعلا لكن تفيض أعينهم من الدمع حزنا ألا يجدوا قيادة تلملم شعثهم وتوحد صفوفهم وترعى مصالحهم لا أن تبيعها بثمن بخس لأعداء الماضى والحاضر والمستقبل.

 

وماذا يفعل الأحرار وقد شاهدوا تأخر بلادهم، وبيع ثرواتها بله نهبها نهبا منظما، فى مصر قد يتفهم بعض الناس رغبة الوالد بتوريث الحكم لولده لاعتبارات متعددة يعرفها كثير من الناس، وكثير يرفضونها لكن ما الذى يدفع النظام لبيع مصر ونهبها هكذا ؟!! وماذا يتبقى للولد من مؤسسات أو كيانات ليحكم؟!! وكيف يرضى لنفسه أن يحكم هياكل لا حراك لها؟! وهل قانون الإرهاب يضمن قهر الفوضى بعد التوريث أم أن المادة 179 من الدستور وما سيترتب عليها من قوانين للإرهاب كفيلة بوأد ذلك؟!!

 

بعض السذج من إلف القهر يقبل بالتوريث إذ إن الحياة خيرته بين سييء وبين أسوأ فاختار نجل مبارك كراهية، خشية على البلاد من نهبها بهذه الصورة القميئة( ومطالب الخصخصة غربية التخطيط، رئاسية التنفيذ) حتى بتنا نرى بعض عامة الناس تمل من مسلسل التوريث السخيف قائلة: فليورث البلاد ولكن ليُْبقِ على ما تبقى ولم يُنْهَبْ بعد.

 

وبعضهم يسخر راجيا مبارك أن يبيع قناة السويس والأهرامات للمستثمرين ولينضما إلى شركات عمر أفندي، وجامعة الإسكندرية... فإن لم يستطع حياء – وهو ما يكذبه الواقع- فليؤجرها... وفى الخصخصة بعض منافع الكبار ممن ينتظرون الشراكة فى كعكة البلاد.

 

أما الذين يعترضون على بيع بلادهم  أو يتساءلون عن مصير الأموال التى بيعت بها أصول شركاتنا فالتهم المعلبة جاهزة، والاعتقالات مفتوحة أبوابها، وهتيفة النظام جاهزون للتشويه، والقضاة الشرفاء الذين يحكمون للشرفاء بالبراءة لا تنفذ وزارة الداخلية تلك الأحكام!!

 

بالأمس القريب تجددت الأزمة بين الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية والمستشار جودت الملط رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، حول مصير 13 مليار جنيه من عوائد برنامج الخصخصة الذي بدأت الحكومة تنفيذه في عام 1991م، وما خفى كان أعظم.

 

وبالأمس القريب طرح بيع بنك الإسكندرية ثم أعلن بعد ذاك محافظ البنك المركزى أن الحكومة قد قررت خصخصة كل بنوك مصر، بما يحمله ذلك من مخاطر تهدد أركان الاقتصاد المصرى.

 

وبالأمس القريب شهدنا ما حدث مع صفقة عمر أفندى وكيف أن أصول الشركات تباع بثمن بخس فضلا عما سبق ذلك من بيع شركات أخرى بطريقة متشابهة( النوبارية، المصرية لتعبئة الزجاجات- البيبسى- ، النصر للغلايات(المراجل البخارية)، الأهرام للمشروبات، شركات الأسمنت (أسيوط وبنى سويف والإسكندرية) .

 

فمثلا  يذكر أ/ محمود عوض أن شركة «المراجل» البخارية كانت تنتج في الستينيات دروع الدبابات وفي مرحلة تالية تنتج معدات محطات الكهرباء، الشركة بمصانعها وأراضيها بيعت إلى مشترٍ أجنبي بسعر بخس تماما هو 16 مليون دولار... وبمجرد بيعها تعاقدت معها الحكومة على صناعة غلايات ومعدات محطات كهرباء قيمتها 650 مليون دولار، هناك أيضا قلاع صناعية كبرى للغزل والنسيج في المحلة الكبرى وكفر الدوار تحولت إلى شبه خرائب تثقلها الديون الملفقة تمهيدا لبيعها بسعر التراب!!!

 

وترغب الحكومة فى إبراز التخبط بدرجة تجعل الحليم حيرانا فالدكتور عبد الحميد الغزالى يشكك فى دقة وشمول البيانات حول حجم القطاع العام، وعدد وحداته، وقيمه وأصوله فمثلاً ، بالنسبة لقيمة الأصول نجد كثيراً من التضارب والغموض فى الأرقام التى يعلنها متخذو القرار .

 

فهل القيمة (94) بليون جنيه كما قدرتها وزارة قطاع الأعمال ، أم القيمة (345) بليون جنيه كما تشير بعض التقديرات الحكومية ، أم القيمة ( 550) بليون جنيه كما قدرها بنك الاستثمار القومى؟ وهل القيمة فعلاً بالجنيه أم بالدولار؟ وعلى أى أساس حسبت؟ هل حسبت وفقاً للقيمة الدفترية أم السوقية؟ وكيف تتم عملية الخصخصة؟ ما الأسس والمعايير المستخدمة فى اختيار الوحدات المرشحة للبيع وفى تقييم أصول هذه الوحدات؟ هل تعطى أولوية للوحدات المتعثرة أم الخاسرة أم للوحدات التى تحقق أرباحاً، وما هى المبررات؟ ومن يحق له أن يشترى هذه الوحدات؟ هل المصريون فقط، أم المصريون والأجانب، أم الأجانب، ولماذا ؟

 

علماً بأن أصول القطاع العام دستورياً ملك للشعب المصرى، ومن ثم يتعين حصر عملية البيع فى المصريين، والمصريين فقط ... فلدينا نحن المصريين أموال تكفى تغطية الثمن " العادل " لكل المشروعات المطروحة للبيع، والدليل على ذلك ما أثبتته ظاهرة شركات توظيف الأموال من ناحية، وأموال المصريين المودعة فى الخارج، والتى تقدر بنحو (200) بليون دولار من ناحية أخرى، والاكتتاب الأخير فى المصرية للاتصالات والذى قدر بنحو (39) بليون جنيه من ناحية ثالثة... كل هذا يشير إلى وجود مدخرات وطنية تقدر بالبلايين تبحث عن استثمار حقيقى وآمن.

 

فكيف إذا جئنا برجل بنى بيتا بعد تعب وجهد شاق، وعاش فيه دهرا وأنفق فيه كثيرا ثم بيع رغما عنه بأقل مما أنفق فيه؟! بل كيف إذا بيع للأجانب دون أخذ رأيه أو استشارته؟!

الغريب أن الرجل حين يرتفع صوته منددا معارضا يلقى السخرية، وإذا طالب بمعرفة مصير الأموال التى بيع بها بيته قالوا له سوف ندخرها لك ليفاجأ أن هؤلاء اللصوص قد باعوا أصول بيته بثمن بخس دون – حتى – أن يقبض ثمنه!!

 

وقد شهدت مصر عدة إضرابات عمالية قدرها د. عمرو الشوبكى عام 2006 ب 222 احتجاجاً عماليا تنوعت ما بين 47 إضرابا و79 اعتصاما و24 تظاهرة و72 تجمهرا، وهي جميعها أرقام غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث، وقادها عمال من خارج نقابات الحكومة وقوي المعارضة علي السواء، بل إن المفارقة تكمن في فشل بعض القوي السياسية وخاصة «الثورية» منها، في التواصل مع هذه القيادات، وبدا هناك تناقض هائل بين لغة قادة النقابات العمالية المتواصلة مع جماهيرها بشكل طبيعي، وبين لغة الشلل والحلقات السياسية المغلقة التي فشلت حتي في أن تستقطب من ادعت أنها تعبر عنهم.

 

صحيح هذه الإضرابات لدوافع اقتصادية إلا أننا نرجو لها صدى فى مواضع أخر، فإذا كان اللصوص يبيعون كل شيء والمال غير موجود، ويمتلكون كل شيء والمصريون لا يملكون من ثرواتهم شيئا أفلا يحق لبعضهم أن يموت قهرا أو أن يجتث رءوس اللصوص اجتثاثا ؟!! ألم أقل لكم إن المصريين – الأحرار- يكادون يموتون  عجبا وكمدا وغيظا!!!

 

سيد يوسف




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home