القلم السياسي

 

مقتدى الصدر...غرابة أطوار أم حلقة في مؤامرة؟

زياد أبو شاويش



مقتدى الصدر.. غرابة أطوار، أم حلقة في مؤامرة ؟!


بقلم : زياد أبوشاويش


تستدعي مناسبة سقوط بغداد ذكريات حزينة في نفس كل مواطن عربي ، وبالخصوص فلسطيني ، حيث ما زالت مشاهد القتل الوحشي، والتدمير المنهجي لكل حضارة العراق، المجسدة لحضارة أمة وتاريخها المجيد، ماثلة في الأذهان .. من يستطيع أن ينسى نهب متحف بغداد في نفس يوم دخول القوات الأمريكية لعاصمة الرشيد ؟ من يستطيع أن ينسى جثامين الشهداء الأبرار ملقاة على قارعة الطريق هنا وهناك والجنود الأمريكيون يمرون بجانبها من غير اكتراث ؟ من يستطيع أن ينسى بكاء الثكالى والأطفال حول الجرحى والمتألمين بعد القصف غير المسبوق لحواضر العراق ومدنها بلا تمييز ؟ .
ومن الذي يستطيع أن يغفر لهؤلاء الذين مهدوا وسهلوا هذا العدوان الغاشم على قطر عزيز من أقطار وطننا الكبير الذي ابتلي بعملاء الاستعمار والمتعاونين معه ؟ ومن يمكنه أن ينسى هذه الوجوه الغريبة عن ملامح العراق الأبي وهي تنحني للمستعمر وتنفذ خططه وتعمل بإرادته تحت شعارات كاذبة ووضيعة ؟ لعلنا لا نبالغ إن قلنا أن كل شهيد وكل جريح وكل أسير عراقي ، بل كل ذرة تراب عراقية دنست بأقدام الاحتلال والغزاة ستبقى تلعن هؤلاء العملاء والخونة الى يوم يبعثون . الألم كبير والجرح ما زال ينزف ولم يحن الوقت لمراجعات دقيقة ومنصفة ، ولكن لابد أن نعيد تذكير أبناء شعبنا العربي بأن سقوط بغداد كان يوماً لسقوط كل من تواطأ أو صمت على هذا العدوان الغاشم على شعبنا العربي في العراق . وهو أيضاً يوم قيامة العراق من جديد ، العراق الحر العربي الموحد ، يوم بدء المقاومة الباسلة ضد المستعمر الجديد وعملائه .
هذا اليوم الحزين تتبدل ملامحه يوماً بعد يوم ولعلنا نراه قريباً وجهاً باسماًً كما عهدناه بفضل المقاومة الوطنية العراقية الباسلة بكل أطيافها ، ولعل ظواهر كثيرة تؤكد اقتراب يوم النصر ، وأوضحها فشل خطة بوش الحمقاء رغم مرور شهرين عليها وسقوط المزيد من القتلى في صفوف قوات الاحتلال والمتعاونين معه ، والمطالبات الملحة من جانب ممثلي الشعب الأمريكي بإنهاء الاحتلال قبل نهاية  العام القادم  .
إن موضوع مقالنا ليس حدث سقوط بغداد في يد الغزاة وعملاءهم، ولكن مرور هذه الذكرى يرغمنا على الإشارة لها قبل أن نتناول العنوان الذي يرتبط بهذا القدر أو ذاك بالحالة التي وجد الشعب العراقي نفسه يتعامل معها غداة احتلال بغداد ، خصوصاً وأن المظهر الشعبي الوحيد لرفض هذا الاحتلال في ذكراه الرابعة قد أتى من الرجل الذي نتناوله في عنواننا ، والذي خرج مؤيدوه بعشرات الآلاف في النجف قادمين من أماكن نفوذ السيد مقتدى الصدر للتنديد بالاحتلال والمطالبة برحيله ! .
سلسلة من الأحداث والتطورات مرت على العراق خلال هذه الفترة ، حملت بعضها دلالات النصر وأخرى مؤشرات الهلاك في فتنة طائفية مقيتة ، كما برزت تناقضات وتشابكات تحتاج لرصد ومتابعة ضمن سياق الرؤية لكيفية الخروج من المأزق العراقي سواء بالنسبة للاحتلال أو من جاءوا على ظهر دباباته من العملاء والجواسيس، أو بالنسبة للقوى الوطنية المناهضة لهذا الاحتلال بمظهرها العنفي والمسلح، أو بمظهرها السلمي ، وحتى لا نعود لتناول أي فكرة على خلفية الهدف الأمريكي المعلن والخادع حول التحول الديمقراطي في العراق نؤكد قبل أن نكمل على حقيقة ترسخت عبر هذه السنوات الأربع العجاف تقول بأن العدوان على العراق لم يكن فقط غير شرعي ومبني على تزوير الحقائق وغير هذا من القضايا المعروفة ، بل الأهم من هذا أن هذه الحرب الغاشمة لم تحقق أي تقدم على صعيد حرية الشعب العراقي ودمقرطة مجتمعه ، بل لقد فشلت الطريقة الأمريكية، ولم تعد تنطلي على أحد كل الكلمات والطروحات الممجوجة والكاذبة والتي يلوكها بوش وعملائه في العراق بين الفينة والأخرى .
وفي خضم الحالة العراقية المتلاطمة الأمواج والدماء برز شاب عراقي يتحدث العربية بلكنة غريبة الى حد ما يدعى مقتدى الصدر لا يزيد عمره عن الثلاثين عاماً ويقال أنه لا يزيد عن الخمسة والعشرين ، ويصفونه بالشاب المولع بالألعاب الالكترونية ( الاتاري ) ، لكنه سرعان ما جذب الاهتمام لنفسه، بموقفه الرافض للاحتلال، والداعي لمقاومته وخروج المحتل من الأرض العراقية ، وفي نفس الوقت حديثه الحاد والقاسي على النظام العراقي البعثي واتهامه إياه بأسوأ ما يمكن في لوائح الاتهام ووصفه بأقذع الصفات ، والتي تتلاقى بهذا القدر أو ذاك مع اتهامات العدو الأمريكي ذاتها ، كما الوصف الإيراني للرئيس العراقي الراحل صدام حسين ، وفي هذا قد يكون الأمر مفهوماً ، لكنه بالتأكيد غير مقبول لدى الكثير من أبناء العراق .
وقد أرفق السيد مقتدى الصدر كلامه عن الاحتلال بممارسة عصيان سياسي أدى الى مجابهة عسكرية بين أنصاره وبين الجيش الأمريكي وحلفائه بالنجف ، وقتل من قتل وانتهت المعركة بمصالحة ألزمته بمغادرة النجف ، وتجريد جماعته من السلاح ولو بشكل رمزي .
لقد حظي مقتدى الصدر بتأييد غالبية الشعب العراقي والعربي في تلك الأثناء ، وقد قامت كل القوى العروبية والمناهضة للاحتلال بدعمه بشكل علني ، وكان دعم مدينة الفلوجة البطلة له ذا دلالة رمزية شديدة التأثير ، بل لقد وضعه الناس موضع تبجيل واحترام ، وصدقوا كل ما كان يقوله حول العروبة والإسلام ونبذ الطائفية الى آخر حديثه الذي كنا نسمعه بين فترة وأخرى ، كما أن تصنيف الأمريكيين له بالإرهابي جعلنا نطمئن الى هوية الرجل . لكننا سرعان ما بدأنا في تغيير وجهة نظرنا تجاهه ، مع المزيد من علامات الاستفهام حول دوره، وحقيقة موقفه سواءً من الاحتلال أو من التدخل الإيراني المباشر والمزعج في الشؤون العراقية الداخلية ، وحتى نرى حجم التناقض في سلوكيات الرجل والتي تبرر كلامنا عن غرابة الأطوار وتطرح علامات استفهام حول مكانة الرجل ودوره ، لابد أن نلقي نظرة على بعض المسائل التي تساعدنا في التقصي عن مكان الرجل الحقيقي في كل ما يجري بالعراق .
من المعروف أن السيد مقتدى الصدر قد بنى موقفه تجاه النظام العراقي العروبي بقيادة صدام حسين على معلومات خاطئة تتعلق بمقتل والده الشهيد محمد صادق الصدر ، حيث يعتقد الرجل أن نظام البعث وصدام حسين بالذات هو من أمر بقتل والده ، ولكن المعلومات التي يعرفها بعض العراقيين من المتابعين والمطلين بشكل صحيح على الصراع في العراق بين القوى الدينية التابعة لبعض المرجعيات وخصوصاً تلك التي ترتبط بإيران بهذا القدر أو ذاك يؤكدون أن الجهة التي قتلت آية الله محمد صادق الصدر هي  فيلق بدر أو ما يسمى بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية التابع لآل الحكيم ، ولعل البعض ممن حضر مجلس عزاء السيد الصدر في قم بإيران يتذكر كيف استقبل الحضور من المعزين السيد محمد باقر الحكيم بالأحذية والشتائم ، لأنه كان يصف الشهيد الصدر بالعميل للنظام العراقي ولصدام حسين . ومعروف أن محمد باقر الحكيم تعرض بدوره لعملية اغتيال قاسية ودموية أودت بحياته ومعه عدداً من أتباعه في مطلع الشهر التاسع من عام 2003 بعد أقل من أربعة أشهر على دخوله العراق على ظهر دبابة أمريكية قادماً من إيران . ومعروف أن النظام العراقي السابق كان يدعم الشهيد الصدر، لأنه كان وطنياً صادقاً وعروبياً لا يشك في ولائه لامته ونصرة قضاياها والمستضعفين منها .
والآن وبعد هذه الإطلالة على بعض الأحداث التي وسمت تاريخاً سابقاً لظهور مقتدى الصدر قائداً وموجهاً لجيش من الأنصار والمحازبين الذين يدينون له ولأسرته بالولاء ومعروفين باسم جيش المهدي ، فانه من المفيد الإشارة إلي محطة هامة ربما تكون لعبت دوراً في تغيير الرجل وبدء حالة من التخبط في سلوكه ، وأعني بها تلك الزيارة الهامة لطهران ، حسب المعلومات الواردة من العراق ، والتي قيل فيها أنه تلقى هبات مجزية من هناك تصل الى خمسين مليون دولار، كما بتعليمات جديدة تجعل من سلوكه رهناً بموقف إيران ومصالحها في العراق ، وتعزيز ميليشياته في بغداد خصوصاً ( وربما لا تكون هذه معلومات دقيقة ) .
لقد بنى الوطنيون العراقيون آمالاً عريضة على جيش المهدي ، وبدل أن يستمر هذا الجيش في توجيه بنادقه تجاه الاحتلال بدأ بحملة طائفية من الكراهية والتحريض ، جعلته يتصدر قائمة القتلة للوطنيين والمقاومين من أهل السنة ومن أبناء الشعب الفلسطيني ، ولعل البشاعة التي مارس بها جيش المهدي عمليات القتل على الهوية واقتحام المنازل والتطهير المذهبي قد جعلت ألف علامة استفهام تظهر حول تيار مقتدى الصدر وسلوك عصابات إجرامية تحمل اسمه ، ولم ينفعه بعض ما أدلى به حول براءته من هؤلاء القتلة .
وعلى الصعيد السياسي قام الصدر بالمشاركة في حكومة طائفية يعرف أنها حكومة عميلة ولا تأتمر بأمر المصلحة العراقية بل تسهل عمل المحتل وتسوق له ، ولعل هذا الأمر ألقى بمزيد من الظلال على سلوك الرجل وموقعه ودوره ، وربما يكون لإيران دور بمشاركته في العملية السياسية، كما للتهديدات الأمريكية ونصائح الحلفاء ، لكن التنديد بالاحتلال والسعي لرحيله يستوجب سلوكاً مغايراً تجاه العملية السياسية ، وليس الانخراط في ائتلاف طائفي مع القوى الأقرب للاحتلال ، والأكثر غرابة أن يقوم الصدر وكتلته البرلمانية بدعم جماعة حزب الدعوة والمالكي خصوصاً وهو يعلم أن مصلحة العراق وعروبته هو آخر شيء يعنيهم .
إن منطق الصراخ ضد الاحتلال لا يتفق مع هكذا مواقف مع الحكومة وضد المقاومة ولو كان السيد مقتدى الصدر صادقاً في عدائه للاحتلال وهذا ما نتمناه لوقف بجانب المقاومة ودعمها كما يفعل كل الصادقين من أبناء العراق وقياداته الوطنية ، كما أنه يجب أن يوقف صنائعه عن القتل الطائفي والمذهبي ويكف عن الانتقام والتطهير اللاانساني .
إن اختفاء الصدر في هذه الفترة قد أثار العديد من التكهنات حول أسباب ذلك ومكان اختفائه ، ولعل أغرب ما قيل حول ذلك هو أن أمريكا تستهدفه ضمن خطتها الجديدة ، والحال أن أمريكا كانت تستطيع قتله دائماً ، وهي قادرة اليوم وغداً على ذلك ، وبالتالي فان تسويق هكذا معلومات يزيد من علامات الاستفهام وحقيقة الدور المناط بالرجل . ولعل الشيء الوحيد الذي يجلي حقيقة الأمر هو انخراط الصدر وتياره في المقاومة والتوقف عن دعم حكومة العملاء إن أراد أن يصدقه الناس ، والتوجه نحو إخوته في فصائل المقاومة والابتعاد عن تنفيذ أجندات غير عراقية ، ولعله من المفيد أن نذكر الرجل بأنه إذا كان يستمد أفكاره كما قيل من مفاهيم العلماء الأجلاء : آية الله احمد البغدادي والشيخ آية الله حسين المؤيد والشيخ الخالصي ، هؤلاء العروبيون حتى النخاع وهم من طائفته وجديرون بالإتباع ، فعليه أن يمارس ذلك بالعمل الصادق وبالتوجيهات الواضحة لأتباعه وسيجد في هذه الحالة كل الأمة تدعمه وتؤيده وتقدم له كل المساندة كما كل الاحترام .
ونختم بالقول أن انتشار المد الديني بشكله المتساوق مع الاحتلال ، وانتزاعه للصدارة  في العمل السياسي إنما يعود لضعف القوى الوطنية العروبية والعلمانية ، واعتماد هذه القوى على التنظير أكثر من العمل المباشر والانخراط في المقاومة بالشكل المطلوب ، ولعل  مقتدى الصدر وغيره من أصحاب المليشيات لم يكونوا ليصلوا الى هذه المكانة لو تضافرت جهود القوى الأخرى في التصدي للعقلية الطائفية التي تدعم الاحتلال وتبقيه لأطول فترة ممكنة ، وتجعل بوصلة المواجهة تنحرف الى غايات تخدم هذا الاحتلال وتعرقل عملية التحرير وبناء عراق حر وديمقراطي وموحد ، إننا نتمنى أن نجد لدى السيد الصدر الصدى المطلوب والوضوح الكافي في سلوكه وممارساته ، لتخدم هذه المواقف والممارسات العراق وشعبه وتنهي حالة الشك وعلامات الاستفهام حول دوره.... وربما مستقبله ؟ .
زياد أبوشاويش
Zead51@hotmail.com




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home