مقال

 

ماء زمزم

د أميمة منير جادو



ماء زمزم .. نبع الحكمة (1)

د/ أميمة منير جادو

Omaimagad@yahoo.com

 

        يحرص الحجاج والمعتمرون والزائرون لبيت الله الحرام على الشرب من ماء زمزم، ذلك الماء المبارك الذي تفجر تحت قدم الذبيح إسماعيل. عليه السلام. في معجزة ظاهرة، وظل عبر القرون والأزمان ماء يروي الملايين على الرغم من صغر حجم العين التي ينبع منها والمكان الذي يتفجر فيه.

        لقد جعل الله. جلت قدرته- بئر زمزم طيبة مباركة تقوم مقام الأنهار الثرة الغزيرة، مما يدل على أنها من فيض رحمة الله الذي وسعت كل شيء.

        لقد بارك الله فيها حتى إنها لتفي بحاجة الحجيج الأعظم مهما بلغ عددهم الملايين.

        وأنها لتمدهم بالري والغذاء والشفاء معًا فتبارك الله أحسن الخالقين.

من خصائص ماء زمزم
        لقد وردت في خصائص ماء زمزم آثار كريمة متعددة تشير إلى أنها ليست كسائر المياه الأخرى، ولكن الله وضع فيها سرًا يرتبط بهذا البيت، الذي هو أول بيت وضع للناس في الأرض وجعله مثابة للناس. وأمنًا، وأمر بالتوجه إليه في الصلاة، وفرض حجه والاعتمار فيه، وأصبح يطلق على زائريه ضيوف الرحمن، وجعل المكان الذي هو فيه حرمًا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من عند الله فلا عجب أن يكون الماء الذي تفجر حوله تحت قدم إسماعيل عليه السلام فيه بركة هذا المكان، وجلال البيت الحرام وروحانية هذه المعالم الطاهرة والمشاعر المقدسة.

        روى الحاكم في المستدرك عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: أقبلت حتى جئت رسول الله (r) فقال: من أنت؟ وأين أنت؟ ومن أين جئت؟ وما جاء بك فأنشأت أعلمه الخبر، فقال: "من أين كنت تأكل وتشرب؟ فقال (r): "أما لطعام طعم"(2).

        ولقد مكث أبو ذر في المسجد الحرام ثلاثين يومًا لا قوت له إلا ماء زمزم حتى سمن وتكسرت عكن بطنه.

        وفي حديث الطبراني (3) في معجمه ما أسنده إلى ابن عباس –رضي الله عنهما- قال النبي (r): "خير ماء على وجه الأرض، ماء زمزم، فيه طعام من الطعم وشفاء من السقم".

فضل ماء زمزم:

        وفي فضل زمزم وردت أحاديث شريفة منها ما رواه البخاري ومسلم والبيهقي عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه، يحدث عن ليلة أسرى برسول الله (r) من مسجد الكعبة قال: أتاه (r) ثلاث نفر فاحتملوه فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل عليه السلام فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرج عن صرده وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده، حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست فيه تور. إناء من نحاس أو حجارة محشو إيمانًا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده(4) ثم أطبقه.

        روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي جمرة قال: كنت أدفع الزحام عن ابن عباس –رضي الله عنهما- بمكة، ففقدني أيامًا فقال: ما حسبك؟ قلت: الحمى. قال: أبردها عنك بماء زمزم، فإن رسول الله (r) قال: "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بماء زمزم".

أسماء زمزم:

        ولزمزم أسماء عديدة منها: ركضة جبريل، وهمزة جبريل، وذلك: أن إسماعيل –عليه السلام- حين اشتد به العطش ولم تجد أمه ما تسعفه به من الماء، جرت بين الصفا والمروة، فجاء جبريل –عليه السلام- فهمز الأرض تحت قدميَّ إسماعيل وهو نائم بجناحه(5) فتفجر الماء، فجاءت أمه تشتد فإذا بالماء يجري، فجعلت تحوط حوله وتقول بلغتها: زم.. زمز.. زم.. زم (أي اجتمع).

        وفي ذلك يقول الرسول (r): "رحم الله أم إسماعيل لو لم تقل زم زم يا مبارك، لكانت زمزم علينا جارية"(6).

        ومن أسمائها الشباعة، لأنها تشبع من الجوع والرواء والمروية: لأنها تروي من العطش، وهي النافعة: لما فيها من منافع، وهي الميمونة: لما فيها من اليمن والبركة، ولها أسماء أخرى غير هذه.

        وعلى الرغم من أن ماء زمزم رواء، فإن فيها أثر ملوحة تعقب حلاوة، وعلل الزركشي هذه الملوحة تعليلاً ذوقيًا فقال: إن الله عز وجل خصها بذلك حتى يغلب على شاربها الملح الإيماني، ولو جعله عذبًا لغلب عليه الطبع البشري وفي ذلك رد على أبي العلاء المعري الذي يقول:

 

لك الحمد أمواه (7) البلاد بأسرها


 
 عذاب(8) وخصت بالملوحة زمزم


 

 

من عجائب زمزم:

        ومن عجائب زمزم أن ماءها يكثر في الموسم كثرة خارقة ويحلو، وإنك لترى الحجاج الذين يقدرون بالملايين يشربون منها ولا يقل ماؤها، وإن ماءها لينقل إلى الحرم المدني (9) مع ذلك فيروي من فيه ولا يؤثر ذلك في عطائها.

        ولذلك الماء منزلة مقدسة في نفوس المسلمين، فهم يحرصون عليه، ويحملونه معهم ي عودتهم إلى ديارهم وكان –النبي (r)- يحمله ويطلبه.

        روي الفاكهي في أخبار مكة أن النبي (r) كتب إلى سهيل بن عمرو، إن جاءك كتابي ليلاً فلا تصبحن أو نهارًا فلا تمسين حتى تبعث إليَّ من ماء زمزم قال: فاستعانت امرأة سهيل وأثيلة الخزاعية جدة أيوب بن عبد الله بن زهير فأدلجتا هما وجواريهما فلم يصبحا حتى قرنتا مزادتين، وفرغتا منهما فجعلهما –سهيل- في كرين غوطيين- ثم ملأهما ماء فبعث بهما على بعير(10).

        وماء زمزم شفاء، وقد رويَّ عن النبي (r) قوله: "ماء زمزم شفاء من كل داء"(11).

        وكان النبي (r) يحث على التضلع منه أي الإكثار من الشرب حتى تمتلئ الأضلاع شبعًا وريًًّا، وكان يقول: "آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم"(12).

الهوامش والمراجع:

(1)    مقال منشور في مجلة الكويت العدد 244، فبراير 2004.

        بقلم ياسر محمد دويدار –مصر- الإسكندرية.

(2)    رواه الطبراني في الصغير والسيوطي في جمع الجوامع جـ 2. صـ2225.

(3)    أخرجه الزركشي في كتابه (إعلام المساجد بأحكام المساجد) صـ205.

(4)    اللغاديد: لحميات عند اللهوات.

(5)    جناحه: المقصود جناح جبريل وتستقيم الجملة أكثر على هذا النحو: فجاء جبريل –
عليه السلام فهمز الأرض بجناحه تحت قدميَّ.. الخ

(6)    رواه: البخاري في كتاب البيوع وكتاب بدء الخلق.

(7)    أمواه: جمع ماء، مياه.

(8)    عذاب: بكسر العين من العذوبة فهو عذب وعِذاب وعذوبة.

(9)    المدني: نسبة للمدينة المنورة، حيث يأتي بها الحجيج من مكة للمدينة، والآن صارت
تباع بعد تعبئتها لمن يريد العودة بها إلى بلاده ليشرب أهله منها للتبرك بها.

(10) رواه عبد الرزاق في المصنف ج 5/115.

(11) عبد الرازق جـ 5 صـ112، والدارقطني، جـ2، صـ288.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home