قصة

 

استيعاب

زكي شيرخان



قصة قصيرة

أستيعاب

زكي شيرخان*


تركت مقعدي ناهضاً أريد معرفة طارق الباب. ما أن فتحته حتى أمتلء أنفي بعطر أخاذ عطـّل عقلي للحظات. بقامتها الممشوقة وقفت، وإبتسامة أرتسمت على محياها. لم يكن الأمر يحتاج إلى عناء كثير حتى أعرفها رغم السنوات الطويلة المنقضية منذ آخر مرة رأيتها.

- مساء الخير.

- مساء الخير.

- هل لا بد وأن أعتذر عن مقدمي بدون موعد؟

- ليس بالضرورة.

- إذن ستسمح لي بالدخول.

أوسعت من فتحة الباب. ألصقت ظهري بالجدار مفسحاً لها مجال الولوج. برشاقة لا تنم عن الخمسين من العمر تخطت الممر. إتخذت مجلساً على كرسي. وضعت حقيبة يدها على حافة السرير. مررت أصابعها بخصلة شعر نفرتْ.

- كيف وصلت إلى هنا؟ أقصد كيف سمحوا لك بالصعود؟

- لقد تغير كل شئ. ألم تستوعب المتغيرات بعد؟

- أجد صعوبة في ذلك.

تركت الكرسي ناهضة. أتجهت نحو الشباك. أزاحت الستائر.

- لا أظنك تمانع.

- خذي راحتك.

- هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها دجلة من هذا العلو. في الماضي أعتدت أن أراه من عند شاطئه.

إستدارت.

- لا بد وأنك ما زلت تذكر تلك الأيام.

- الكثير منها.

- أيام أجد صعوبة في نسيانها.

- أراغبة أنت في نسيانها؟

- لم تعد الرغبات ممكنة التحقيق.

أنحنت. رفعت جهاز التحكم ووجهته نحو جهاز التلفاز. ضغطت عليه.

- عندنا أهم من رؤية تعاسة القنوات التافهة. أم تراك ما زلت مولعاً بالأخبار والتحليلات؟

- من شب على شئ شاب عليه.

- لا بد وأنك وجدت مرتعاً خصباً حيث تعيش؟

كنت أحاول أن أجد فسحة من وقت لأجد تفسيراً لمقدمها. بعد قليل سيجن الليل. سيسرع الجميع للعودة لمآويهم. هي ستجد صعوبة في إيجاد سيارة أجرة تقلها إلى مسكنها. إتجهتُ نحو الهاتف.

- سأطلب لك القهوة، أم تفضلين شيئاً آخر؟

- لا داعي لذلك، سننزل بعد قليل إلى المطعم لتناول العشاء. سأقبل دعوتك للعشاء.

دون أن أعي ما أقول، نطق لساني.

- لكن العشاء سيستغرق وقتاً. ستتأخرين في عودتك... الوضع أسوأ من أن تأمني الخروج إلى الشوارع في وقت متأخر.

- سأبيت هنا. فالسرير مزدوج ويسع لكلينا.

شعرت برعشة سرت بجسدي.

- ما بك؟ كأنك صعقت.

لم أدر بم أجيب.

- لا تقل لي أنك أصبح قديساً متبتلاً.

                      - لكن...

أنتظرتْ أن أكمل. لم أستطع وطال سكوتي.

- ها.

- أقصد...

بدا عقلي عاجزاً كلياً عن إستيعاب الموقف. سألتْ:

- لماذا إذن طلبت من لمياء أن تخبرني بأنك عدت؟ ولماذا طلبت أن أتصل بك هاتفياً؟

- فقط لأسمع صوتك... لأطمئن عليك.

- ألم تقدم لك لمياء موجزاً لما جرى لي على مدى العقود الثلاثة الماضية؟ وعندما أتصلتُ بك، ألم تبد رغبتك برؤيتي؟ ألم...

سكتتْ. نظرتُ إلى وجهها الذي بدا يشوبه شئ من الإحمرار. شعرت وكأني طفل يتلقى تأنيباً قاسياً لا يتناسب مع هفوة أرتكبها.

- كان في مخيلتي أن أدعوك لغداء في أحد المطاعم الهادئة نتجاذب أطراف الحديث. أسمع منك، وتسمعين مني.

- لكني أقدم لك عرضاً أفضل. عشاء. سهرة تطول ساعاتها.

- كفاك. أرجوك لا تشوهي صورة حملتها لثلاثين عاماً.

- ألم أقل لك أن كل شئ قد تغير. لم أنت غير راغب ولن أقول غير قادر على فتح عقلك لما جرى ويجري وسيجري؟... ما بالكم لا تسمون الأشياء بأسمائها؟

- من تعنين بصيغة الجمع هذه؟

- الذين يملئون القنوات التلفزيونية ويصورون واقع ما وصلنا إليه وكأنه تحت الكمال بدرجة واحدة... هل يتبؤون المراكز فقط ليسرقوا و...

قاطعتها:

- على رسلك فأنا لست منهم.

- لمَ عدتَ؟ لتعقد صفقة لتصدير مواد لإحدى الوزارات كما أخبرتني؟

- نعم، لم أكذب عليك.

- حسناً، كم ستدفع من رشاوي؟

- لست أنا من سيدفع. الشركة التي أعمل بـ...

قاطعتني:

- لم أرسلوك أنت بالذات؟ إلأنك أبن هذا البلد، تعرف لغة أهله. عقلية أناسه؟ أم لأنك تعرف الكثيرين ممن كانوا يوماً في المنافي يبيعون الأحلام علينا واعدين بغدٍ مشرق؟... علاقتك بهم ستكون عامل، بل العامل الأهم في تحديد نسبة الرشوة التي ستـُدفع وتـُقبض؟

- لست مسؤولاً عن فساد ذممهم. الفساد المالي مستشرٍ حتى في أكثر الدول تقدماً.

- نعم، لكن ليس على حساب الغذاء، الكهرباء، الماء، وقبل كل هذه الأمان. ليوفروا كل هذه وليسرقوا بعدها.

كان الصداع قد بدأ يدب إلى رأسي. حاولت أن ألجم بعضاً من هجومها فقلت:

- أراك خبرت السياسة؟

- ألم أقل لك أن كل شئ قد تغير.

- لكن البعض من التغير سار نحو الأسوأ.

- مخطئ أنت إن كنت تقصدني. أو تظن أني هويتُ إلى الحضيض؟

- آسف، لم أقصد...

لم تدع جملتي تكمل. قاطعتني:

                      - ستفاجئ إلى حد الصدمة، لا بل الصعقة.

لم أفهم ما ذهبتْ إليه. صمت كل منا. أستدارت نحو الشباك. قالت بما يشبه الهمس:

- بالأمس كان ضوء القمر يتكسر على أمواجك يا دجلة الخير فتلهم الشعراء وتناجي العشاق، فكم جثة تطوي اليوم فتستنهض همم المنقذين لأنتشالها؟

- ليتني رفضت هذه المهمة ولم أعد.

أستدارت نحوي. خطت. رمت نفسها على الكرسي. قالت:

- وهل كان يغير من الأمر شيئاً؟

- طالماً حلمت بالعودة يوماً...

لم أكمل. دار بخلدي سؤال "بماذا كنت أحلم؟". كان العجز عن تذكر ما كنت أحلم به تاماً. بدت نظراتها تائهة على سجاد الغرفة. كان الحزن قد غطى وجهها الذي خيل لي أنه أصبح أكثر إشراقاً. لم يشب الصمت الذي حل ضيفاً ثقيلاً إلا أصوات إنفجارات بعيدة.

- ما بك؟

قبل أن أجيب، أستطردت:

- أأنت على موعد؟ هل حضوري أثر على برنامج أعددته؟

- لا، لا شئ من هذا. في كل الأحوال فإن الليل غير مأمون الخروج فيه... أما بخصوص سؤالك الأول، فأنا أحاول أن أتبع نصيحتك. أقصد أحاول أن أستوعب ما يجري حولي. وبصريح العبارة، أحاول أن أفهم ما أقدمتِ عليه.

- لم أقدم لحد الآن على الأقل إلا على المجئ إلى هنا.

- أقصد عرضك... ما الذي جرى؟... إنها مأساة أن... حتى الكلمات لم تعد... لا أدري ما الذي يجب أن أقوله وما الذي يجب أن لا... كل شئ تغير، لمست هذا منذ وطأت قدماي هذه الأرض. عندما خطت قدماي الحدود قبل ثلاثين عاماً، كان كل شئ سيئاً، لكنه لم يكن بهذا السوء. ما الذي جرى؟

- وأنتم أدعيتم أنكم تعرفون هذا البلد وتعرفون أناسه، وكتبتم ما كتبتم في الصحف والمجلات. صوتكم كان مدوياً في المؤتمرات التي عقدتموها في مختلف بقاع العالم. ومهرجاناتكم ومظاهراتكم، وما وعدتم به من أن الغد سيكون أكثر إشراقاً. أين هي وعودكم؟ أنسيتموها هناك في المنافي؟ أم تراكم خبئتموها تحت عمائمكم وفي ثنايا لحاكم وتحت سجاد قصوركم الفارهة؟

- أنت تعرفين أني لست منهم، فأنا لم أتبوأ مركزاً حتى البسيط منه.

- لا بل أنت منهم. ها أنت ذا جئت تنهش قطعة من الكعكة. هل ستقدم شركتك أفضل ما عندها؟ أم تراها ستقدم بضاعة كاسدة أمتلئت بها مخازنها فجاءت تبيعها على من لا ضمير له؟ أم تراك ستجد لها فتوى دينية مثلما وجدت لها فتوى إقتصادية من أن الفساد يعم العالم المتحضر كما العالم المتخلف؟

كان صوتها هادئاً. كلماتها تخرج بتأن. ثقتها بما تقوله بلا حدود.

- أرجوكِ، لا تخلطي عليّ الأوراق. أنا فقط أريد فهم ما أنت عليه.

- وهل يمكن أن تفصل حالتي الخاصة عما يجري، وبالتأكيد سيجري؟

أستوت في جلستها كمن أستعد لجولة جديدة. قالت:

- أتذكر أحلامنا؟ أتذكر كيف كنا نخطط لبيت يجمعنا. أولاد يملئون علينا الدنيا؟ و، و، و، فجأة قررت أن تهاجر.

قاطعتها:

- لكني شرحت لك الظروف. كنت مطارداً. كنت مهدداً. كنت...

- أرجوك، لا أحاسبك عما فعلته. تركتني. أقتنعت، لا بل رضيت كما يقال بقدري. تألمتُ. بكيتُ، لكني لم أحنق إلا على من تسبب في تركك الوطن. سنوات مرت. خطوبتي ممن أعتقدت أنه سيعوضني عن جزءٍ مما فقدت. بدأ الفرح يتسلل إلى نفسي على أستحياء. عُقد قراني .قبل أن أزف كان قد أستدعي إلى خدمة الأحتياط. لم تكن الحرب لتكتفي بلقيمات بسيطة. كانت تقضم الشباب والشيب. كنت أنتظره في كل إجازة دورية. كان دائم القول "لآ أريد أن أتزوجك قبل نهاية الحرب. لا أرغب أن أرمـّلك في أشهرك الأولى". قبل إجازته الخامسة كان قد أعيد جثة مزرقة منتفخة. قال لي أحد أصدقائه، لقد بقي في الأرض الحرام لأسبوع قبل أن نتمكن من إخلاء جثته". ترى كم تألم. كم نزف؟ بم كان يفكر وهو يحتضر؟ يومها وددت لو أنتهت هذه المطحنة حتى يعود الرجال إلى زوجاتهم وأولادهم وأمهاتهم. ثمان سنوات سُحقت فيها الحياة...

سكتتْ كمن يريد أن يلتقط أنفاسه.

- لم أتزوج بعدها، أو بالأحرى لم يتقدم أحد للزواج مني. أرتضيت ببقايا سعادة أن أعيش وسط عائلة فيها أخ رغم أنه يصغرني لكنه كان حانياً عليّ. هو الآخر أستله من بيننا من لم يرتوي من الدماء. قتل في حرب تحرير الكويت، بالأحرى لا ندري عنه شيئاً. لم يعد. شوهد آخر مرة على طريق الموت نحو البصرة.

سكتت مرة أخرى. كنت طوال الوقت أتفرس في وجهها. كانت نظراتها تتنقل بسرعة على كل محتويات الغرفة. بين الفينة والأخرى تلتقي نظراتنا. حاولت أن أنفذ من خلال عينيها إلى ما يعتمل في صدرها. جدار صلب يستحيل أختراقه. لم تذرف دمعة. ظلت نبرة صوتها هادئة. لم أجد نفسي إلا وأنا أقول:

- آسف لم أكن أرغب في أن أقلب عليك المواجع.

- ومن قال أن المواجع قد هجعت؟

نظرتْ لي ملياً. كان التحفز بادياً عليها.

- أستدعوني للعشاء؟

- متى شئتِ.

- لننزل إلى المطعم الآن. أحس بالجوع.

لم يكن أمامي إلا أن أقف وأقول لها:

- تفضلي.

- ألن تغير ملابسك؟

- لا أظن أن ما أرتديه غير مناسب.

 

¶       ¶       ¶


كنت أرقب بحيرة تأنيها المبالغ في تناولها الطعام. كنا قد أنزوينا في ركن المطعم الخالي إلا من أربعة أفراد كان جلياً من لكنتهم أنهم بريطانيون. أحدهم نسى أن ينزع سترته الواقية، التي كتب على ظهرها PRESS.

- يبدو أنهم مراسلو إحدى القنوات التلفزيونية، أو لربما فريق يقوم بإعداد برنامج تلفزيزني، أو مقابلة مع إحدى الشخصيات السياسية. البلد أصبح مادة دسمة.

كانت محاولة مني لكسر الرتابة التي سادت منذ تركنا الغرفة. وضعت السكين والشوكة في صحنها. مسحت شفتيها. أزدرت ما في فمها. قالت:

- في يوم من أيام الأسابيع الثلاثة للحرب، جاءني مراسل لإحدى القنوات التلفزيزنية الألمانية. كان يعد يوميات عن الحرب من زاوية أخرى. لم يكن يهمه تصوير الأماكن التي تحيلها الصواريخ والقذائف إلى ركام، فلقد ترك هذا الأمر لغيره وكانوا كثراً. كان مهتماً بما يعتمل في نفوسنا نحن مادة الحرب وهشيمها. فوجئ أني أعيش وحدي في الدار التي خلت بعد وفاة أمي وأبي ورحيل أختي وزوجها وأبنهما إلى ما تسمونه أرض الله الواسعة. علـٌّق "لا بد وأنك شجاعة جداً كي تبقي وحدك". أجبته "هل لي أن أستأجر أحد كي يبقى معي؟". في تلك الأيام كنت فرحة لأن إحساساً خالجني أن صاروخاً ذكياً سيتغابى ويضرب الدار التي أقطنها. أو تطيش إحدى قذائف الطائرات فتهد البيت على رأسي. كنت أقرب ما أكون إلى اليقين من أني سأضاف إلى قائمة ضحايا الحرب. لكن ذلك لم يحصل. أدركت فيما بعد أن الأمر لم يكن أكثر من أمنية دفعتُ بها لترتقي إلى درجة الأحساس.

- تمنيتي الموت؟

- وما زلت. دائماً ما يحضر سؤال كلما وضعت رأسي على الوسادة "كم سيارة مفخخة أنفجرت؟ وكم شخص فجـّر نفسه وسط حشد؟ لمَ لمْ أكن من الضحايا؟

- لم هذه الرغبة؟

- لم لا؟

- أقصد...

دون أن تدعني أكمل، أستطردت:

- لم يعد لي أحد أعيش من أجله فالكل قد رحل. وحيدة أعيش. حزني يمزقني. يعذبني. لم أعد أحتمل الأوجاع. الموت في حالتي شفاء من ألم دائم.

أمسكتْ بالسكين والشوكة. غرزت الشوكة بقطعة اللحم، وراحت تقطع بتؤدة قطعة منه. دون أن ترفع عينيها من الصحن قالت:

- دعك مما قلت. أستمر في تناول طعامك.

وأنا أنظر إلى قسمات وجهها الذي بدا كقناع جامد كان يدور في رأسي سؤال "هل يمكنني أستيعاب ما أراه؟".

___________

*كاتب عراقي مقيم في أوربا

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home