القلم العلمي

 

الرياضيات والفكر الثقافي

دكتور أحمد سلامة



 
تحمل كلمة ثقافة مجالات ومعاني متعددة، فهناك ثقافة الفرد العامة، والثقافة المدرسية school culture، والثقافة العلمية scientific literacy، والثقافة الرياضيةmathematical literacy ، والثقافة العددية numeracy، وثقافة المعلومات Information Literacy.
إن لكل من المصطلحات السابقة مجالاً واسعاً للخوض فيه، ومع أنها تشترك بكلمة الثقافة، فإن لكل واحدة منها مدلولاتها الخاصة بها، وقد تم تناول الثقافة المدرسية، والثقافة العلمية في أعداد سابقة.

يمكن تعريف الثقافة على أنها قدرة الفرد على أن يقرأ، ويكتب، ويتحدث، ويحسب، ويحل مسائل بدرجة إتقان كافية، ليقوم بعمله في مكان العمل وفي المجتمع، وليحقق الفرد أهدافه الخاصة، ويطور معرفته وقدراته (Gal, 1993). إن هذا التعريف يربط بوضوح ما بين القراءة والكتابة والحساب كمتطلبات أساسية للثقافة.

ولا بد لنا هنا أن ننوه للمصطلحات الواردة باللغة الإنجليزية في هذه المقالة، وهي Literacy، وتعني القدرة على الكتابة، أو القدرة على القراءة، وNumeracy، وهي القدرة على التعامل مع الأعداد، وسنشير إليها اصطلاحاً في هذه المقالة بالثقافة العددية، كما سنشير اصطلاحاً إلىmathematical literacy بالثقافة الرياضية.
ستلقي هذه المقالة الضوء على الثقافة الرياضية والعددية والعلاقة بينهما.

الثقافة الرياضية:

يصبح الطلاب مثقفين رياضياً بالطريقة نفسها التي يصبحون فيها مثقفين في القراءة، فالرياضيات أكثر من مجرد أعداد، تماماً كالقراءة التي هي أكثر من مجرد أحرف (Balas, 1997). والثقافة الرياضية تعني وضع الأعداد في سياق ذي معنى في الحياة اليومية. ويمكن توضيحها أيضاً بأن يقوم الطلاب بوضع الأعداد في صميم حياتهم، في قصصهم وأدبهم، وأن يقوموا بطرح الأسئلة، وتخطيط استراتيجيات لطرح الحلول، كل هذه أنواع لأنشطة يمكن أن تخلق بيئة داعمة ومنمية للثقافة الرياضية (Pugalee,2001).

لقي موضوع الثقافة الرياضية اهتماماً من قبل المنظمة القومية لمعلمي الرياضيات، التي دعت إلى ذلك من خلال الربط بين الرياضيات والقراءة تحت شعار "الرياضيات كطريقة للتواصل" (NCTM, 1989)، وقد تم تفصيل ذلك ضمن الصفوف:

الروضة-4:

• يمكن التفكير بالرياضيات كلغة.
• قراءة الطلاب للرياضيات كأدب، وعلى شكل مادة نصية تحتاج لمزيد من الاهتمام في هذه المرحلة.
• يستطيع الطلاب أن يتعلموا رياضيات ذات معنى، ويستطيع المعلمون أن يساعدوهم على ذلك من خلال توفير فرص لهم للتواصل والحديث عن الرياضيات مع أصدقائهم.
• استعمال الربط لبناء المعرفة، تعلم كيف يتم استخدام طرق بديلة للتفكير، والتواصل حول المشاكل.

الصفوف 5-8:

• استعمال مهارات القراءة والاستماع والتخيل لتفسير الأفكار الرياضية وتقييمها.

الصفوف 9-10:

• استعمال المهارات يوفر فرص لتفسير البيانات الإحصائية في سياقات اجتماعية، وبهذا تساعد الرياضيات الطلاب على تطوير فهم أكبر لأحداث مجتمعهم.

هذا، وتلعب القراءة دوراً فاعلاً في رفع مستوى الثقافة الرياضية لدى المتعلم (Ciancone, 1996)، ومن أثر القراءة على العمليات الرياضية والمهارات، أنها توفر سياقاً ودافعية لطالب الرياضيات، كما توفر بيئة مشتركة بين الطلاب لتطبيق مهارات رياضية، وسياقات ممتعة للطلاب ليكتشفوها، بشكل فردي أو في مجموعات، ومن المجالات الممكن التركيز عليها عند استخدام القراءة في تعليم الرياضيات:

• طرح أسئلة في الرياضيات.
• ترتيب أحداث القصة.
• البحث عن معلومات إضافية يرغب الطالب في معرفتها عن الموضوع.
• بناء خرائط ورسومات لتوضيح التفاصيل.
• التنبؤ ووضع الفرضيات.
• التحقق من الصدق من خلال استعمال البيانات لدعم وجهة نظر معينة.

كما تلعب تنمية مهارة التواصل في الرياضيات دوراً مهماً في تنمية الثقافة الرياضية عند المتعلم، وتعتبر مهارة التواصل واحدة من خمسة معايير للعمليات التي حددتها المنظمة القومية لتعليم الرياضيات في وثيقتها لمبادئ ومعايير تعليم الرياضيات (NCTM, 2000)، حيث جاء فيها:

على البرامج التعليمية أن تعد المتعلم ليصبح قادراً على:
• تنظيم وتدعيم التفكير الرياضي من خلال التواصل.
• إيصال التفكير الرياضي بشكل شامل وواضح للزملاء والمعلمين وغيرهم.
• تحليل وتقييم تفكير الآخرين واستراتيجياته.
• استعمال لغة الرياضيات للتعبير عن الأفكار الرياضية بدقة.

إن الطلاب الذين يلقون الدعم المناسب في كلامهم وكتابتهم وقراءتهم والاستماع إليهم في صفوف الرياضيات يجنون فائدة مزدوجة؛ فهم يتواصلون ليتعلموا الرياضيات، ويتعلمون كيف يتواصلوا رياضياً. ويمكن أن يتم التواصل بالرياضيات كتابياً، وشفهياً. ومن الأمثلة على تشجيع الطلاب على الكتابة، يمكن إعطاء الطالب مشكلة رياضية ما، وإعطاؤه معيار إتقان مفصل (rubric) لتقييم العمل الكتابي لبعضهم البعض، ومناقشة مبرراته في تقييم عمل الآخرين.

من جهة أخرى، يجب أن يكون الطالب قادراً على تحليل ومقارنة المعنى والفعالية وجمال التنوع في استراتيجيات الحل، وهنا يأتي دور المعلم في بناء مجتمع صفي يشعر الطالب فيه بحرية مشاركة أفكاره دون الشعور بالخوف من السخرية. ومن أدوار المعلم الرئيسية، أيضاً، تطوير بيئة صفية تسود فيها الثقة المتبادلة والاحترام، بحيث يستطيع الطالب انتقاد التفكير الرياضي بدون نقد شخصي للزملاء، هذه الأجواء تتطلب من المعلم أن يكون نشطاً وميسراً ومرشداً، ومراقباً ومديراً للنقاش لتحقيق الأهداف المرجوة، كما على المعلم أن يختار المهمات التي تتطلب من الطالب أن يفكر ويفسر الأفكار والمفاهيم الرياضية الرئيسية، كما ينصح بأن تكون المهمات تسمح بأكثر من طريقة حل، أو تمثيل، وأن تسمح للطالب أن يفسر ويبرر ويربط الأفكار الرياضية الرئيسية، ومن ثم على المعلم أن يعطي تغذية راجعة ليس فقط على المحتوى والأفكار الرياضية، بل أيضاً على نوعية التواصل.

الثقافة العددية Numeracy:

تعتبر الثقافة العددية عنصراً من عناصر الثقافة (Gal, 1993)، ويمكن القول إن العلاقة بين الثقافة العامة والثقافة العددية هي علاقة باتجاهين، إذ أن ثقافة الفرد العامة لا تكتمل إذا كان هناك خلل في ثقافته العددية وقدرته على التعامل مع الأعداد والكميات في حياته العملية، وبالعكس فإن الثقافة العددية لا يمكن أن تتطور عند الفرد، وبخاصة في المواقف العملية الحياتية إلا إذا توفرت عنده عناصر ثقافية متعددة من ضمنها اللغة والتواصل.

والثقافة العددية هي نوع من الرياضيات اللازمة للانخراط في الحياة اليومية، في البيت، وفي العمل، وفي المجتمع (Sandra, 1995). وهي القدرة على التعامل بثقة مع المتطلبات الرياضية الحياتية (Ciancone, 1996).

إن الأشخاص المختلفين يحتاجون مهارات رياضية مختلفة، وبالتالي احتياجاتهم العددية (numeracy needs) في الحياة تختلف. كما أن "الأمية العددية"Innumeracy مقبولة اجتماعياً بشكل أكبر من الأمية Illiteracy بمفهومها السائد، وهو عدم المعرفة بالقراءة والكتابة.

ومثل الثقافة، فإن الثقافة العددية ليست شيئاً ثابتاً وموجوداً يمكن الحصول عليه مرة وللأبد، كما أنه ليس مهارة إما أن تكون لدى الشخص وأما لا، وإنما الأشخاص على مستويات مختلفة من حيث إنجازاتهم في التعامل مع الأرقام، بل هي مجموعة من الممارسات الثقافية التي تعكس قيماً اجتماعية وثقافية وتاريخية معينة. وعلى الرغم من أن بعض النشاطات الرياضية من أنشطة عد وقياس وتخمين،...الخ متشابهة في البلاد المختلفة، فإنه توجد خصوصيات ثقافية في هذه النشاطات "العالمية". إن التوجه نحو العولمة من شأنه أن يحد من الخصوصية الثقافية لكل بلد، نضف إلى ذلك موازين القوى السياسية التي تجعل جهات تطغى على الفئات الأضعف حتى في هذا المجال، حيث في ظل العولمة ثقافة الأقوى هي التي تسود.

إن النظرة السائدة نحو الرياضيات، هو أنها مادة مجردة وحيادية، ولكن يجب أن نرى فيها جانباً آخر، فالرياضيات يمكن أن تكون حوارية، وهي طريقنا نحو التفكير، الذي من خلاله يمكننا أن نعطي معنى لما حولنا، فهي تعبر عن موقف جهة ما، فالمجتمع الرأسمالي، على سبيل المثال، قد يقوم بشكل ضمني باستعمال الرياضيات في تعليم الرياضيات المالية والربح والخسارة والموازنات.

وتشمل الثقافة العددية مبدأ استخدام أكثر من طريقة للحل، للحصول على الإجابة الصحيحة. فالطالب يشعر بالإفادة من مناقشة الاستراتيجيات المتنوعة التي استعملت في حل مشاكل من حياته الحقيقية.

وفي مجال تعليم الثقافة العددية، يجب أن نعتقد أن بإمكان الجميع أن يكتسب هذا النوع من الثقافة، ومن العوامل المتعلقة بهذا الجانب، الثقافة بمفهومها العام، والقدرات اللغوية، ومهارات التفسير. وهنا يجب أن نشير إلى ضرورة الربط بين الثقافة العامة والعددية ووضع الأخيرة في السياق له معنى عند المتعلم.

ومن الطرق التي تساعد في هذا المجال أن نشجع الطالب على كتابة السجلات journals ليتم تطوير لغته ومهاراته الرياضية معاً. هذا ويجب الأخذ بعين الاعتبار أنماط التعلم المفضلة عند المتعلم في تعامله العددي.

ومن بعض إرشادات تعليم الثقافة العددية:

• شجع البحث على أنماط أكثر من البحث عن الإجابة الصحيحة.
• شجع التعاون الثنائي أو في مجموعة، حيث أن أفضل طريقة للتأكد من أن الشخص قد فهم مفهوماً معيناً هي أن يقوم بشرحه لغيره.
• شجع المتعلمين على كتابة سجلات (Journals) عن المهارات الرياضية التي يتعلمونها وشعورهم إزاء تعلم الرياضيات.
وعلى الرغم من أن الثقافة العددية هي مهارة يومية حياتية، فإن المفاهيم الرياضية قد تكون مجردة، لذلك يجب الاجتهاد في أن يتم تدريسها بصورة مرئية ومحسوسة قدر الإمكان. كما يجب في كل درس متعلق بالأعداد أن يتوازن فيه تعليم المهارة وتطبيقاتها الحياتية.

خلاصة:

إن التواصل والتشجيع على القراءة والكتابة في تعليم الرياضيات أمور غاية في الأهمية من أجل تحقيق مستوى ثقافي مقبول لطلابنا، ومن هنا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار تطوير مهارات التعليم بصورة تدعم الحوار والتفكير والتعبير عن الآراء وحل المشكلات، واستعمال السياقات العملية والحياتية والربط مع المجتمع ما أمكن، وتشجيع الطلبة على الكتابة من خلال طرح المشكلات، والتقييم الأصيل بكتابة السجلات والمذكرات التي يصف الطالب فيها عملية تعلمه، كما يجب التركيز على الجوانب العددية وما يرتبط بها من تنمية للحس العددي، والطلاقة في إجراء العمليات الحسابية، وربطه بسياقات عملية، ومساعدة الطالب على التخلص من شعوره بالرهبة من الأعداد.

ليانا

 




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home