قصة

 

يوميات موظف مهم

الحسن بنموساتي



 

 

 

 

يوميات موظـف مهـم

 
 

 

                                                   

 

 

 اليوم الأول من الشهر: استيقـظ باكـرا. دخـل المـرحاض لقضاء حاجتـه مثل عبادلـة اللـه، ولم يغادره إلا بعـد مضي أزيد من نصف ساعـة: لم يحتلم هذه الليلـة لأنه كان منشغلا بلـوائح الديـون. غسل يديـه الرقيقتين وبلل وجهـه الملتوي بقطرات من الماء خوفا من عضات "ريضال"(1)، ثم تناول مشروبـه المفضل: مزيج أسود يشبه القهوة أو شيئا مثلها. وبعد ذلك، تأبط محفظتـه الجلديـة العتيقـة المنتفخـة بأوراق المرض الخاصة بالتأمين وهم بالخروج، وفي يديه رزمة من الأظرفـة جلبها من الإدارة التي يضن أنـه يشتغـل فيها.

 

 كما العادة ، لم يأبـه بمظهـره المثيـر للشفقـة ولا بملابسـه المنكمشـة وربطـة عنقـه المبعثرة. انطلق هذا الصباح يوزع الأظرفـة على أصحابها المحظـوظين: هذا البقال، وذاك الـوراق، وذلـك الخباز... أما القصاب فنادرا ما يلج دكانـه. إنه يكتفي بتناول لحـم الدجاج، ويكثـر منـه حينما تنتشـر، مثل النار في الهشيم، إشاعـة إصابتـه بـ"حمى الزكام". وباستثناء "السردين"، فهو ليس بحاجـة إلى السمك، إذ يقال إنه تناولـه حينما كان صغيرا.

 

وزع كل الأظرفـة التي أعدها مساء أمس دون أن يتمكن من تسديـد جميع الديون المتراكمـة. لقـد تعود على ذلك، وسيلجأ إلى حيلتـه القديمـة بالصيام على رِؤيـة هؤلاء طوال أيام هذا الشهر. التفت يمنـة ثم يســرة وتوجـه نحـو أحـد المقاهي التي تشهـد شـوارع مدينـة الناظـور(2) على تكاثـرها في المغرب كالفطـر. حط جسـده الهزيل على كرسي متململ، وسـط جمع من الملأ. وفي رمشـة عين يقف النادل أمامـه:

 

 ـ نعم سيدي... ماذا ستتناول ؟

ـ لا شيء... أحس بالتعب فقط... سأستريح قليلا ثم أغادر.

ـ أنظر سيدي، إذا كنت تحس بالتعب فاذهـب إلى بيتك أو إلى المستشفى... أو أحسن إلى المقبرة.

 

 جمع أطرافه وانتصب واقفا ثم مـد يـده اليمنى إلى جيبـه. تناول سيجارة "كازا" (3) أشعلها ثم انطلق يتدحرج في طريقـه إلى جحـره. وحين وصولـه إليـه أخرج المفتاح، و ولجـه كما يلج الناس جميعا بيـوتهم.

 

رغم إحساسه بالغثيان، لم يهتم بإعداد طعام الغداء، بل استغاث بغطاء يحمل خاتم وزارة الصحة، باعه لـه زميلـه الممـرض المدمن، بثمن زهيـد، مع بعض الأدويـة التي يمنع بيعها، حينما أصيب بنزلـة برد قويـة في شتاء العام الماضي.

 

انكمش في فراشـه الصقيعي من وجع القسوة وجنون الأسعار، مستوسدا كتابا وكسرة خبز يابس. على جانبـه الأيمن كومـة من الكتب والجرائد اليوميـة التي لوثت ذاكرتـه، وعلى يـده اليسرى صندوق كبريت وعلبـة سجائر من النـوع الرخيص، وفوق رأسـه قاموسا ومذياعا ولفـة من القنـب ومخيطا وسروالا، وقدامه طاولة خشبية وضع عليها صندوقا ورقيا ومعطفا "قروسطويا" وبرادا يتغزل بحبات من البطاطس النتنـة ملقاة في إحدى زوايا الغرفـة. سافر يتأمل هذا المشهد العبثي عبر تلك المرآة الصدئـة المغروسـة في باب غرفتـه.

 

اليوم الثاني من الشهر: استفاق من سفره. لم تغادر عيناه تلك المرآة، ما زال يتأمل، يتذكر طفولتـه ويستحضر واقعـه ورفاقـه المناضلين الذين عرفوا من أين تأكل الكتف. وفي كل محطـة يستنجد بسيجارة سوداء تخترق صدره كما الرصاصـة.

 

مسجون ليس ككل السجناء. مجنون ليس ككل المجانين. تمترس في مكانـه يستعرض شريط الأحداث.. هذه  العراق وتلك أفغانستان وهناك الصومال وهنالك رواندا ... مازال تائها شاردا، يتذكر، يبتسم، يكفهر. لم يقو على التحرك وهضم نسيج الأحداث، ولا حتى على فـك ألغاز حياتـه اليوميـة كما ألغاز تلك الخريطـة المتربعـة على جدار الغرفـة. يعود في اليوم الثالث بذاكرتـه إلى أرشيفـه اللاشعوري عله يجد ما يتلذذ به، عله يلقى، على الأقل، حلا لأحد إشكالاته، لكن هيهات.

 

تقمص جميع الأسماء. لبس كـل الأزمان والمقاسات. استنفـذ جميع الأسئلة والقراءات والفرضيات. وفي اليوم الرابع علـق كل التفسيرات ثم سلم نفسـه للنوم مرة أخرى. وحينما استفاق في اليوم الخامس لم يجد غير تلك الكسرة من الخبز، وحبات البطاطس النتنـة. فكر مليا، أمام بؤس أجرته الشهرية، فأضرب عن الطعام... لكن شدة حبه للحياة حرمتـه من الاستمرار، ففتح الباب وخرج تائها إلى الجزيرة، يتأمل سماءها، يستفسر نجومها، يسائل أمواج محيطها وخيوط قمر سمائها، غير أن ألم الجوع كان أقـوى من حبه. فعاد إلى مربطـه، وقبل أن ينام في يومـه السادس، علق لافتـة على باب غرفتـه:"مـوصد بسبب ارتفاع الأسعار إلى غاية نهاية الشهر، فلا تسألوا عني فأنا بخيـر" .                                

                                                                                    

الحسـن بنمـوساتي 

                                                                      الرباط/المغرب ـ 06 أبريل 2007                 

                                                                                                                                                      

(1) ريضال: شركة الماء.

(2)الناظور: مدينة شمال شرق المغرب.

(3) كازا: تبغ أسود رديئ و رخيص.

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home