قصة

 

الصــــــــدع

وسيم المغربى



مشهد أول

أب تجاوز الستين يسكن الطابق الأخير لبيت أكلته الأمطار واستباح الفقر جدرانه.. شرخ قديم قدم عمره يلحظه بالشرفة، الصدع الكبير الذي لم يعرف له دواء.. نصحه العارفون بضرورة هدم الشرفة ثم إعادة بنائها ولكن ما بالجيب حيلة...

هو الرجل الذي خرج إلى المعاش لتوه، راتب نحيل _كجسد ولده_ لم يساعده على الإقلاع عن عادة الاقتراض.. أحياناً لمرض زوجته أو علل أمه المسنة يقترض المال ولو من مرابٍ...

"يُفترض أن يساعدك ابنك." هكذا يملى عليه كل من هب ودب أو بعض الهاربين من سلفه دونما يعلمون الخيبة.

الشرخ سيستفحل والشتاء على مقربة.. لابد من حل.. تلك الطوبات البائسة التي تنحل وبر راتبه المنحول دوما مع أواخر كل خريف؛ سيمارس عادته المعهودة.. "عشرون.. ثلاثون، سآخذ خمسين وأردهم أول الشهر." قالها وهو يخطف الورقة الحمراء من جاره ويوليه ظهره نازلاً.

منذ ألصقه التقاعد بمنزله وهو يحس بزحف الوقت وأن ساعات اليوم تضاعفت، لكنه وللمرة الأولى يجد نهاره وقد تبخر...

حبات الرمال المخلوطة بالأسمنت أخذت مكانها بين الشقوق.. تُرىَ هل سيعاوده الصدع بعد أول غيث؟، إحساسه الحلو بتبخر الوقت مناه بذلك حتى وإن استلف خمسين أخرى. ما كاد لينتهي حتى غرقت المنطقة في توابع انقطاع التيار الكهربي. أنين المفاصل الخشنة أستغل الفرصة بعد أن صلى العشاء ليلقيه جانب زوجته ليستريح في فراشه وقد ترك الصدع ما زال طرياً لينا.

مشهد ثان

خطاه النحيلة تتعثر على دّرج الطابق الأول لتزيده ضيقا.. بقيت سبع طوابق سيصعدها في ظلام بائس ليصل لمنزله بالطابق الأخير.. ساعة يده ترن، الثامنة مساء إنها ذات الساعة التي قُذف فيها للحياة منذ ثلاثين عاما.. أخيراً عثر مفتاحه على ضالته ليدخل بيته، يسمع صوت أمه المستكنة جانب جسد أبيه النائم تخبره أن طعامه مُعد بالمطبخ.. لا شهية في جوفه.. وجبته التي كان يزيد عليها أيام الجامعة لم يعد الآن يزدرد نصفها.. شعاع أبيض يلمحه يسرى بين فتحات الشيش يعرفه تمام المعرفة.. الضوء الوحيد الباقي يمنحه مساحة الطهر العصية.. ليلة منتصف الشهر الهجري.. سحابات تغشى الصفاء.. هواء به لسعة برد خفيف. احتوت الشرفة جسده الواقف متطلعا للسماء.. يمتص المشهد عينيه. دنو ممل لسحابة ضخمة تبتلع الضياء.. يستعيد عقله انقطاع التيار الكهربي عن المنطقة. هو يكره النظر لأسفل، يخاف السقوط، يدرك أنها ليست مسألة الخوف من الأماكن المرتفعة لكنه الخاطر اللعين الذي يهاجمه باستمرار. شموع موقدة تملأ النوافذ والمحال بنقاط نور خفوت لا تبدل الحال.. شمعة الطابق الخامس في المنزل المواجه تعينه على كشفها، جارته، حبيبته، الأنثى الوحيدة التي رغب السكون إليها.. متى عادت من الخليج؟!.. ربما بصحبة زوجها يأتيان في زيارة؟.. ملامحها التي تشربها.. ضحكاتها، صوتها الهامس في أذنه.. لمسات الأيدي ووشوشات الشفاة...

لكنها ضاعت...

زميلته كانت ومحبوبته.. حظه العثر لم يمكنه منها.. (أمل) ثلاثة حروف يستعذب نطقها. لكنها ضاعت...

يعرف أنها تحب القمر.. حين نظرت لأعلى توارى مرتبكاً، هل كانت تنظر للقمر أم لشرفته؟. ضاعت...

زوجها يطل برأسه فجأة ينفخ ذبالة شمعتها فتغرق ملامحها في الظلام وتضيع.. يشعر برعشة برد.."نعم ضاعت."... يحك ذقنه الطويل شعره.. يبحث عن سيجارة يحرقها كما يحترق.. تلك الحياة الضنينة وذلك الفقر الذي يلُفُنا...

لم يستكن لفقره ولم يستسلم للسنوات الثلاث التي قبعها ينتظر الوظيفة.. هشم كل ما تعلم وحطم برواز شهادته.. صبى بمقهى، بقال، فرد أمن، عامل بمطعم، أي شئ أفضل من لا شئ. يمضى من عمل لآخر مهددا في أي وقت بالطرد.. شهر هنا لا يهم، ثلاثة هناك ويرضى.. ينكمش شبابه وينحصر، يذبل وينزوي.. من يصدق كونه تحول لمومياء.. جلد منسحق فوق عظام هشة لجسد بلا روح.. ضائق هو كثيراً.. مخنوق.. لو لم يكن الله حرم الانتحار!.. الخاطر يعاوده.. مؤكد أن الطيران من هذا الارتفاع به متعة عظمى.. يشده النظر لأسفل.. المسافة كبيرة؛ قد يتوقف قلبه فرحاً قبل ارتطامه بالأرض.. العذاب في الآخرة قد يهّون عن عذاباته هنا.. إنه يموت في اللحظة مئة مرة.. لو لم يكن الله حرم الانتحار!.. الخاطر يلازمه، يطارده.. خلاياه تعتصر كل ثانية.. يتمزق ألف نثيرة.. ينظر لأسفل.. أسفل.. ترتج جنبات عقله.. أنفاسه تتلاحق.. تتفصد مسامه عن ماء فاسد، ملوث....

لو لم يكن الله حرم الانتحار!.......

تلف به الأرض وتغيم الحياة.. يتكئ بكلتا ذراعيه على الشرخ.. يستند إلى الصدع الذي مازال طرياً لينا.

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home