قصيدة

 

كرجع الصّدى

معين شلبية



كرجعِ الصَّدى!

 

معين شلبية

 

 

كَما يطاردُ الصيفُ الفَراشاتِ

يستدرجُني الضوءُ نحوَ الغامضِ العبثيِّ

يتكأُ الأَزرقُ الكونيُّ عليَّ

كلسعةِ نارٍ أَو حَنان

وخزٌ شفيفٌ يندسُّ مِن تحتِ الكَلام

ينثُرُني فوقَ عتباتِ الرُّكام

مذاقٌ باهتٌ ينبجسُ شحيحاً حدَّ الدَّهشِ

يُعسعسُ غُربتي بالنِّسيان.

 

وَليْ موعدٌ مَعَ النِّسيانِ

كلهفةِ ليلةِ حُبٍّ مؤجلَة

شلالاتُ شوقٍ تجرُفُني نحوَ الأقاصِي الممكنَة

شهوةُ الأصلِ تَنْزَعُ الحُجُبَ عَن وجهِهَا

تهاويلُ كشفٍ تَكْشُطُ مَرايا السُّؤالِ

مطرٌ غامرٌ ينسلُّ فيْ الأفقِ الرَّديدِ

يشقُّ المكانَ

ويحشُرُ الخطَى فيْ عَبَقِِ الأَزمنَة.

 

مثقلَ الخطَى، وصلتُ معبرَ الخيباتِ

- لا حُلْمَ يَكفيني لأَدنُو خُطوتينِ-

مواجيدُ ومضٍ تَطلَعُ من نارِ القُدامَى

تترصَّدُ حواسِي القاحِلَة

تتراءَى هزائميَ الأخيرَة

تتواترُ كأَرضٍ منقوعةٍ بالعَندمِ

في برهةِ الوقتِ الماحِلَة.

 

مواقيتُ جَرْسٍ تنحسرُ شطرَ النِّهادِ

غيابٌ كثيفٌ يخيِّمُ فوقَ التُحُوت

لوحُ الكتابةِ يأْخذُ لونَ ذاكرَتي الخفيضَة

كأَني أُهبةُ الموتِ الخَفوُت

يَطمُسُ خِفْيَةَ الإيماءِ فيْ غورِ الجَّواب

رائحةُ اليباسِ تجرجرُني خلفَ الضَّبابِ الشَّتيت

خرابٌ جميلٌ يوقظُ الحيرانَ

وحلمٌ عارضٌ يُبَشِّرُ بالقيامةِ

يصلُ حدَّ الإحتقَان.

 

لاْ أَجملَ منْها كانتْ لمحةُ الإحْتقان..

كرجعِ الصَّدَى البحريِّ

يتصاعدُ فوقَ السُكونِ

كإلهَةٍ إغريقيةٍ تتخطَّرُ بليلِهَا الأُنثويِّ

كمدينةٍ شامخةٍ علَى حافةِ البكاءِ

لكنَّ منحدراتِ الغَيْبَةِ

طمَّتها فيْ ثنايَا الذَّاكرة.

 

محمَّلاً بالذَّاكرةِ، ممتلئاً بالنِّسيانِ

ضيَّقتُ هاويَتي لأَعبرَ هُوَّّةَ الأَضدادِ

خيطُ ضوءٍ كاشحٍ يَعُجُّّ فِي الثُّنائياتِ

نشيدُ المرايَا ينبثقُ أَمامِي صاغراً

والقلبُ يطفحُ بعاطفةٍ غريبَةٍ

يُغلقُ شُباكَ الحنينِ

يُسْدِنُ السِّتارَ علَى شُرفَةِ الفلكِ البعيدِ..

ويمضِي.

 

كأَنما أَمضي إليَّ

كأَنما تمضِي إليكِ

ولأَننا مَا زِلنا نمضِي

لمْ يبقَ ليْ شيءٌ لأَفْقِدَه هُنا

ولاْ شيءَ فيكِ سِوى

مقايضةِ الحقيقةِ بينَ وجهِكِ والقِناع

لاْ شيءَ فينَا

غيرَ مصيرِنا المسروقِ فيْ هذَا الضَّياعِ

لكنَّنا أُخيولةُ الوجعِ المرابطِ وَسَطَ الخاصِرَة

لنَا الدُنيا هُنا..

ولنَا هناكَ الآخرَة.




  قصائد سابقة

اطبع الموضوع  

Home