مقال

 

اعترافات روسو: نموذج متفرد للسيرة ذاتية

د. زياد الحكيم



اعترافات روسو: نموذج متفرد للسيرة الذاتية

د. زياد الحكيم

لندن - بريطانيا

 

عندما شرع جان جاك روسو في كتابة اعترافاته عام 1766 كان في الرابعة والخمسين من عمره، ولم تكن صحته في أفضل حال، ولكنها لم تكن سيئة إلى الدرجة التي كان يظن. وكان يقيم في منفاه في انكلترة، البلد الذي قال انه يمقته. وكانت كتبه قد أحرقت حديثا في كل من باريس وجنيف. وكان يشعر بالاضطهاد وعدم الأمان، معتقدا أن قوى الشر تطارده ليس فقط في حياته، ولكن ستطارده بعد مماته لترسمه في أذهان الأجيال القادمة في صورة شيطانية. ويشير في مطلع الكتاب إلى أنه قرر كتابة اعترافاته للدفاع عن نفسه ولتقديم نفسه في صورة مقبولة للأجيال اللاحقة. ولعله أنهى الجزء الأول من الاعترافات في انكلترة، وأنهى الجزء الثاني بعد عودته إلى فرنسا عام 1767. وتوفي بعد ذلك بعشر سنوات.

 

لا جدال في أن حياة روسو كانت مفعمة بالإحداث، فقد عاش في القرن الثامن عشر، وصادق أشخاصا كبارا من أمثال ديديروه وفولتير وهيوم، ونشر دواوين شعر، وكتب للأوبرا، ونالت مسرحيته "منجّم القرية" من الشعبية الشيء الكثير حتى يومنا الحاضر، وكتب في نظريات الموسيقا، وألف رواية رومانسية تعتمد على تبادل الرسائل وبحثا في الفلسفة والتربية. ودعا في فلسفته إلى علاقة حرة تقوم على المساواة بين الفرد والجماعة، واستقبل "العقد الاجتماعي" في أواخر القرن الثامن عشر بنفس الطريقة التي استقبلت بها أعمال كارل ماركس في القرن العشرين. وكان على صلة وثيقة بالطبقات الثرية والأرستقراطية.ويبدو أن هذه الطبقات، وخصوصا النساء منها، كانت تعرض عليه الكثير من المساعدة.

 

وبالرغم من هذه المنجزات الكثيرة فان "الاعترافات" ليست قصة نجاح بالمعنى الحرفي للكلمة. فمنذ البداية، نقرأ فيها عن أحداث مرعبة ومؤلمة. ولا يريد روسو أن نقرأ كتابه من بعيد، بل يريد منا أن نكون طرفا حقيقيا مشاركا، ذلك انه يقدم لنا صورة لنفسه يحاول فيها تبرير كل ما فكر فيه وأنجزه. فالكتاب مشروع جاد لرسم صورة كاملة لنفسه، وللكشف عن عقليته كشفا كاملا لمن يريد أن يرى. ولكن روسو في الواقع أخفق إخفاقا ذريعا في محاولته تبرير كل ما فعله وأنجزه. ومن المهم أن نتفهم الأسباب وراء كتابة "الاعترافات" في المقام الأول.

 

يحقق روسو عددا من الأغراض في اعترافاته، فهو أولا يعتقد أن هناك علاقة بين الاعتراف بالخطأ والصفح عن ذلك الخطأ. فإذا اعترف هو بنفسه بارتكاب الخطأ فما جدوى أن يتهمه آخرون به؟  وهو يقول عندما روى حادثة هجرانه لأولاده: "ما يدهشني هو أن يتجرأ أحد بعد قراءة هذا أن يلومني." يضاف إلى ذلك، وهو الأهم، انه يريد أن يكون شفافا أمام قرائه لاعتقاده أننا نكون في وضع يسمح لنا بإطلاق الحكم عليه إذا عرفنا كل كبيرة وصغيرة من حياته. ويقوم هذا الاعتقاد على أساس عميق من أسس نظرته إلى العالم، ويمكن بحثه عن طريق بحث فكرته عن الصداقة. فنحن عندما نقول إننا صادقنا شخصا ما فإننا نعني بذلك أننا نتبادل معه الخبرات ونتعرف إلى أفكاره وآرائه التي لا يبوح بها عادة لكل الناس. وبطبيعة الحال هناك حدود لتبادل هذه المعلومات. فالأصدقاء بوجه عام يحتفظون لأنفسهم بخبرات لا يبوحون بها لأحد، ويحتفظون بجانب من جوانب الهوية الخاص.  ونحن في العادة لا نطلب من أصدقائنا أن يكشفوا لنا عن كل تفصيل من تفاصيل حياتهم الخاصة وعن كل آرائهم ومخاوفهم ورغباتهم.  ومن الممكن أن يختلف الأصدقاء فيما بينهم دون أن يفسد ذلك للود قضية. بالمقابل نجد أن روسو يعتقد أن الصداقة لا تقوم إلا على أساس من الرحابة التي لا تعترف بالحدود، وأنها أشبه بعلاقة صوفية بين شخصين. وكان من دأبه أن يتخلى عن كل صداقة ليست من هذا النوع وكان يصفها بأنها علاقة غادرة.

 

بامكاننا أن ننظر إلى الكتاب على انه محاولة من جانب روسو لإقامة صداقة مع  قرائه بعد مماته. ففي الوقت الذي ألف فيه الكتاب، كان يعاني معاناة حقيقية من الإحساس بالاضطهاد الذي دفعه إلى الظن بان مؤامرات تحاك ضده من كل جانب. والكتاب جزء من محاولته لإبعاد أعدائه المتخيلين: فهو يعرض علينا حياته عرضا كاملا ويطلب إلينا أن نحكم عليها. أليس هو رجلا طيبا وأمينا ونزيها؟ ألم يتصرف بأفضل الدوافع والنزعات؟ والنتيجة هي أننا نقرأ في اعترافاته ليس فقط عن خصاله الحميدة وهفواته التي لا نجد بأسا في التساهل فيها. ولكننا نقرأ أيضا عن الجانب الذي نستهجنه ونندهش له مثل علاقته بأولاده، ومغامراته النسائية. من هذه الناحية، تضعنا قراءة الكتاب في موضع الصديق الذي يبوح روسو له بكل خفايا نفسه دون قيد من أي نوع، الأمر الذي يجعل قراءة الكتاب غير مريحة أحيانا. فالقارئ يشعر بأنه مضطر لقراءة كل ما يتعلق بالكاتب، بما في ذلك الجانب الذي لا يريد أن يعرف عنه شيئا.

 

منذ البداية يحاول روسو إقناعنا بأنه عاش حياة ملؤها المآسي, وبأنه رجل طيب وكريم ويثق بالآخرين مما جعله فريسة سهلة للأشرار والمحتالين. والمشكلة هي أن القارئ لا يستطيع أن يقتنع بكل ما يحاول الكاتب إقناعه به. فالفيلسوف هيوم، صديق روسو، يقول انه بالرغم من معرفة روسو لنفسه معرفة واسعة إلا أن أحدا لم يكن أكثر جهلا بروسو من روسو نفسه. والقارئ العام ينظر إلى آراء روسو في المرأة نظرة استنكار وتنديد. وربما يجده شخصية بغيضة إذ كان يتخلى عن أقرب أصدقائه في وقت الشدة، بل تخلى عن أولاده. وبالرغم من الخصال الحميدة التي تبناها كان يتمتع بإحساس عميق بالأنانية تمكنه من التغلب على الأحزان وبقدرة على تغيير مواقفه وآرائه لتكون أكثر توافقا مع الظروف. وكثيرا ما يتحدث بفوقية تسبب حرجا للقارئ.

 

والاعترافات سيرة ذاتية وليست رواية، وعلى ذلك فنحن نتوقع أن نقرأ فيها عن أحداث وقعت بالفعل. ويؤيد الباحثون بشكل عام ما يدعيه روسو من صدق في سرد الأحداث. ولكن الذاكرة تخونه أحيانا، فيخلط بين التواريخ، ويخطئ في تقدير ما أنفقه من وقت في مكان أو آخر. في مناسبات أخرى، على سبيل المثال عندما يتحدث عن مقاومته للتحول إلى الديانة الكاثوليكية، نشعر بأنه يحاول أن يلوي عنق الحقائق لتخدم أغراضه. ولكن هذا بشكل عام لا يقلل من أهميته كشاهد على عصره. ويجب أن لا يفوتنا انه رفض الإذعان للعبودية التي يفرضها العمل المأجور، فآثر الحرية والتنقل والاختلاط برفاقه ومريديه واختبار الحياة من زوايا مختلفة. فمثلا كان بوسعه أن يختبر القهر الذي أحس به الفلاحون الفقراء عندما فرضت عليه ضريبة غير منصفة. وفي الوقت نفسه كان يتناول العشاء مع أغنى الشخصيات وأكثرها نفوذا في أوربة.

 

لقد قدم لنا روسو في اعترافاته صورة ناصعة للحياة في أوربة القرن الثامن عشر، فأجاد في وصف الحياة على الطرقات، وكان يجد متعة كبيرة في السير ما بين المدن وفي وصف جمال الطبيعة.ويروي لنا كيف عاش طفولته وما رافق ذلك من ألم عند وفاة والدته، وكيف وقع في غرام كل فتاة قدر له أن يصادفها، وكيف كان يحس بالخجل المربك وبالعواطف المتناقضة المتضاربة.وتبقى في ذاكرة القارئ تلك الحماسة التي كان روسو يحس بها إزاء كل ما هو حي وجميل. من ناحية أخرى، نقرأ في الاعترافات عن تصميم عنيد على إيجاد مسوّغات لكل ما كان يفعله أو يفكر فيه أو يشعر به، بما في ذلك سيطرة الأوهام والشكوك عليه.

 

والاعترافات مرجع مهم من مراجع تاريخ الأدب. ولا شك أن روسو تأثر باعترافات القديس أوغسطين ومقالات مونتين، وقد لجأ كل من الرجلين إلى الكتابة لمحاولة فهم الحياة والغاية منها، ولكن روسو ذهب إلى ابعد من ذلك فحاول أن يرجع كل ما تكشفت عنه شخصيته على مدار السنين إلى ما وقع من أحداث في أثناء طفولته، وبذلك وضع أساسا من أسس الحركة الرومانسية في أوربة القرن التاسع عشر. واستفاد الشاعر الإنكليزي وليام وردسوورث من اعترافات روسو، فكتب قصيدة "مقدمة" التي سجل فيها سيرة حياته بعد ثلاثين عاما من وفاة روسو. وهذه القصيدة سيرة ذاتية تؤكد أهمية ما يمر به المرء من خبرات في أثناء طفولته وأثر هذه الخبرات على تفكيره وسلوكه مدى الحياة.

 

وأكد روسو ووردسوورث أن السعي الحثيث وراء تحقيق الذات ينطوي على قدر كبير من النبل والسمو، وهو ما تعرض له أتباع الحركة الرومانسية في القرن التاسع عشر، وهو أيضا لا يزال يشكل جزءا من الفهم العام لما يجب أن يؤمن به الفنانون والكتاب والشعراء، الأمر الذي يربط روسو ليس فقط بالشعراء وردسوورث وبايرون وشيلي ولكن أيضا بالشعراء الأمريكيين في القرن العشرين إذا أخذنا بعين الاعتبار التمرد على التقاليد العامة والبحث عن تحقيق الذات وحب التنقل والسفر ورفض الخنوع والتذلل للسلطة.

 

وتصف اعترافات روسو ما يجب أن تكون عليه مثل هذه الحياة، وهي، بلا ريب، حياة محفوفة بالصعوبات: فمن ناحية على الفنان أن يعيش خارج المجتمع، ولكنه من الناحية الأخرى بحاجة إلى المجتمع كمتلق لأعماله الفنية. ومع انه بحاجة إلى مال إلا انه لا يستطيع أن يكسبه بطريقة تنال من إحساسه بالاستقلال والكرامة. وهو يريد أن يقنع الناس ببرنامج عمل معين غير انه لا يستطيع أن يكون عضوا في حركة أو حزب. وتمكن روسو من العيش وسط هذه التناقضات بفضل حبه للحياة وقوة إرادته.وبهذا المعنى تكللت حياته بالنجاح. والكتاب قصة إنسان يسعى بنجاح إلى التحقق، وهو ما أورثه شعبية واسعة. والكتاب ذو قيمة لا لأنه قصة رجل شهير فحسب، ولكن لأنه قصة تنطوي على مضامين إنسانية شاملة.

 

د. زياد الحكيم




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home