قصة

 

كؤوس السلطان

رضوان احمد بسداون



كؤوس السلطان

(1)

   يحكى في زمن مجهول، عن مملكة في زاوية الطريق، أهلها طيبون، سلطانها يشهد له بالحلم و حاشية اقل ما يقال عنها أنها أُنزلت منزلة الظلمة في سوادها.

      سرقت كؤوس السلطان، ووجدت بقاياها على شجرة السنديان، رفع الأمر إلى الحاشية فاستشارت نفسها وقررت البحث عن الجاني، جمعت الناس هددت..نددت… سلخت…وزرعت الخوف في نفوس الأمهات و الشيوخ… وحتى الأطفال و الصبيان…في ظل الفوضى  و المخاوف …ووسط همسات الأشباح الثائرة  ، كان يعيش شاب جميل المحيى… الابتسامة لا تفارق شفتيه…لسانه لا يمل من ذكر أشعار الحب و الهيام و الطمأنينة والسلام…استشاط جاره غضبا ..فكاد مكيدة …عواقبها ليست أكيدة..همس في أذن الحواشي ..مضمون الهمس ..شاب قبيح الملامح..تجرأ فسرق كؤوس السلطان…خاف على نفسه كسرها .أما البقايا فعلى السنديان علقها.

أُمر الجلاد بإحضار الشاب..علق لساعات حتى غاب..

ايقضوه   قال رأس الحاشية..ما فعلت أيها الشاب

أجاب الجلاد هو شاب سارق..فاجأه جاره ليلا يسرق الكؤوس…كسرها و على السنديان علقها   حدق رأس الحواشي إليه فقال بشدة وقساوة ، أرجعوه إلى الظلمة وعلقوه ..وحين يغمى عليه مددوه على فراش من نار ، لعله يذكر الكؤوس ..والسنديان التي دنسها بعيبه وعند مجئ الفجر جروه عاريا إلى خارج الساحة، واتركوه هناك لكي تتأمل بلحمانه العيون ، وتنخر العبر عظامه.

وظهر جلاد ثاني يقود كهلا ضعيفا يسحب ركبتيه المرتعشتين ويلتفت جزعا إلى كل ناحية ومن نظراته تقرأ البؤس و الفقر و النِحاسة.

نظر إليه رأس الحاشية و قال مشمئزا من هذا القدر؟

أجاب الجلاد هو لص سارق دخل حرم القصر فسرق كؤوس السلطان… ثقلت عليه..دفنها ..أما الباقي فعلى السنديان علقها.

أرجعوه إلى الظلمة ، وأثقلوا جسده بالجراح ..حتى إذا مات ..فذاك كهل ضعيف ..حمى أو زكام أرداه.

وبعد هنيهة جاء جلاد ثالث يقتاد صبيا مكتوف الساعدين..حدق إليه رأس الحاشية دقيقة ثم سأل قائلا : ما بال الصبي ؟

أجاب الجلاد هو سارق ولص…سرق كؤوس السلطان ..أسقطها … كسرت فدفنها…أما البقايا فعلى السنديان علقها…

جردوه من اللباس..واديقوه  الكي و النار و النحاس…وإياكم أن ينام …فينسى فعلته بالسلطان.

     جرني إلى غرفة مظلمة وجدنا بداخلها شخصا تظهر عليه ملامح السلطنة ..سأل الجلاد بصوت حانق ، ومن هذا الآخر ؟

أجاب الجلاد وجدناه تحت حائط قصر السلطان..كان يكتب على القرطاس..قرأنا مكتوبه ..توقف من إتمام كلامه…

قال رأس الحواشي ..أكمل ماذا كتب ؟

أجاب كتب عن الكؤوس..كؤوس السلطان !!! تلوى في  الكلام لكن يا سيدي ذكر البقايا..وحتى شجر السنديان…

اه قال رأس الحاشية : افقوا عينيه..واقطعوا لسانه..وإياكم أن تنسوا أصابعه…خلصوها من يديه…ولا تنسوا القلم و القرطاس…احرقوها. الرماد؟ … ضعوه في قوارير و القوا ها في قاع المحيط..

(2)

    وفي اليوم الثاني تربع رأس الحاشية على منصة القضاء، و انتصب الجلادون حوله ممتشقين السيوف، رافعين الرماح …ففتح باب السجن..تفوح منه رائحة القلق..متآلفة مع أنين السجناء و نحيبهم.

بعد هنيهات خرج جلاد يقتاد امرأة مكتوفة اليدين، معصوبة العينين.

سأل رأس الحواشي : ما بال المرأة؟

أجاب الجلاد هي امرأة سارقة …سرقت كؤوس السلطان…خانها اللسان…خافت على نفسها..جمعتها في ثوب..وعند جارتها أودعتها…أما الباقي فعلى السنديان علقتها.

اديقوها ما تستحق… قال رأس الحاشية.

كم من متهم بقي في السجن؟

أجاب الجلاد : سبعون..سيدي

رأس الحواشي منتشيا : علقوهم … و …لا تتركوهم ينامون… حتى لا ينسوا عارهم، وكؤوس السلطان.

(3)

   جلس رأس الحواشي رفيقة ليله…شارد الذهن…غبطة تظهر على محياه.

سألته : استحلفك يا عزيزي قل لي ما يشغل تفكيرك؟

أجاب : ثلاث كؤوس سرقت من قصر السلطان…ضبطنا ألف متهم…أيعقل أن يكونوا جميعا لصوص؟!!

قال هذا الكلام وقام من مكانه قاصدا سجن المدينة.

  لم تمض إلا دقائق حتى أمر بإطلاق السجناء…بمن فيهم الشاب و الكهل و الصبي و المرأة…وحتى صاحب القرطاس و القلم.

خرج الأربعة في عتمة الليل ، قصدوا شجرة السنديان ، تعاونوا عليها فقطعوها…أما ما تبقى منها..فقد احرقوه!.

لكن ماذا عن صاحب القرطاس و القلم؟

عدت إلى البيت وكتبت ما رأيت ، ختمتها بأشعار

         سفك الدماء جريمة..لكن من أجازه لرأس الحاشية؟

         الظلم محرم لكن من جعل سلب الحرية فضيلة؟

        كؤوس السلطان غالية…لكن من علقها على السنديان؟

ثارت البلاد على الحاشية…ورأس الحاشية…والكؤوس…وحتى بقايا السنديان.

سمع صراخا خارج القصر ، نظر من النافدة ، رأى ملامح الغضب على شعبه، خرج إليهم ، واعتذر.. قالوا هذا سلطان…والاعتذار منه شئ كثير …رددوا جميعا سامحنا حاشيتك..فغادروا المكان…دون سخط أو ثورة أو انقلاب..

مر زمن ليس باليسير فسرقت ملاعق من قصر السلطان انتشر الخبر جمع الناس متاعهم وخرجوا من البلاد…كُلف الحواشي فجمعت الدواب… والنبات و الجماد

تعذيب و آلام.. وصراخ… وإطلاق سراح …واعتذار

ماذا إذا سرق شئ آخر من قصر السلطان؟

السكان غادروا البلاد..والدواب والجماد وحتى النبات غادروا جميعا

لم يبقى سوى السلطان والحاشية!!!

من سرق كؤوس السلطان إذا؟

رضوان احمد بسداون (الأطلس المتوسط)

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home