قصيدة

 

فوق أبراج الحمام

طالب هماش




متأبطا نايي القديم،
ذهبت أبكي فوق أبراج الحمام!
لكأنني رجل الكهانة
في كنائس حزني العالي
           وأتباعي اللقالق واليمام.
أوكلما أصغيت أسمع من بعيد
صوت روحي ضائعا يتوجع ؟
أو كلما أحببت امرأة
غرقت بحزنها ؟
 وأنا وحيد ضائع! !
والروح ثكلى
 والكمنجة لا تمل من الهزام!
والأرض أم الناس
لم تشعر بآلامي
 ولم تسمع صراخي في الحطام!
فحملت مزماري القديم
ورحت أبكي فوق أبراج الحمام !
                        ***
لكأنني شيخوخة الخسران
في معتزلي العالي
وحارس وحشة المعتزلين!
النائحين،المبعدين،الغائبين
الموحشين المفردين !
أنا كل هذا الثكل
محمولا على أكتاف من غابوا
ومرفوعا على الصلبان
من حواء حتى مريم الحزن المجدف
في بحار النادمين !
نذرا علي لئن رأيتك
يا عزيز الروح من بعد الغياب
لأبكين إليك من متعبدي النائي
بكاءالفاقدين !
أني حللت وأنت مخلوق فروق ،
موحش الدنيا ، حزين ؟
في أي ( أيلول ) من الأيام
خلفك الخريف؟..
تضم دنياك الحزينة في إزارك
لا تبان ولا تبين !
ما زال صوتك لائبا في الروح
ما زالت خيول الريح
تحمل في السماء
أنين مثواك الجريح!
 يا ليتني حجر على ذاك الضريح !
لأظل أسمع نايك المعتل
في الأيام..
ينشج:يا مسيح  :
لهفي عليك وأنت ريحان وريح،
أن تباعدك السنين !
ضاقت عليك الأرض وهي رحيبة
والنفس وهي عزيزة
فضممت روحك وأنسلت بوحشة ،
كالخلد في رحم الظلام
و تركتني مستوحشا في ركنك النائي
يأوهني هديل الروح كالنايات..
والحسرات تذروني كأصداء
المرثي فوق أبراج الحمام
كل الذين أحبهم حملوا حقائبهم وخلوني وحيدا
بين عائلة اللقالق واليمام
أبكي فيحفر ثعلب في الأرض
أنفاقا ليأس الروح
ثم يجوس في عتماتها
بحثا عن المعنى الذي فقدته باصرة الخليقة
حينما اكتشف الكلام .
ويشجّر اللبلاب وحشته على الحدران
بحثا عن أنين الناي في الاعلى
فتسقط جثّة النهوند فوق الضارعين .
أبكي فيحتطب النشيج جراحه
بالفأس من حلق الرياح المرّ
معتصرا ثمالتها على شفتيه
كالسكّبر
ثم يخرّ مذبوحا بسكّين الحنين .
ويضرّج الأفق الجريح
بصرخة الموت الأخيرة
ثم يسقط في انتحار رائع
فوق البراري
طائر الموت الحزين !
أبكي فتضرب وحشة الحزن القديمة
في عراء الروح ميتمها الكئيب
وتقرع الاجراس ناحبة
على أبواب مريم في ظلام الليل
قرع اليائسين !
ويرجع الناقوس وحدتها الثقيلة
بالرنين الصعب ساعات السآمة
ثم يغرق في دماء المنشدين !
وأنا حزين
وسط هذي الريح
أنظر في فجاج الأرض كالنسر الجريح
واكتفي بالدمع مثل العاشقين !
فالليل هذا المولويّ الكهل
لم يتعب من التحديق في ندمي
ولم تحدب على روحي غداة اليأس
عاهلة الظلام !
فضربت كالبجع المهيض
بجانحي السكران جدران الهواء
وطرت كي أبكي وحيدا
فوق أبراج الحمام !
* * *
آنست ليلا هادئا
فجلست أنصت كاليسوع
إلى بكاء الروح
في مُتَعَبَّدي العالي
وأحتطب النياحة من أعالي السنديان !
غير الغيوم السود
لم تشرف على يأسي
وما سمعت بكائي
غير أصوات الآذان !
وأنا الذي باكيت كلّ حزينة
ثكلى
فما قرأت على ليلي مراثيها
ولا رقّت على روحي
سوى الناي الكفيفة والربابة والكمان !
يا ليتني شجر أشيل الريح
بين جوانحي
وأهزّ أغصاني ليغفو العمر
في مهد الحفيف بلذّة
ويفيء تحتي عاشقان !
يا ليتني إبريق راهبة
يذهّبه غروب ( أخضر )
وحمامتان حزينتان !
يا ليتني ناي
تكفكف دمعه شفة
وتحضنه يدان رحيمتان !
يا ليتني مرآة عاشقة
تسرّحني ضفائرها  الشفيفة
في سهول البيلسان !
يا ليتني قمر طليق في سماوات الآذان !
لا أقْرَبُ الأرض الضريرة
أو ألامس صدرها
إلا كما يرتاح عصفور على صفصافها
وقتا ويرجع للغمام !
فالأرض أمّ الناس
لم تشعر بآلامي
وما سمعت صراخي في الحطام !
فحملت مزماري القديم
ورحت كي أبكي وحيدا
فوق أبراج الحمام !



طالب هماش
أعراس لحزن السحابة



عاشقانْ
يحملانِ شموعاَ من الدمع
عند ضريحِ  الغروبِ
ولا يبرحان المكانْ .
قالتِ امرأة الحزنِ :
تلكَ السحابةُ فوق سطوحِ المواويلِ
تعجن حقلاً من الزيزفونِ
برائحةِ الليلِ ..
تعجنُ رائحةَ الحزنِ بالآسِ
فاعزف ْ  حبيبي على الناي
كيما تنامَ السحابه ْ !
وينامَ على زندكَ القمحُ
طيّرْ هديلَ الحمامِ على سلّمِ النايِ
كي نتباكى أسىً  وصبابهْ!
ونزاجلَ راهبةَ القمحِ  في غابة السنديان  .
فأشارَ الغريبُ إلى طائرٍ شاردٍ آخر الغيمِ
قال : السحابةُ حزنُ أغاريدَ شاكية
في الغروبِ،
ورجعُ غناءٍ على أبيضِ الليلِ
مغرورقٌ بالكآبهْ !
فتلاشى مع الليلِ صوتُ الكمانْ .
وتباكتْ على الناي ِ  امرأةُ الحزنِ
قالت : كأنّ السحابة بنتٌ من اللوزِ
يغسلُ صابونها الأبيضُ الليلَ
فانظرْ إليها حبيبي !..
تطلّعْ إلى زهرة الصبحِ
وهي تذوبُ على شهوةِ الجلّنار ..
تطلّعْ إلى زهرة النارِ
وهي تعطّرُ رائحةَ البنّ بين حبيبينِ ،
تشعلُ نارنجَ قلبينِ محترقينِ ..
تطلّعْ إلى قمرِ العشقِ
تحرسُ فيروزةُ الليلِ  أحزانه وغيابهْ !
وتأمّلْ على مطلعِ الصبحِ
طيريْ  حمامٍ صغيرينِ
               يحتفلانِ بأعراس غابهْ !
ويطيرانِ مثلَ الموشّحِ
في حقلةِ الأقحوانْ .
فأطلَّ الغريبُ على حزنه من بعيدٍ
بكفّيهِ
لمَّ الحمامات عن شاطىءِ الروحِ
ثمَّ ذراها على قريةِ الصيفِ
قال َ : فطيري على القمحِ رائعةً
يا طيور الحمامْ !
فالسحابة امرأة من  غمام ْ  .




  قصائد سابقة

اطبع الموضوع  

Home