القلم السياسي

 

خطاب شجاع ...........ولكن

زياد أبو شاويش



الملك عبد الله آل سعود : خطاب شجاع .....ولكن !


بقلم : زياد ابوشاويش


باختصار شديد وبتركيز متميز رغم لعثمة اللسان وارباك القواعد ، استعرض الملك السعودي عبد الله ابن عبد العزيز واقع الأمة وحالها ، فأجاب على أسئلة ما انفكت تلح على الكثير ، كما أكد على توصيف بعض الأحوال التي اختلف حولها البعض الآخر ، لكنه بالمجمل وضع الإصبع على جروح الأمة ، وربما أيضاً بعض الملح ، وتجنب وصف الدواء ومن هنا كانت الشجاعة التي تحلى بها العاهل السعودي منتقصة ( وربما تعمد الرجل ذلك لحكمة لا نعلمها)، لكنها غاية في الأهمية لوخز من وضعوا أنفسهم في مكان خارج مصالح هذه الأمة ، بل ولم يعتبروها في الأساس أمة ، وهو بهذا يستحق المديح ، وعليه نطالبه بالشق الآخر من معادلة تحمل المسئولية، وما يبرر تبوأه مكان الزعامة والريادة بديلاً عن مصر، أم العروبة وصمام أمانها .
وربما يكون مطلبنا مستغرباً من ملك ، عرف عن بلاده صداقتها العميقة والمديدة للولايات المتحدة الأمريكية ، كما عرف عن ملوكها وأمرائها ارتباطهم ونفوذهم بالغطاء الدولي ، وربما الأمني ، الذي توفره لهم أمريكا ، كما بودائعهم الهائلة في بنوكها وغير ذلك من وشائج وعلاقات تجعل من أي حديث مناهض لوجود أمريكا العسكري ، وتدخلها في شؤوننا الداخلية ملفتاً للانتباه ،وخصوصاً إن كان باتجاه رفض هذا الوجود وهذا التدخل .
إن أي تقدم لهذه الأمة ولقضاياها العادلة لا يمكن أن يأتي كثمرة لتعزيز العلاقات مع أمريكا ولا يمكن لحالنا أن ينصلح في ظل تأييدنا للسياسة الأمريكية وعلى مختلف الصعد ، وهذا ما يفهمه ملوك السعودية كما يفهمه أي مواطن عربي يرى بأم عينه تجليات هذه السياسة المعادية وغير المتزنة ولا المتوازنة ، كما بدعمها اللامحدود لإسرائيل .
لقد طالعنا الملك عبد الله بحديث طيب عن الأمة العربية وحلمها الذي طال بالوحدة ، وتأكيده على أهمية هذه الوحدة ، وهو ما يعني حق كل مواطن عربي في التدخل بشؤون أي قطر من هذه الأقطار لصالح الأمة وليس عليها ، كما أشار الى أن إجهاض الحلم وتأخيره للآن كما باقي الفشل وعدم الثقة من شعبنا العربي تجاه قادته ، إنما يتحمله هؤلاء القادة ، وأضاف بنزاهة يحسد عليه ، بأنه شخصياً يتحمل كغيره من القادة،تردي حال الأمة المحزن أصلاً،  وتشتتها .
وفي هذا الإطار فقد كانت كلماته حول حال الأمة الآن باعتباره أسوأ مما كان عليه وقت تأسيس الجامعة العربية ، محبطة وسوداوية ومتشائمة ، لكنها تحمل في طياتها تحريضاً على التغيير وإثقال المسئولية على الآخرين كما الذات ، وهو ما يجعل من هذا التوصيف والإقرار بالواقع المرذول مقدمة ضرورية لاستنهاض الناس والزعماء الذين تعودوا سماع كلمات من نوع آخر
وفي معرض حديثه عن القضية الأولى للأمة والتي تراوح منذ النكبة ، قال الرجل كلاماً واضحاً في توصيف الحال ، باعتبار أن ما يقع على الشعب الفلسطيني من حصار وتنكيل وغيره، يمثل ظلماً فاضحاً لابد أن ينتهي ، رابطاً ذلك بمبادرة عرفت باسمه ، لكنه رغم حديثه عن الحصار الظالم لم يكمل الحديث عن واجبه الشخصي وواجب أقرانه من الزعماء المجتمعين في رفع هذا الحصار الجائر كما أسماه وبطريقة عملية، أقله في الجانب المالي والاقتصادي ، ومن هنا أيضاً كانت الشجاعة غير ذات معنى ، ذلك أن معظم شعوب الأرض ودولها تقول ذات الشيء عن الحصار الذي يجري تبريره بوجود حكومة لا تعجب أمريكا وإسرائيل برغم أنها  شرعية ومنتخبة وبطريقة أفضل وأنزه من معظم الانتخابات التي تجري في بلدان صديقة وحليفة لأمريكا ، كما أنه لم يؤكد على شرعية المقاومة وحقها في دفع الأذى عن شعبها وضد الاحتلال والعسف والهمجية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، المظلوم من بعضهم قبل إسرائيل ، ولا مجال هنا لتعداد أوجه الظلم من ذوي القربى . وفي المحصلة جرى تثبيت المبادرة العربية المطروحة كغيرها منذ وقت طويل ولا حياة لمن تنادي . كما لم يقل الملك عبد الله ماذا سيفعل وقمته، إن لم توافق إسرائيل وأمريكا على المبادرة؟، وهما تفعلان هذا منذ خمسة أعوام .
من نافل القول أن نعيد تكرار التحليل القائل بأن مأزق أمريكا في العراق يجعلها تلجأ بين وقت وآخر الى أسلوبها المعروف برمي الكرة في ملعب العرب لحجب الانتباه عن ذلك وإلهائهم ريثما تخرج من المأزق ، ومن ثم تعيد كل شيء الى ما كان عليه ، كما لا داعي لاستحضار كم المبادرات والمشاريع الكثيرة منذ عام 1990 لتسوية القضية الفلسطينية ، والتي لو صدقت أمريكا في واحدة منها ، لكنا الآن أمام دولة فلسطينية مستقلة وكاملة السيادة .
إذن هناك ضرورة كان يجب أن يأخذها الملك السعودي بعين الاعتبار عندما تحدث عن آفاق التسوية العادلة في المنطقة ، هذه التي تتمثل في القول للولايات المتحدة الأمريكية ، الدولة الصديقة لبلاده وغيرها ، والمستفيدة جداً من علاقاتهم معها وتسهيلاتهم الضخمة لأساطيلها الحربية وجيوشها كما لشركاتها الاحتكارية وبنوكها ، بأن الوقت قد حان لترى أمريكا أهمية هذه العلاقات ، وأين يمكن أن يقود سوء هذه العلاقة ، أقله في موضوع النفط ، والحرب على العراق الشقيق . إن الشجاعة المحمودة التي وصف بها العاهل السعودي وجود القوات الأجنبية بالعراق ، باعتبارها احتلال ظالم له ولشعبه ، كان يجب أن تكتمل بطلب جدول محدد للانسحاب ، بالضبط كما طالب به الكونجرس الأمريكي ومجلس الشيوخ ، ونحن نأمل أن يتضمن البيان الختامي مثل هذا المطلب العربي النزيه والعادل ، وحبذا لو اكتمل الأمر بكلمات صادقة وشرعية عن المقاومة ، ذلك أن من يصف ما يجري على أرض العراق بالاحتلال لا يمكنه أن يتغاضى عن ضرورة المقاومة واجباً وحقاً ، سواء كان هذا بمنطق القانون ، أو بمنطق الدين الذي يحض على الجهاد والقتال لمواجهة العدوان والاحتلال .
وبرغم ذلك فإننا نحيي شجاعة الرجل ، والتي أثارت دهشة الأمريكيين فتناولوها بالتخطئة .
وقد يقول قائل أن هذه وتلك أمور متفق عليها خصوصاً بعد زيارة رايس للمنطقة وإبلاغ البعض تعليمات الإدارة الأمريكية الخاصة بالقمة ، لكن الأرجح أن ما أورده العاهل السعودي حول العراق كان خارج إرادة الولايات المتحدة ،لأن توابعه ربما لا يستطيع الطرفان التحكم بها كما أن حديثه عن تحمل المسئولية عن أحوال الأمة يدفعنا لتصديق الرجل، بل والشد على يديه.
إن رؤية داخلية لأحوال القادة وقمتهم ستظهر الى أي مدى هم في حاجة لإظهار مصداقية ما أمام جمهورهم ، وقد أشار الملك عبد الله أيضا الى ذلك ، بل وأكد على حق الناس في عدم تصديق قادتها ، لأنها كما قال لم تقدم لهم سوى الهزيمة تلو الهزيمة والفشل تلو الفشل ، كما أنها لم توف بأي وعد قطعته على نفسها ، وقد جاء كلامه محذراً من مغبة استمرار الوضع على حاله مغلفاً ذلك بالحديث عن صفاء النفوس وعودة اللحمة بين أبناء الأمة الواحدة ، ومستخدماً تعبيراً شائعاً من القرآن والسنة " لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .
لقد تجلى ذلك واضحاً في كلامه عن العراق،والذي يعلم أنه سيحظى برضا معسكر الممانعة ، ولم يتطرق للمقاومة ، وهو ما يرضي معسكر الاعتدال ، وجرى كل  حديثه في خطابه المتلفز على هذا المنوال ، بذكاء يحسد عليه .
لا شك أن الحمل ثقيل ، ولا شك أن الرجل يستشعر مسبقاً الآمال التي يعلقها عليه وعلى بلده الكثير من أبناء الأمة، رغم معرفتهم بحدود علاقته بأمريكا، وبحدود قدرته على التمرد عليها وعلى سياستها الجائرة تجاه أمتنا ومنطقتنا ، لكنه يستشعر أيضاً حجم الكارثة التي ستلحق ببلده وبالمنطقة جراء هذه السياسة الحمقاء لإدارة بوش ورعونته ، وبالتالي فقد اختار العاهل السعودي التقدم للأمام تجاه مصالح شعبه وأمته،حتى لو كان الثمن قليلاً من الغضب الأمريكي .
كما أن الخلافات العربية ، باتت  بحجم ينذر بأوخم العواقب ، والمنطقة على كف عفريت كما يقال ، وقد تقع ضحية صراع مكشوف على مصراعيه وعلى كل الاحتمالات ، بين الطموح الإيراني والغطرسة الأمريكية ، وحرصها على أمن إسرائيل وتفوقها . من هنا تأكيده على ضرورة وحدة الموقف العربي وخصوصاً استمالة الموقف السوري، بإرضاء القيادة السورية بالحديث عن احتلال العراق، وصياغة موقف معتدل حول المشكلة اللبنانية، التي بقيت بغير حل، وخصوصاً تجاه المحكمة ذات الطابع الدولي وضرورة توافق اللبنانيين حولها .
وعود على بدء نشير الى أن الشجاعة التي اتسم بها خطاب الملك عبد الله في افتتاح مؤتمر القمة العربية ، يجب أن تنتج مواقف شبيهة تجاه كل قضايا الأمة ، وفي مقدمها القضية الفلسطينية ، وضرورة رفع الحصار عن شعبها وحكومتها . كما بموقف واضح من الاحتلال وليس فقط توصيفه ، وفي كل هذا نعيد التأكيد على دور مصر العربي ، وأهمية أن تشارك في لملمة الجروح العربية واتخاذ مواقف أكثر ابتعاداً عن المواقف الأمريكية المتعسفة والظالمة لأمتنا ولقضيتها المركزية ، كما تجاه العراق الشقيق ، وضرورة إنهاء الاحتلال لأرضه .
إننا في الوقت الذي نرى بوضوح محورية الموقف السعودي ، فإننا نرى بذات الوضوح وفي ذات الوقت أهمية الدور المصري ومعهما الدور السوري الذي لا غنى عنه ، فربما تكون شجاعة الملك عبد الله آل سعود مقدمة لحال جديد ، يتمناه ويرجوه كل مواطن عربي ، وربما يأتي اليوم الذي يهتم فيه مواطننا المغلوب على أمره بهذه القمم العربية ، وبخطابات زعمائها ، وينجح العاهل السعودي أثناء فترة ولايته ، في إعادة التضامن العربي ، لمواجهة التحديات والاحتلالات ، لتصبح الشجاعة بدون ولكن ، والعلاقة مع أمريكا لصالح الأمة وليس عليها .
زياد ابوشاويش
Zead51@hotmail.com

 

 

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home