مقال

 

8 مارس ...ذاكرة ودلالات.

عبد الكريم يعقوبي



8 مارس، ذاكرة ودلالات..

 

جميل جدا أن نحتفل بالمرأة في يوم عيدها العالمي، لأنها أمنا أو أختنا أو بنتنا أو شريكتنا في الحياة...

إن هذا الاحتفال- مبدئيا -، لا إشكال لدينا عليه، مادمنا نعتبره، نوعا من التكريم الذي أوصى به الله ورسوله ( صلعم ) لصالح المرأة...

غير أن الذي ينبغي لنا وعيه حينما نحيي هذه الذكرى وحدهـا، هو أننـا نقلد الغرب لا غير!!!

لماذا؟ لأن الشروط الاجتماعية التي أنتجت ذكرى 8 مارس، غربية أوروبية، وليست عربية أصيلة...

فالمرأة في أوربا، بدايةًً من القرن 18عشر مثلا، كانت تشتغل أكثر من الرجل، وفي المقابل تنال أجرا أقل من الرجل!! هذا ناهيك عن كونها كانت وإلى حدود أواخر القرن 19عشر تعتبر تارة شيطانا لا بد منه، وتارة أخرى نجاسة!!

من هنا فالمرأة في أوربا اعتدي عليها من منطلق الدين المسيحي طورا، ومن تفريعات القانون الوضعي الغربي طورا آخر، ومن سلطة واعتداءات أخيها الرجل مرات أخرى... هكذا، فمثلا الأمم المتحدة لم تعترف رسميا باليوم العالمي للمرأة، إلا في 1977، أما فرنسا فإنها لم تعتمد المناسبة قانونيا إلا في 1982، أما حق التصويت فإن نساء ألمانيا وبريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية[1] لم تعرفنه إلا في 1912، وفي فرنسا هذا لم يتحقق إلا بعد الحرب العالمية الثانية في 1945.

وعليه، فإن قضية المرأة في أوربا حقيقية، لأنها ظلمت واعتدي عليها من كل حدب وصوب... وهكذا، فإنه من حقها أن تثور، أن تتمرد على الرجل، من جهة، و على القوانين الجائرة من جهة أخرى...

بينما هذه القضية عندنا زائفة لا غير، لماذا؟ لأن الدين، وهذا هو الأساس، لم يظلمها، وإنما شرفها وقدرها منذ 14 قرنا!!!، ألم يجعل الجنة تحت قدميها؟؟؟ألم يحرم وأدها؟؟ ألم يبشر النبي الكريم (صلعم)من ازدان فراشه بمولودة أنثى بقصر في الجنة؟؟ بينما المولود الذكر لم يبشر ذويه ولو بعتبة أو غرفة فيها؟؟؟؟

ثم أليس عندنا في القرآن الكريم، سورة طويلة اسمها سورة النساء[2]؟؟؟ ألا يدل هذا على أن هذه الشريحة المجتمعية أصبح لها اعتبار لم تشهده من قبل، حيث كانت مجرد بضاعة، أو متعه؟ بينما لا حضور لسورة الرجال؟؟ وإذا وردت واحدة على هذا المنوال:"المؤمنون" مثلا، فإنها لا تعني الرجال وحدهم، وإنما النساء أيضا !!!

إذن شروطنا الاجتماعية تختلف تماما عن شروط الغربيين، ومن ثم تقليدنا لهم دون علمنا بهذه المعطيات... ليس من العقل في شيء.

إنني لا أزعم أن حال المرأة في بلدنا بخير، وبالتالي لا داعي للنضال المؤنث... لا، هذا زيغ عن الصواب، وسفه في الرأي، وتجن على الحقيقة !!!

إن نساءنا تظلمن، وتبخس بعض حقوقهن، بل إن منهن من تقع فريسة للاعتداء الشنيع..إلا أن هذا راجع إلى تصرفات بعض المعتوهين من الرجال، وهذا من ثم استثناء، والشاذ لا يقاس عليه كما يقول المناطقة.

وصحيح أيضا أن بعض الدول العربية لا تزال قوانينها ظالمة للمرأة، إلا أن الذي ينبغي لنا أن نعيه، هو أن هذا الموقف ليس من الرشد ولا من الدين في شيء، بل إن الإسلام يتبرأ منه، وهذا، لأن نساء النبي (صلعم ) ونساء الصحابة، كان لهن حضور وازن في تسيير شؤون الدولة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا... ألم يقل عمر (ض)، منتقدا نفسه في قضية تحديد المهور:" أصابت المرأة وأخطأ عمر؟؟ "

إذن، إن الحجر على النساء في الانتخابات، أو في بعض ممارسات الحياة الضرورية الأخرى ، تخلف كبير عن روح الإسلام.

ومجمل القول إن ذاكرة 8 مارس تربطنا حتما بكلارا زيتكينا الألمانية، و بسنة 1910، حيث اقترح لأول مرة في أوروبا اليوم العالمي للمرأة، كما تذكرنا بالظلم والقهر الذي شهدته النساء في أوربا عموما، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، الأمر الذي جعل قضيتهن حقيقية، بناء على هذه الشروط الموضوعية القاهرة...

 وأما نقل هذه المعركة إلينا على شكل صراع وهمي مع الرجل، فهدا تقليد معيب، خاصة إذا تذكرنا أن الرجل العربي ذاته، لم يسلم من ظلم واعتداء أخيه له عبر التاريخ، وأن CDAW[3] بما يحمله من ثورة مفاهيمية وأخلاقية ( مفهوم الجندر نموذجا) سيقلب توازننا وأسرنا وخصوصيتنا، رأسا على عقب، حينها ستكون العولمة قد ابتلعتنا، وحينها سيكون وجودنا كالعدم  !!

وعليـه، لا بد من الحذر الشديــد ونحن نحيـي هذه المنـاسبـة، علينـا أن نعلم أن ثمة جمعيات غير حكومية[4]، تتكلم بلغتنا، وتتنفس هواءنا، وتستظل بسمائنا، إلا أن هواها غربي، ورؤاها ومشاريعها خارجية، وطموحاتها شخصية لا غير.

نعم للاحتفال، ولكن بتحيين مواقف تراثنا الخالد نسائيا، نعم للاحتفال، ولكن بتشذيب سلوكنا الفردي والجماعي تجاه المرأة، من كل الشوائب التي من شأنها أن تسيء لهويتنا وانتمائنا وتراثنا الذي كان بحق، أول من حرر المرأة من دائرة التبضيع الشنيع، والمتعة الزائلة، ليرفعها إلى آفاق سامقة شريفة!!!

نعم للاحتفال ولكن بإعادة قراءة بعض النصوصة القرآنية، التي كانت ثورة نوعية لصالح المرأة، من قبيل: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل58-59].

إلى من هرع رسول الله (صلعم) بعد واقعة:" اقرأ " ؟؟؟ ألم تحضنه زوجته خديجة؟ ألم تكن له سندا قويا في شأن أكبر بكثير من هموم السياسة والاجتماع والاقتصاد؟؟؟ ألم يجد عندها العقل الراجح، والقلب الثابت، والرأي السليم؟؟

ما هي دلالة أن تكون المرأة، من أوائل المؤمنين بمحمد بن عبد الله (صلعم) ؟؟  

لماذا لم يلجأ رسول الله - عليه أزكى سلام - في لحظة بداية الوحي العصيبة، إلى أبي بكر أو غيره من الرجال؟؟؟

إنه آن الأوان لنتذكر أن الحضارة الغربية المتقدمة جدا صناعيا... متخلفة عنا - تصوريا - في كثير من شؤون الحياة الحقوقية والمدنية، وعليه، لنثق في أنفسنا، ولنعد قراءة تاريخنا ، ولنعمل على تصحيح الأوضاع سلميا في ربوعنا، فإن ما نراه من ظلم وتخلف وانحطاط، قابل للتصحيح، ولنفهم أن الشعارات الغربية، لا تصلح مطلقا، لتكون لنا قدوة، مدنيا، وإلا أين هي الحضارة الغربية من مأساة الفلسطينيات وإبادة العراقيات والأفغانيات، واغتصاب البوسنيات والشيشانيات ونداءات الصوماليات والسودانيات؟؟

واضح إذن أن الشعارات شيء، والواقع شيء آخر تماما...

وعليه لتسقط كل الأقنعة، ولنحتفل بالمرأة أما وأختا و..و.. كل يوم، أليست الجنة تحت قدميها دائما ؟؟

                                                                                  بقلم: عبد الكريم يعقوبي                               

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] - هناك سجال كبير بين الطرح الأمريكي الذي يزعم أنه كان سباقا في طرح المسألة النسائية في 1857، وبين الطرح الأوربي الذي يعتبر هذا مجرد تخريف!!!

[2] - قد يقال: " هناك في القرآن سورة النمل والبقرة والفيل والجن...فهل هذا تشريف لهذه أيضا؟" والجواب هو أن كل سورة من هذه السور، جاءت لتميط اللثام عن قصة أو حدث واقعي ينهض على قضية معينة (...)، ولما كانت موضوعة المرأة تتأسس هي كذلك على قضية وازنة في المجتمع العربي في الجاهلية، جاءت السورة باسمها.    

[3] - The Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination Against Women

[4] - على امتداد الرقعة العربية...




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home