قصة

 

مسوخ

مشهور البطران



مسوخ

قصة قصيرة

مشهور البطران

لم اعرف نفسي يوما أخشى الكلاب، رغم ما يروى عنها من حكايات بشعة يشيب لها شعر الرأس، إنها بالنسبة لي مخلوقات وديعة تستحق الشفقة وأحيانا الاحترام، فهي على أية حال كلاب وستبقى هكذا تحرس أفنية بيوتنا من السراق وعابري الليل   .هذا ما عرفته وما اعرفه عن عالم الكلاب المسكون بالغموض.

لكن ما حدث صباح هذا اليوم جعلني أقف وأعيد النظر في موقفي وعلاقتي بهذه السلالة الذئبية الموشكة على الفتك بكل ما هو إنساني وجميل في هذه الحياة.

في تلك الساعة الندية كنت أتمشى على الإسفلت الرطيب في شارع في أقصى غرب قريتي الحدودية، على نحو مفاجئ هبت رياح سموم محملة باغبرة ونباح كلاب غازية لم اسمع له مثيلا في حياتي. نباح بربري موغل في التوحش، مرعب بما يكفي لإبقائي في أعلى درجات الحذر. انظر حولي فلا أرى أثرا لكلاب، مع إن نباحها يكاد يفجر طبلة أذني.انظر في الأفق فلا أرى إلا غرابا وحيدا يزعق في سماء صافية، كأن صوته مثل طنين طائرات الأطفال التي يتم التحكم بها عن بعد.

وحدي في الشارع بلا مؤنس ولا رفيق يهدهد مخاوفي، لا حركة ولا نأمة في هذه القرية المنذورة منذ الأزل للكد والمثابرة، البيوت هاجعة في الضحى وكأن رزية هبطت على القرية فأبقت الناس حبيسي حجراتهم.

احدث نفسي المتوجسة: ثمة أشياء غريبة تحدث هذا الصباح، أين الرعاة وأغانيهم الشجية؟ أين الفلاحين وصدحهم الجميل ؟!"

كانت الشمس حتى تلك اللحظة ما تزال نائمة في خدرها، والندى يبقع طريق الإسفلت، لحظات قليلة وهبطت الطائرة السوداء التي ظننتها غرابا. كانت صغيرة بحجم قبضة اليد وكأنها نموذجا مصغرا من طائرات الشبح الأمريكية التي اعتدنا رؤيتها تقصف بغداد وكابول وبلغراد. ارتطمت الطائرة على مطب في الطريق فكادت أجنحتها تتخلع، وانبعثت من مقدمتها أدخنة صفراء منذرة. ثم انحرفت بعيدا عن الإسفلت حتى وقفتْ على حافة جرف سحيق دون حراك، ثلثها معلق في الهواء بحيث إن أدنى نسمة هواء كفيلة بإسقاطها في الوادي السحيق.   

كانت طائرة جميلة بما لا يقاس، أجمل طائرة رأيتها في حياتي، سوداء يلتمع من مقدمتها وميض احمر.لقد خطر ببالي في تلك اللحظة إن أحد أطفال الحارة أطلقها من سطح داره وفقد السيطرة عليها في عاصفات الرياح، ولكنني لم أر أحدا من الأطفال، ولولا نباح الكلاب الذي يلاحقني لفكرت إن آخذها هدية لأبني الصغير في عيد ميلاده العاشر.

حين حاذيتها تجرأت وأمسكتها بين يدي محاولا إصلاح الخراب الذي لحق بأجنحتها، كان طيارها والذي ظننته دمية بلاستيكية ينزل زجاج النافذة ويقول:

"ضع الطائرة مكانها وامض في سبيلك"

"يا الهي ماذا يحدث؟ هل أنمسخ العالم هذا الصباح؟!"

كانت لهجته أقوى من أي مجازفة متهورة من جانبي، وضعتها مكانها. لقد فكرت إنه مسخ فضائي سقط من احد الكواكب، ولكن شكله الإنساني الخالص جعلني استبعد هذه الفكرة، وخطر لي انه كائن مستنسخ بيولوجيا في احد المختبرات الإسرائيلية، وفي غمرة ما يحدث تناسيت أصوات الكلاب النابحة والتي لم أرها حتى اللحظة.

بدأت أدرك أنني في ورطة حقيقية، وبدأت أدرك أيضا أن القادم اخطر، وأن كل ما حدث هو تمهيد لمغامرة اكبر يصعب التنبؤ بعواقبها. ما إن وضعت الطائرة حتى تناهت لي أوامر قادمة من الخلف، التفت ناحية الصوت فإذا جندي يصوب سلاحه نحو صدري، وفيما اقترب مني أدرك أنني اضعف من إن أقاومه بيدين فارغتين، وقادني مقيدا، بينما حمل الطائرة بيده الأخرى ومشينا غربا باتجاه الجدار الذي يفصل بين قريتي وما تبقى منها داخل الحدود الغربية للجدار. سألت الجندي:

-" هل تسمع مثلي نباح كلاب ؟

نظر إلي مندهشا وقال:

-"حقا أنت تسمع نباحا ؟"

-" نعم إنها تكاد تمزقني."

مط شفتيه استغرابا دون إن يتكلم.

سألته مرة أخرى:

" وهذا الطيار المسخ ما باله؟"

ولم ينظر إلي ولم يلق بالا لسؤالي.لحظات ودخلنا القرية الإسرائيلية الواقعة غربي الجدار، كان صوت الكلاب يزداد سعارا. كنت أتوقع في هذه اللحظات إن يقودني الرجل إلى احد غرف التحقيق شأن الأيام الخوالي عندما كنت اعتقل، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. فجأة اختفى الجندي في موجات السعار الكلبي المحموم. ووجدت نفسي اعزلا وحيدا في عالم غريب مسكون بنباح كلاب لا يرحم.

دخلت إلى بيت بدا لي مهجورا، وأوصدت الباب والنوافذ بحثا عن لحظة سكينة شاردة.أتنقل بين النوافذ محاولا استكشاف أي خيط استرشد به لفهم ما يحدث حولي من الغاز، لا شيء على الإطلاق، لا بشر ولا حيوانات، قرية فارغة تماما، إلا من أشباح كلاب مسعورة.لا شيء يلفت النظر  باستثناء رسومات وشعارات على الجدران بالخط الكبير: طيار يلوح بقبعته للجمهور محتفيا بإدخاله إلى سلك الخدمة، انه نسخة عن الطيار الدمية الذي واجهني في الصباح وربما يكون هو هو، على جدار آخر ثمة صورة لكلاب تقف في طوابير مسلحة بأنياب طويلة.

"ما معنى ذلك؟" اسأل نفسي بخوف وقلق منقطعي النظير. مع كل لحظة تمضي يزداد هلعي، لقد بت قانعا أنني على وشك الدخول إلى أقسى اختبار في حياتي، أحاول التلهي بأي شيء يبعث العزاء، اهرب من نافذة إلى أخرى، الأفق مسدود وكأن السماء هبطت حتى لامست أفاريز النوافذ. لو إن نباح الكلاب يتوقف قليلا ربما لفكرت في البحث عن طريق للنجاة. نباح متواصل يشل القدرة حتى على التفكير.

ثمة صحيفة مرمية على طاولة في منتصف الغرفة، عنوانها يسرقني قليلا، أتناولها واقرأ:" الاحتفال بإدخال أول طيار مستنسخ في سلاح الجو الإسرائيلي، أول فرقة كلاب في سلاح المشاة" كاتب الخبر يعلق إن الكلاب تتميز بقدرة كبيرة على تمييز الإسرائيلي من غير الإسرائيلي، وان مجال الخطأ يقترب من الصفر، لكن المشكلة تكمن إن هذه الكلاب لا تستطيع تمييز الفلسطيني من غيره ثمة قلق في الشارع الإسرائيلي من أن أصدقاء إسرائيل ربما يكونوا عرضة لهجمات كلبية."

لم يتح لي إكمال قراءة الخبر لأن زجاج النافذة تحطم فجأة حين اخترقه كلب ضخم بحجم حمار، نظر إلي من بعيد نظرة من وجد ضالته بعد طول بحث، لعاب الاشتهاء اللزج يسيل من شدقيه فيما عيناه تثقبان صدري. لم يكن ثمة من سبيل أمامي إلا المقاومة صرت أدافع عن وجهي فيما الهجوم يستهدف صدري. الكلب يحاول باستماتة منقطعة النظير إن يصل إلى الجهة اليسرى من الصدر، أخيرا نجح وغز أنيابه الطويلة في صدري وافلح في خلع قلبي من جذوره، واعتدل فيما الدم يشر من زوايا فمه، وغاب وقلبي معلقا كغنيمة حرب بين أنيابه.

توقف النباح المرعب، ما زلت على قيد الحياة، ثمة هاجس يلح علي أنني سأعمر طويلا حتى بلا تلك المضغة اللحمية التي غادرت جسدي واستقرت في أحشاء كلب، أغادر الحجرة وامشي على الأرض بقدمين ثقيلتين تخبان في التراب. دبيب الأرض ينمل أقدامي. امشي بصعوبة لكن بثبات وعيناي الغائمتان مصوبتان على المكان حيث يجب إن أكون.

مشهور البطران

فلسطين

 

 

 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home