تحقيقات صحفية

 

الشاعر التجاني بوالعوالي في حوار مع أقلام

تحرير هشام الشربيني



ــ أكتب للترويح عن النفس، الإسهام في خدمة اللغة العربية، تعرية الواقع.
ــ عندما كنت حديث عهد بالكتابة ، كنت أبحث أولا عن العنوان الملائم للنص الشعري أو الأدبي الذي لم يولد بعد
ــ ليس ثمة تأثير مباشر للثقافة الغربية علي
ــ يمكن تمثيل الإبداع الشعري ببذرة لها نبتتان ؛ الأولى للإمتاع والأخرى للإقناع
ــ ، فالفهم الذي ندعو إليه ، هو أن يعرف الشخص ماهيته
ــ  إن مسألة الغموض في الشعر،  تشكل مكونا أساسيا في بنية الكثير من النصوص الشعرية .
ــ من العادات الجميلة المعروفة لدى الهولنديين أن الغالبية منهم تقرض الشعر مرة واحدة في السنة
ــ أود أن أؤكد أن الشبكة العنكبوتية منحتني الكثير من الأمور

لنرحب بشاعر أصيل شاب، نقي التجربة والفكر والعطاء، في مجالات الادب والشعر والنقد، وله اهتمامات في أحوال المسلمين في بلاد الغرب، والذي يعكس صدق انتمائه لدينه..
نرحب بالشاعر المتألق
التجاني بولعوالي

 

وللمزيد من الأضواء حول ضيفنا، ندرج هنا نبذة مختصرة عن سيرته الناجحة:


* ولد في أول يناير 1973 بقرية الدريوش/إقليم الناظور بشمال المغرب
* درس اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية/جامعة محمد الأول بوجدة
* تلقى تكوينا خاصا بأساتذة الدين الإسلامي بكلية التربية بأمستردام
* شهادة الماجيستر من الجامعة الحرة بهولندا حول موضوع:
- الشعر العربي بين سلطة المعيار ولذة الانزياح
* طالب الماجيستر بجامعة روتردام الإسلامية في مادة العناية الروحية
* يهتم بمختلف قضايا المسلمين بالغرب، وله كتاب المسلمون في الغرب بين تناقضات الواقع وتحديات المستقبل (مركز الحضارة العربية)
* يشتغل على القضية الأمازيغية وسوف يصدر له كتاب حول:
- الإسلام والأمازيغية؛ نحو فهم وسطي للقضية الأمازيغية
* يبدع في مجال الشعر العربي والأمازيغي، وله مجموعات شعرية مخطوطة منها:
- في مهب اليتم
- الطين يعشب حزنا في وطني
- أسنان (الشوك)/شعر أمازيغي
* يبدع في مجال السرد، وله مجموعة مخطوطة بعنوان:
- من السماء إلى الأرض
* يكتب في مجال النقد الأدبي وقد تناول بعض القضايا الأدبية والشعرية
بالدرس والتفسير، وهي إما منشورة في شكل مقالات متفرقة، أو ماتزال على شكل مسودات.
* عضو مؤسس لبعض الجمعيات الثقافية المغربية
* عضو منظمة كتاب بلا حدود
* عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب
* مدير مكتب الجامعة الحرة بمدينة أمستردام
* رئيس تحرير مجلة الفوانيس الرقمية الصادرة من هولندا
* يساهم بالكتابة في شتى المنابر الأدبية والفكرية الورقية والرقمية،
وله صفحات بمختلف المواقع الرقمية على شبكة الإنترنت.
* حاز الجائزة الأولى الخاصة بالشعر العربي، التي نظمتها جمعية الهجرة للثقافة والفن بأمستردام، وذلك بتاريخ 17 أبريل 2005، عن قصيدة ذاكرة العشق الموءود، المترجمة إلى اللغة الهولندية، والمنشورة في كتاب خاص بهذه الجائزة.

 ----------------------------------

يقول بو العوالي في مطلع الحوار:

بادىء ذي بدء، أود أن أعبر عن شعورين صادقين يعتلجان داخل وجداني، وأنا أحل اليوم ضيفا على منتدى أقلام، أولهما؛ شعور يقتضي الفخر اللازم بهذا المنبر الرقمي المتميز، الذي يساهم بشكل ريادي في تفعيل مختلف جوانب المشهد الثقافي العربي الحالي، وهو على مشارف عصر جديد، هو العصر الإنترنيتي، وثانيهما هو شعور يقتضي الشكر العميق لصانعي هذه المبادرة الثقافية الجسورة، من مشرفين وتقنيين وموجهين ومبدعين ومثقفين ومساهمين ومهتمين ومتلقين.

ـ باعتبارك مبدعا نشطا على الإنترنت
، ماذا أعطتك الشبكة العنكبوتية وممَّ حرمتك؟

ـ عندما نطالع مختلف المواقف التي قيلت حول تجربة النشر عبر الشبكة العنكبوتية ، نجد أنها تتراوح بين:
- التحفظ على الانتظام في هذه التجربة ، تحت ذريعة أننا بالانقياد إلى عالم الإنترنت نحجم عن عالم الكتاب ، وبذلك ترجع طرائق التلقين والتوجيه التقليدية القهقرى ، وتسود ثقافة السرعة أو (الكوكوت مينيت!) التي تفرخ الطلبة والكتبة وأشباه المبدعين، لاسيما وأنها تمنح الجميع إمكانية أن يكتب بلا قواعد ، وأن ينشر من غير رقابة ، وأن يسرق ويركب النصوص حسب مزاجه ، إلى درجة أن ثمة من الكتاب والأكاديميين المحافظين من يمنع الطالب من أن يعتمد في بحوثه على مراجع ومصادر منشورة في مواقع رقمية ، ولو كانت تلك المواقع ذات روابط ووصلات ثابتة !

- وبين الانسياق إلى هذه التجربة الثقافية الجديدة، والاستفادة منها قراءة وبحثا، والإسهام فيها إغناءً ونشرا, وأعتبر نفسي من الذين كتب لهم أن يعايشوا هذا العصر الإنترنيتي العجيب ليس متابعة فحسب ، وإنما مشاركة ، حيث شكل لي عالم الإنترنت متنفسا كبيرا ، استطعت من خلاله أن أطل على مجاهلَ لم تكن تخطر ببالي ، وأن أستكشف متاهاتٍ عذراءَ ، ما كنت لأستكشفها لو لم أعش في هذا الزمن ، ولعل هذا التحاور الأدبي والفكري الذي أعقده اليوم معكم، ما هو إلا ثمرة لذلك.

من هذا المنطلق ، أود أن أؤكد أن الشبكة العنكبوتية منحتني الكثير من الأمور ، ولم تحرمني من أي شيء ، منحتني معرفة شمولية ما كنت لأُُمنحها ولو أنني أزور كل مكتبات الدنيا ومتاحفها ، معرفة بالإنسان والكون والفكر والفن والأدب وهلم جرا ، وفوق ذلك منحتني أصدقاء عبر شتى أنحاء المعمورة ، منحتني قراء ومتابعين ، منحتني كل ما أنا في أمس الحاجة إليه ، عندما أريد أن أبحث وأكتب ، أو عندما أريد أن أستريح وألهو!

لذلك أدعو أولئك المتحفظين من ارتياد هذه التجربة، إلى أن يحاولوا التأقلم الإيجابي مع مستجدات الحياة، فالإنترنت الذي يزعمون أنه يجعلنا ننزوي عن عالم الكتاب ، هو الذي يقربنا من الكتاب ، لنشتريه ولو كان بعيدا عنا ، ونقرأه ولو لم نكن نملك ثمن شرائه ، ثم إن التشدد على الطلبة فيما يتعلق باستعمال المراجع الرقمية ، يعبر عن جهل  بما توصلت إليه مراكز البحوث والدراسات في العالم المتقدم ، التي تجعلك تبحث وتؤلف وتصنف دون أن تنهض من على كرسيك ، أو تبحث عن المكتبة ، وفي ذلك ربح وترشيد للوقت والجهد والمال.


لو خصصنا قليلا موضوع كتابك عن مسلمي الغرب ،, هل مناخ الإبداع والاهتمام متاح لدى الشعراء العرب منهم ؟

في الحقيقة ، إن مناخ الإبداع لا يتاح للشاعر أو الكاتب من جهة معينة ، تقول له : اكتب أو لا تكتب ، إن هذا المناخ يصنعه الكاتب نفسـُـه ، فيعبر عن الوجود وقضاياه بما يتلاءم وثوابت هويته ، قد يحدث نوع من التغيير في أدبه إذا ما هو انتقل من مكان إلى آخر؛ من الوطن إلى المهجر، وهذا التغيير يطرأ في أسلوب تفسيره للأشياء والأحداث ، وهو أسلوب نابع من التجارب الشعورية الجديدة التي يشهدها ويحياها.

وفيما يتعلق بحالتي ، فقد حدث لي  تحول عميق , ليس في أسلوب تفسيري فحسب ، وإنما في نوعية الأدب أو الفكر الذي أمارسه ، فانتقلت من دائرة الشعر والأدب إلى نطاق الفكر والسياسة ، لأن الإطار العام الذي أنخرط فيه  يطرح إشكالات مغايرة لا تفسر ولا تحل بالشعر والسرد وما إلى ذلك ، وإنما بالفكر الذي يمنحك إمكانية فهم وتشخيص وتفكيك هذه الإشكاليات ، وهذه ليست حالة استثنائية بقدر ما هي ظاهرة معروفة ، حيث يبدأ الشخص شاعرا وينتهي مفكرا أو مثقفا ، ثم إن طبيعة الحياة في الغرب تطرح معادلاتٍ مغايرة لما هي عليه في الوطن ، حيث إن كثرة الالتزامات والإكراهات والتحديات لا تدع لك وقتا كافيا لنظم الشعر ، وإن أنت وفرت الوقت الكافي لذلك فما هو مصير تلك المنظومات الشعرية ، التي تموت على الورق ، لأنه ليست هناك أنشطة أو حلقات لقراءتها ، كما كنا نصنع في الجامعة ، يوم كنا نكتب الشعر عن فلسطين والثوار والعراق والمرأة ، ونلقيه فورا على أصدقائنا الطلبة المتعطشين للحرف المعبر والكلمة الصادقة .

قرأت لك عن شعرية الغموض .. فهل أنت من أنصار النص المنغلق؟

يمكن تمثيل الإبداع الشعري ببذرة لها نبتتان ؛ الأولى للإمتاع والأخرى للإقناع ، إذا كانتا منفصلتين في الظاهر فإنهما متواشجتان في العمق ، حتى إن الشاعر في إمتاعه إنما يريد تعليم الآخرين وإقناعهم ليس بالأفكار فقط ، وإنما باللغة والتراكيب والإيقاع .. ثم إنه حين يشحن نصوصه بشتيت من المعاني و المبادئ والفكر التي يجتهد في إيصاله ا، لا يتريث عند وظيفة التوصيل بقدرما يتجاوزها إلى الوظيفة الجمالية الإمتاعية ، وإلا فلماذا يتفنن في تأليف تلك المعطيات التي يضفي عليها طابعا جماليا بهيا تتنوع فيه الأساليب والأصوات ، وتتكثف عبره الإيقاعات والموازنات الصوتية ، وتتضافر فيه المجازات والمحسنات البديعية والمعنوية ؟ بل، فلماذا أصلا يختار الشعر ــ على استعصائه ــ  قالبا لأفكاره ؟؟ والنثر أيسر وأكثر ليونة وطواعية ..

ثم إن المقصود بالغموض ليس الالتباس في المعنى ، أو تنافر الألفاظ ، أو استعصاء التركيب ، وإنما الرؤية الفلسفية العامة التي تميز الخطاب الشعري ، سواء من جهة الدلالة ، أو من جهة الصورة النحوية والبلاغية والصوتية التي تأتي عليها تلك الدلالة ، حتى إن ثمة من الأشعار ما هو واضح ، إما في معانيه أو في معجمه أو في تأليفه أو في إيقاعه .. غير أنه في تناوله الفكري للإنسان والوجود والفكر ينزع إلى الغموض الشفيف أو الفصيح كما يطلق عليه البعض .

على هذا الأساس، فالغموض يشكل مكونا أساسيا في بنية الكثير من النصوص الشعرية ، فهو الذي يمنحها سر الجمال والتميز ، وبسقوطه تسقط قيمتها الفنية ، بل وإنه يولد في النص ما يشبه الانكسار في الدلالة أو التركيب أو الإيقاع ، وهو في حقيقة الأمر ظل للانكسار النفسي الذي يعتري ذات الشاعر .
ماذا أضافت القصيدة الحديثة في المغرب إلى الإنتاج الشعري الغزير في العالم العربي ؟ هل غزارة الإنتاج الشعري مظهر لقوة حراك شعري أم غير ذلك ؟

سؤالك يتضمن محورين مختلفين ،ولذا لا يمكن الإجابة عنهما ولو عن طريق التنظير والدراسة الأدبية والنقدية ، لأن أيما تناول لهما إلا ويستند إلى منطلقات فكرية ونقدية ومنهجية معينة ، لذلك فالحصيلة تكون نسبية ، قد تروق البعض ، في حين يرفضها البعض الآخر، ومع ذلك سوف نحاول وضع صورة تقريبية عن ذينك المحورين.

إن القصيدة المغربية الحديثة المكتوبة باللغة العربية لا تختلف عن مثيلاتها في الأقطار الأخرى ، من حيث إنها خلقت نوعا من التراكم في الإنتاج الشعري ، الذي تتداخل في بنيته العامة مجموعة من الحساسيات والتجارب والتيارات ، أما ما يميزها عن غيرها ، أو ما يدعى خصوصيات القصيدة العربية المغربية فتتجلى من خلال كتابات بعض الأسماء المتميزة التي استطاعت أن تبدع ربما لأول مرة في تاريخ الأدب المغربي  قصيدة مستقلة ذات ملامح مغايرة لتجارب شعراء الحداثة في المشرق العربي ، وأهم الشعراء الذين ساهموا في بلورة هذه القصيدة المستقلة محمد الخمار الكنوني ، أحمد المجاطي ، عبد الكريم الطبال، محمد السرغيني ، أحمد بلحاج آيت وارهام ، محمد الطوبي ، وتيار الشعر الإسلامي في المغرب الشرقي ممثلا بحسن الأمراني ، ومحمد علي الرباوي ، ومحمد بنعمارة ، وغير ذلك من الأسماء المهمة في الشعر المغربي الحديث. وإن مجرد قراءة أولية لإنتاج هؤلاء الشعراء تجعلك تحس بأنك أمام نصوص من طينة أخرى ، سواء من حيث بعدها الدلالي ، أو الجمالي .. أمام نصوص ما عادت تستنسخ التجارب الشعرية المشرقية ، كأنما عدوى تلك القطيعة الإبستيمولوجية ، التي كانت قد حدثت بين المغرب والمشرق على المستوى الفكري والفلسفي انتقلت إلى القصيدة المغربية الحديثة ..
أما فيما إذا كانت غزارة الإنتاج الشعري مظهرا لقوة حراك شعري أم غير ذلك ، فإنني أعتقد أنه إذا كانت هذه الغزارة الشعرية مصحوبة بالجودة والإتقان والابتكار فإن ذلك من شأنه أن يعبر عن أن ثمة حراكا شعريا يعد بالإثمار والإنجاز، أما إن كانت تلك الغزارة منطوية على الغثاثة والرداءة ، فلا تعدو أن تكون إلا إسهالا شعريا ، لا طائل من ورائه ، فرب شاعر كتب في حياته قصائد معدودة ، خير من شعراء كثر خلفوا مكتبة من الدواوين والأسفار، وهذا يسري على الشاعر المغربي أحمد المجاطي الذي رغم إقلاله في الكتابة ، حيث كتب مجموعة شعرية يتيمة عنوانها (الفروسية)، فإنه استطاع أن يكون رائد الشعر المغربي الحديث بدون منازع!

وأود أن أقتبس له هذا النص (كبوة الريح)، الذي يقول فيه:

تسمر الموج على الرمال
والريح زورق بلا رجال
وبعض مجداف وعنكبوت من يشعل الفرحة في مدامعي؟
من يوقظ العملاق من يموت؟
رائحة الموت على الحديقة
تهزأ بالفصول
وأنت يا صديقة
حشرجة ودمعة بتول
ووقد أقدام على الطلول
تبحث عن حقيقة
عن خنجر عن ساعد يصول
وكان ريش النسر في جراحنا العميقة
فماً وصمتاً ظامئاً لدقة الطبول
لعصفة من كرم الريح تبل ريقه
وحلبة النزال أي غيمة رقيقة
تحوم حول كبوة الخيول
عودوا بأشلائي، دمي لم يبتسر طريقه
من مد للفجر يداً يستعجل الوصول؟
من شد عند صخرة ظنوني؟
ومد منقاراً إلى عيوني؟
يا سارق الشعلة إن الصخب في السكون
فاقطف زهور النور، عبر الظلمة الحرون
نحن انتجعنا الصمت في المغارة
لأن نتن الملح لا تغسله العبارة
فانزل نعي للبحر تحت الموج والحجارة
لا بد أن شعلة تغوص في القرارة
فارجع بها شرارة
تنفض توق الريح من سلاسل السكوت
تعلم الإنسان أن يموت ….

ما المحفّز الأكبر للكتابة ؟ الوطن أم الغربة ؟ .. وهل الكتابة عن الوطن .. هي نفسها الكتابة عن الغربة ؟

إن مسألة الكتابة الإبداعية لا يمكن تفسيرها إلا في ضوء التجربة التي نتطرق إليها ، لأن كل تجربة لها  ظروفها وملابساتها الخاصة ، لذلك قلت في الرد عن سؤال سابق : إن الشاعر أو الكاتب هو الذي يخلق مناخ تجربته ، مما يقودنا إلى القول بأن كل كتابة إلا ويقف وراءها محفز أو محفزات خاصة بها ، لا نتمكن من استيعاب أبعادها الدلالية والجمالية ، إلا بالاسترشاد بتلك المحفزات أو الدوافع  التي قد تكون الوطن أو الغربة أو المرأة أو الأم أو الثورة أو غير ذلك , ومادامت هذه المحفزات مختلفة ، فإن المضامين وطرائق تناولها سوف تكون لا محالة مختلفة ، مما يجعلنا أمام أصناف وألوان من القصائد ، كالغزلية والوطنية والثورية وقصيدة الغربة وغير ذلك ، استنادا إلى هذه المقاربة ، فالكتابة عن الوطن ليست نفسها الكتابة عن الغربة، اللهم إلا على مستوى أسلوب الشاعر وأدائه ، ثم إنه أحيانا يمتزج موضوع الوطن بتيمة الغربة في القصيدة الوحيدة ، فلا ندري كيف نصنف هذا النوع من الكتابة ، هل هي عن الغربة . أم عن الوطن . ثم إنه كذلك هناك من الشعراء من يكتب عن الغربة وهو في الوطن ، وفي المقابل هناك من يكتب عن الوطن وهو في الغربة ، إنها حالات متباينة ومتداخلة ، لا يتسنى لنا فهمها وإدراكها إلا من خلال ما يطفح به النص لا غير .

أقرأ لك أيها الكاتب.. فأجدك تؤكّد على الحوار الصريح بين الذات والهوية .. وتراه سببا أساسيا من أسباب نجاح الحوار مع الآخر .. لأتساءل:
 هل الغرض من الحوار بين الذات والهوية هو فقط التمهيد للحوار مع الآخر؟.. ثمّ ألا ترى معي أن "الآخر " في حدّ ذاته محتاج إلى تحديد أكثر ؟.. فإن كان يعني لدى المغتربين المجتمع الغربي أو الثقافة الغربية عموما.. فقد أصبح يحمل في كثير من المجتمعات الإسلامية مفهوما مختلفا "العربي " و"الأمازيغي"... "العربي" و"الكردي "..وغيرها على الصعيد اللّغوي والعرقي...أمّا على الصعيد المذهبي فهناك: "السنّي" و"الشيعي"..
ألا يجب استعمال "آلية فقه الواقع"..أوّلا لتجاوز هذا الصراع الداخلي بين الذات والهويّة؟

في اعتقادي، أن الغرض الأساس من الحوار بين الذات والهوية ، هو تحقيق الفهم اللازم لهذه الذات ، التي وإن كانت تسكننا فإنها تبدو غريبة عنا ! وعندما يتسنى لنا هذا الفهم والاستيعاب، نشرع في ممارسة الحوار مع الآخر، ونحن نملك جملة من الآليات التي تسعفنا في أداء حوار بناء ومثمر معه ، وهذا الآخر، حقا يحتاج إلى تحديد واضح ، لأنه يتغير بحسب السياق والظروف، حيث قد يُقصد به الغرب أو إسرائيل أو الأمازيغ أو العرب أو غير ذلك، وأرى أن السياق العام الذي يتم فيه الحوار أو الصراع قمين بأن يوضح لنا ، من هو الآخر الذي نتحاور أو نتصارع معه.
ثم إنه ليس ثمة صراع داخلي بين الذات والهوية ، وإنما جهل من الذات للهوية، من الذات العربية أو المسلمة أو الأمازيغية لهويتها الأصلية أو الدينية، فالفهم الذي ندعو إليه ، هو أن يعرف الشخص ماهيته ، من هو؟ ماهي ثقافته الحقيقية ؟ ماهي عقيدته الصحيحة ؟ لماذا هو موجود ؟ ماهي رسالته في الحياة ؟ لأنه إذا لم يعرف هذه الأمور التي تبدو بسيطة للعيان، لكنها تتضمن أسئلة وجودية وفلسفية معجزة ومستعصية ، فإنه من الصعوبة بمكان أن يتحاور مع الآخر، الذي، مما لا ريب فيه ، سوف يطرح عليه ، بشكل أو بآخر، هذه الأسئلة، فيجد نفسه عاجزا عن أن يُفهِم محاورَه، وبالأحرى أن يقنعه!


إلام يرمز اسمك ؟

ولو أن هذا السؤال يبدو نوعا ما بعيدا عن جادة الحوار الأدبي والفكري الذي نسعى إليه من خلال هذا اللقا ء، فإنني سوف ألبي رغبتك بالإجابة عنه ، حتى نحافظ على روح التواد والتآخي والتعايش التي هي من السمات الأساسية لمنتديات أقلام.

فيما يتعلق باسمي الشخصي (التجاني) أو (التيجاني بياء المد التي تلي الجيم)، فله تفسيران، أولهما لغوي يحيل على لفظة التاج وجمعها التيجان، وهي تعني في اللغة العربية الإكليل، وإضافة الياء إلى جمعها يصبح التيجاني ، فيدل إما على صاحب الأكاليل أو صانعها، أما التفسير الثاني فيجد أصله في اسم مؤسس الطريقة الصوفية المعروفة التي يطلق عليها الطريقة التيجيانية ، وهو أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن محمد التجاني، ولد عام 1150 من الهجرة بقرية عين ماضي التي وفد إليها جده محمد ، فاستوطن بها وتزوج من قبيلة فيها تدعى تجاني أو تجانا فكانت أخوالاً لأولاده وإليها نسبوا . وهذا يعني أن هذا الإسم يحيل على تلك القبيلة. أما سبب تسميتي بهذا الإسم، فهو يرتبط بجدي من أبي الذي كان له صديق حميم ، كان إماما لأحد المساجد في منطقة الريف المغربي ، وكان على الطريقة الصوفية التيجانية، وعندما ولدت طلب من جدي أن يسميني بهذا الاسم فلبى طلبه.

أما فيما يخص اسمي العائلي بولعوالي ، فهو يحيل ، كما كانت تروي لي جدت ي، على أن الجد الأكبر كان يملك أفراسا ، ويطلق عليه باللغة الأمازيغية بولعواذي، أي صاحب الأفراس، وعندما دونوها بالعربية، انقلبت الذال لاما ، فأصبحت بولعوالي

سؤالي يتعلق بالتصوير الغامض والمعقـّد في شعرك ، فما الذي يدفعك لنهج هذا الأسلوب؟

إن مسألة الغموض في الشعر، كما سبقت الإشارة ، تشكل مكونا أساسيا في بنية الكثير من النصوص الشعرية ، فهو الذي يمنحها سر الجمال والتميز، وبسقوطه تسقط قيمتها الفنية، بل وإنه يولد في النص ما يشبه الانكسار في الدلالة أو التركيب أو الإيقاع، وهو في حقيقة الأمر ظل للانكسار النفسي الذي يعتري ذات الشاعر. بناء على هذه الرؤية فهو نابع عن الحالة النفسية والشعورية التي يخوضها الشاعر، التي ينطبع النص بها ، بناءً ومعنى ، لذلك فكلما تناول الشاعر قضية نفسية أو انفعالية مؤثرة مثل الموت ، الفراق ، المأساة ، أسئلة الوجود المبهمة ، وغير ذلك ، كلما تخللت نصوصه بؤر خلفية مستعصية عن الفهم المباشر ، وفي هذا الصدد يحضرني تفسير عبد القاهر الجرجاني للغموض الذي يعتري معنى الشعر، حيث يقول في كتابه "دلائل الإعجاز  : "" فإنك تعلم على كل حال أن هذا الضرب من المعنى ، كالجوهر في الصدف لا يبرز لك إلا أن تشق عنه ، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه ، ثم ما كل فكر يهتدي إلى وجه الكشف عما اشتمل عليه ، ولا كل خاطر يؤذن له في التوصل إليه .. فما كل أحد يفلح في شق الصدفة ، ويكون في ذلك من أهل المعرفة، كما ليس كل من دنا من أبواب الملوك فتحت له الأبواب".
 فهذه القولة تومئ إلى أن ثمة من الغموض ما هو واجب وضروري في النص ، يجعلنا نشقى في إيجاد السرداب الموصل إلى الحقيقة ، ونتلهف في بلوغ سلم الفهم ؛ ذروة القراءة ، وهو فعل يمتزج فيه التأويل بالتشويق ، البحث بالأمل ، التوقع بروح المغامرة...

وعلى ذكر مسألة التوقع ، حيث أشرتِ في خاتمة سؤالك إلى أنني آت بما لا يخطر على البال، وهذا أمر صحيح ، لأنني أؤمن بأن الشاعر المعاصر ليس مجرد واصف وناقل للكائن أو الواقع ، فهذه مهمة المؤرخ أو الصحافي ، وإنما يحاول أن يفهم الكائن ويفسره ، حتى تتسنى له إمكانية استشراف الممكن ، فمثله مثل عالم المستقبليات الذي يتميز ببصيرة نافذة ، تمكنه من أن يبني توقعات انطلاقا من معطيات واقعية وإحصائيات علمية ، في حين يبني الشاعر استعاراتٍ انطلاقا من تجارب نفسية وحالات اجتماعية.

وحتى تكون الصورة أكثر وضوحا ، لنتريث عند التجربة الصوفية في التاريخ الإسلامي ، التي يرى فيها الكثيرون انحرافا خطيرا عن المعتاد ، وتمردا جارفا على مؤسسة المجتمع، فينعتون الصوفية بالبذيء من النعوت ، والحقير من الأوصاف ، يقينا ثمة من المتصوفة من سقط في دائرة الشرك والتحامل على ثوابت العقيدة الإسلامية ، لكن التجربة الصوفية المعتدلة لم تنشأ إلا نتيجة مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغير ذلك ، حيث منذ عهد الدولة العباسية سوف تنشط الحركة الصوفية ، التي سوف تنتشر بشكل كاسح قبل نهاية هذه الدولة وبعدها ، لتصبح مكونا أساسيا من مكونات المجتمع الإسلامي، والمتمعن في كتابات هذه الحركة الشعرية والنثرية، يستجلي أنها غامضة ومبهمة ، وما هذا الغموض ، وذلك الإبهام إلا نتيجة منطقية للوضع العام المتدهور، الذي يمسه القهر والظلم والاضطهاد ، حيث وجد المتصوفة أن استعمال لغة الرموز خير وسيلة تعبيرية تخلصهم من عقاب ورقابة الحكام ، فنشأ عندهم معجم صوفي خاص ، لا نفهم البعد الدلالي لأدبهم إلا إذا كنا على دراية بمعنى الرموز التي يوظفونها ، واطلاع على جوانبَ من ذلك المعجم ، من هنا فإن القارئ العادي يستهجن تلك النصوص الغامضة ، في حين أن القارئ المتمرس يقبل عليها ويستملحها ، وهذا نفسه قد ينطبق على بعض تجارب الشعر العربي المعاصر ، التي يتخللها الغموض ، فلا يمكن فهمها إلا بفهم السياق العام الذي تندرج فيه ، والدوافع الخفية التي أملت على الشاعر أن يسلك هذا النهج في كتابته.


كيف ترى الطريقة لنهضة أمتنا ؟

لقد شهدت دول العالم الإسلامي والعربي منذ عهد الاستقلال والتحرر، مختلف محاولات النهوض واليقظة والتقدم ، لكن أغلبها باء بالفشل الذريع ، ابتداء من المشروع القومي ، مرورا بتبني الفلسفة الاشتراكية ، وصولا إلى عولمة السوق والاقتصاد وحرية التبادل التجاري ، دون تجاهل بعض المحاولات الإسلامية في السودان وأفغانستان وإيران والسعودية وغيرها ، ترى ما هي العوامل الخفية والمعلنة التي تقف وراء فشل الدول العربية والإسلامية في تحقيق نهضة الأمة ؟ في اعتقادي، إن هذه النهضة المنشودة لا تتأتى لنا إلا بتحقيق أحد أمرين ؛ إما تنازل الأنظمة عن غطرستها ، وإشراك باقي فعاليات الشعب في العملية السياسية، وإما توعية الشعوب الحقيقية التي تجعلها في مستوى يؤهلها إلى التفكير في أمور كالنهضة والتغيير ونيل الحقوق وغير ذلك ، أما ما عدا ذلك فلا يسمن ولا يغني من جوع ! وهذا ذاته ما حصل في مختلف دول العالم المتقدمة ، كاليابان وأوروبا وأمريكا وجنوب شرق أسيا وغير ذلك.


أنت مهتم بالأمازيغية .. هل الإسلام يلغي القوميات برأيك؟

أجل، تعتبر القضية الأمازيغية من أهم الحقول الثقافية التي أسهم فيها ، إبداعا وبحثا ، بل وأكثر من ذلك فإنني أحاول التنظير لموقف جديد داخل الثقافة المغربية، بخصوص ثالوث الأمازيغية الإسلام والعربية ، وهو موقف غير متواطئ ، وفي الوقت نفسه غير محايد ، وإنما يتعايش مع سائر المكونات والمعطيات، التي من شأنها أن تخدم المجتمع المغربي ، فأنا أتشبث بأصولي الأمازيغية كما تتمسك جذور الشجرة بالأرض ، وأقوم بكل ما وسعي لخدمة الأمازيغية، لغة وثقافة ، كما أنني أعتصم بالدين الإسلامي الحنيف ، وأرى أنه ليس مكونا أجنبيا عن بلاد الأمازيغ التي تمتد عرضا من جزيرة سوا في مصر إلى جزر الكناري في المحيط الأطلسي ، وتمتد طولا من البحر الأبيض المتوسط إلى بوركينافاسو، وإنما مكون ثابت في الذات الأمازيغية الحقيقية ، التي اختارت أن تدين بالإسلام وتخدمه، فأجدادي الأمازيغ (طارق بن زياد، يوسف بن تاشفين، المهدي بن تومرت، محمد بن عبد الكريم الخطابي وغيرهم كثير) يعود إليهم الفضل في فتح مجاهل الأندلس ، وفيافي أفريقيا، وأنا أفتخر بذلك غاية الافتخار، أما العربية فتعتبر كذلك مقوما أساسيا في الثقافة والتراث المغربيين، لا يمكن التخلي عن استعمالها اليومي أو التعليمي .

لقد تناولت هذه الرؤية بتفصيل في كتابي الذي سوف يصدر عما قريب، وهو يحمل عنوان: ( الإسلام والأمازيغية؛ نحو فهم وسطي للقضية الأمازيغية )، وقد تمت فيه الإشارة إلى أن الإسلام لم يأت ليلغي الآخرين ، بقدرما جاء ليحتفي بالكل، على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وأعراقهم، إذا ما توفر فيهم جانب التقوى والعمل الصالح ، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الروم، الآية 22: "ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين".
صدق الله العظيم

 

 


أود أن أسألك عن تأثير الثقافة الغربية فى الشاعر العربى عامة .. وتأثيرها عليك خاصة .

في الحقيقة ، إن كل شاعر أو كاتب أو مثقف أو مفكر، معرض لمختلف المؤثرات الواقعية والنفسية والفكرية والعقدية والأيديولوجية ،و قد تظهر في النصوص بشكل بارز ولافت، أو بشكل خفي، وهذه المؤثرات يتعامل معها إما بوعي منه أو بلا وعي، حيث ثمة من المبدعين من يتعمد في كتابته أن يقتبس من التراث أو الغرب أو غير ذلك من المصادر، فيحقق في شعره ما تطلق عليه المدارس الأسلوبية المعاصرة آلية التناص، وثمة من الشعراء من يتجنب الوقوع في الاقتباس من الغير، ويوجه نصوصه وجهة خاصة تجانب التأثر بما هو خارجي، ومع ذلك فعندما يتناول الناقد الثاقب تلك النصوص، يستخرج منها ما لا يخطر على بال كاتبها ، الذي لعله بلا وعي منه تسربت مؤثرات أجنبية إلى شعره.

وفيما يتعلق بمسألة تأثير الثقافة الغربية في الشاعر العربي عامة ، فهذا أمر تطرق إليه النقاد بالدرس والتفسير، فأثبتوا تأثيرات الشعر الغربي ؛ الفرنسي والإنجليزي والإسباني وغير ذلك، على الشاعر العربي الحديث كشعراء المهجر وبدر شاكر السياب , وصلاح عبد الصبور , والبياتي , وأمل دنقل , وأدونيس , ومحمود درويش ... وغيرهم كثير ، فهؤلاء لا يمكن فهم قسم كبير من أشعارهم إلا بقراءتها على ضوء الأشعار الأصلية التي تأثروا بها ، كأشعار بودلير وإليوت ولوركا .. وهلم جرا.

أما فيما يتصل بتجربتي الشعرية، فإنه ليس ثمة تأثير مباشر للثقافة الغربية عليَّ ، لأنني حديث عهد بالهجرة (منذ صيف 1999) ، ثم إن أغلب أشعاري كتبتها عندما كنت في الوطن ، وحتى القلة القليلة منها التي كتبت في المهجر، حاولت أن أوجهها وجهة تراثية ، أستمد مضامينها وقوالبها من شتى المكونات الإسلامية ، الثقافية منها والنصية .. لعله يمكن الحديث عن تأثير غربي معين على مستوى منهجية تناول الأمور وتفسيرها ، حيث تسنى لي الاطلاع على مختلف النظريات الغربية الحديثة ، في حقول التربية والفكر والإعلام وغير ذلك.

 

أريدكَ أن تدليَ بشهادتك عن شعر النثر

في الحقيقة، قبل الشروع في تناولنا لهذه القضية التي تبدو غاية في الأهمية، لابد من طرح المساءلة التالية؛ هل قصيدة الوزن هي الإرهاص النوعي الذي ارتكزت عليه قصيدة النثر في تكونها ومن ثم في استفحالها ؟، أم أن ما شاهدته الكتابة الشعرية من تغير شكل حافزا بفعله ظهر هذا النوع المستحدث ؟، أم العكس ؟، أي أن نشوء ما يطلق عليه بقصيدة النثر لا يتعلق بالتحول العام الذي حصل في المنظومة الشعرية بقدر ما يخضع لمؤثرات خارجية أملاها الظرف أو راهن الشعرية ..

من خلال هذا ، نلمس أن الأمور تنزع منزعا إشكاليا ، فلا يمكن تفكيك عراها إلا بشق الأنفس ، وذلك بضبط الاستفهام حتى لا يتشعب , سواء من حيث ماهية التسمية ومدى ثابتيتها أو تحولها ، أو من حيث نوعية العلاقة الكائنة بين قصيدة الوزن وقصيدة النثر، فهذا الاصطلاح الأخير - الذي اضطررنا إليه - يبقى مرتجا، رغم أنه إنجاز أدبي ناجح.. لأننا نوفق فيه بين متناقضين، فالقصيدة فيما نعهده تحيل على مبنى شعري معين (عدد من الأبيات تنتهي بالقوافي) مما يحدث نوعا من اللاتناسق حين تأويل ذلك، فوجود عبارة (قصيدة نثرية) – على تعبير جان كوهن – التي أصبحت شائعة الاستعمال، يسلب كلمة قصيدة في الواقع ذلك التجديد التام الوضوح الذي كان لها، فنجد أنفسنا أمام فهمين؛ أحدهما يذهب إلى اعتبار هذه الكتابة نتاجا حتميا أو شرعيا لقصيدة الوزن ، هذا لدى من سبق لهم أن احتكوا بما هو وزني أو تقليدي وخبروه، بل وأبدعوا فيه لأنهم استفادوا من هذا المكون، فطوروه إلى احتمال آخر.. وعلينا أن ندرك ما أدركه أدونيس الذي أكد على قصيدة النثر لا بوصفها تحل محل قصيدة الوزن ، ولا بوصفها أكثر تقدما منها ، وإنما بوصفها إمكانا آخر للتعبير شعريا، وبوصفها إغناء للشعرية العربية ، وإضافة إلى أساليب التعبير.

أما أصحاب الفهم الآخر، فلم يطلعوا على تراثنا الشعري بقدرما مروا عليه مرور الكرام، واتجهوا مباشرة إلى النثر، ولم يسلكوا هذا الدرس إلا احتماء، واختصارا للمسافة... وكان من الأفضل - فيما أرى – لو طوعوا هذه الكتابة إلى أشكال أخرى كالأقصوصة أو الخاطرة أو المقالة الذاتية .. وإلا حكموا على ما يكتبون بالموت والانقراض، وهؤلاء هم الذين يخلقون الجدل ، ويجعلون من قصيدتي الوزن والنثر متضادين ، رغم أنهما تتكاثفان لإغناء الأدب في عمومه ، فالصراع فيما نعتقد لا يكون بين شعر ونثر، وإنما ينشب بين نثر ونثر أو بين قصيدة في المرأة وأخرى في الثورة ..

 


نكهة القصيدة العربية من حيث البحور والأوزان أجمل أم القصيدة الغربية ، ولا أعني المترجمة لأنها تفقد بريقها تبعا لمترجمها ؟

في تقديري :
إنه من الصعوبة بمكان الإجابة الإجابة المفحمة عن هذا السؤال ، لأننا ولو تحدثنا عن عالمية الإبداع وإنسانيته ، فإن الخصوصية المحلية والجهوية تظل هي عصب التجربة الشعرية ، حيث لا أومن بأن هناك من الشعراء أو النقاد العرب الذين فهموا على سبيل المثال الشعر الفرنسي بنفس درجة الفهم التي فهمها به النقاد الفرنسيين (باستثناء الذين ولدوا وتربوا في البيئة الفرنسية) ولو كانوا يتقنون اللغة الفرنسية ، لأن ثمة الكثير من الجوانب الثقافية والنفسية والاجتماعية التي لا تكتسب ولا تلقن ، وإنما تورث في الإنسان ، أو تخلق معه ، فيفطر عليها ، ومن بين هذه الأمور ما هو لغوي أو تعبيري ، لذلك فقراءتنا لأدب الغير تظل نسبية وغير مكتملة، مما لا يؤهلنا لأن نحكم: أي القصيدتين أفضل؛ العربية أم الغربية؟ يقينا أن القصيدة العربية ذات خصوصيات جمالية وتعبيرية عالية الجودة، وأن العرب قالوا : الشعر سليقة ، وإن الله تعالى أنزل القرآن الكريم ليتحدى ببيانه بيان العرب ، وفي ذلك شهادة اعتراف بمكانة ورقي الشعر العربي ، لكن عندما يقرأ إنسان غربي هذا الشعر ، ربما لن يروقه ، نظرا إلى الفوارق النفسية والثقافية التي تنتصب بينه وبين الثقافة العربية.

وأنا أجد القصيدة العربية أجمل وأبهى وأسحر! رغم أنني لست عربيا ، وإنما أمازيغي ، أساهم بشكل ما في كتابة القصيدة الأمازيغية المعاصرة التي تنطوي على خصوصيات وزنية وفنية لا تقل قيمة عن خصوصيات قرينتها العربية.

 

هل يفهم الإنسان الغربي مستوى الطروحات الإسلامية هناك أم أنك تحرث في أرض جدباء؟

انطلاقا من الواقع الغربي، يمكن القول بأن الإنسان الغربي على العموم موجه من المؤسسة الإعلامية التي يتحكم فيها ذووا القرار من الصهاينة والغربيين المتصهينين الذين يجهدون في تعميم الخطاب المعادي لما هو إسلامي ولو كان معتدلا ، حيث يُقـَـدَّمُ الإسلام على أنه دين الإرهاب والقصاص والنقاب وغير ذلك ، ومع ذلك فإننا نراهن على القلة القليلة من المثقفين الغربيين الشرفاء الذين بدأوا يستوعبون حقيقة الإسلام ، وعظمة الرسالة التي يحملها للإنسانية جمعاء.


مامدى تأثير الشعراء الشباب في ذائقتك الأدبية ؟ وهل هناك تجارب يمكن الإشارة إليها؟

إن اهتمامي بالتجربة الشعرية (الشبابية) يعود إلى المنتصف الأول من تسعينيات القرن الماضي ، حيث كتبت سلسلة من المقالات والقراءات حول هذه التجربة ، فتناولت آنذاك مجموعتين شعريتين لشاعرين من جيل الشباب في المغرب ، وهما: الطيب هلو من خلال مجموعته الشعرية (قمر العتاب) ، ومصطفى قشنني من خلال مجموعته (أجراس الريح)، وكانت نيتي أن أمضي في ذلك الاتجاه ، وأتعرض بالدرس لمجموعة من الشعراء الشباب الموهوبين والمتميزين ، لكن حدث مغادرتي للوطن حال دون ذلك.

غير أن انفتاحي على ما ينشر من خلال المنابر والمواقع الرقمية من جهة أولى ، واعتباري رئيس تحرير مجلة الفوانيس من جهة أخرى جعلني أطلع على جملة من التجارب الشعرية الجديدة التي تتسم بالجودة والجدة والعطاء ، وأخص بالذكر في هذا الموضع هؤلاء الشعراء، الذين تسنى لي تصفح بعض أشعارهم ، ورأيت أنها خير ممثل للتجربة الشعرية المعاصرة، التي عادة ما يطلق عليها (شعر الشباب) وهم: صالح أحمد، سامر سكيك، كفا الخضر، علي الأسدي، إبراهيم القهوايجي، كمال محمود علي اليماني، عبد الرحيم الماسخ، عادل سالم، علي أبو مريحيل، مالكة عسال، محمد دلة، عماد فؤاد وغيرهم كثير.

أما عن مدى تأثير تجربة شعر الشباب في ذائقتي الأدبية، فهذا سؤال متروك للنقاد، لأنني بدوري أنتظم في هذه التجربة، التي أتفاعل معها أخذا وعطاء ، تأثرا وتأثيرا.

 

ما هي الأمور التي أثرت في تكوين شخصيتك كشاعر عربي وكاتب له قدرة؟ وكيف انعكست هذه المؤثرات في أعمالكَ شعرًا ونثرًا؟

فيما يتصل بتجربتي الشعرية ، فإنه ليس ثمة تأثير مباشر للثقافة الغربية علي ، لأنني حديث عهد بالهجرة (منذ صيف 1999) ، ثم إن أغلب أشعاري كتبتها عندما كنت في الوطن ، وحتى القلة القليلة منها التي كتبت في المهجر، حاولت أن أوجهها وجهة تراثية ، أستمد مضامينها وقوالبها من شتى المكونات الإسلامية ؛ الثقافية منها والنصية.
 لعله يمكن الحديث عن تأثير غربي معين على مستوى منهجية تناول الأمور وتفسيرها، حيث تسنى لي الاطلاع على مختلف النظريات الغربية الحديثة في حقول التربية والفكر والإعلام وغير ذلك ، التي حاولت توظيفها في أبحاثي العلمية ومقالاتي الفكرية ، وأنا مشبع بالقاعدة الذهبية التي أقرها الشيخ محمد عبده رحمه الله تعالى في كتابه (العروة الوثقى)، وهي علينا أن نأخذ من الغرب ما ينفعنا ولا يضرنا!

 

بما أنك مقيم في هولندا, و لاشك أنك تجيد لغة هذا البلد و اطلعت على آدابها وشعرها. ما قيمة الشعر الهولندي مقارنة مع الشعر الأوروبي عموما ؟ ، والانجليزي والفرنسي خصوص اً؟

رغم أن الحديث اليومي للناس لا يدع ولو مجالا ضيقا لما هو أدبي أو فكري ، لاسيما وأن حياة الإنسان في هولندا محاصرة بالالتزامات والمواعيد والأشغال إلى درجة الشعور بأنك في عالم لا متسع فيه لما هو ثقافي ، في عالم يؤمن بالمادة والضرائب والأرباح ، يستحق أن ننعت ثقافته بثقافة المايونيس أو الماركوتينغ , لأنها مبنية من جهة على السرعة ، ومن جهة أخرى على الربح ! رغم ذلك فإنه من اللاإنصاف أن نعمم هذا الحكم القيمي ، لأن ثمة نخبة هولندية رهنت نفسها لخدمة الأدب والشع ر، فأصبح للشعر حيزٌ مرموقٌ في الثقافة الهولندية ، ولو أن الإقبال عليه يبدو محدودا ، ومن العادات الجميلة المعروفة لدى الهولنديين أن الغالبية منهم تقرض الشعر مرة واحدة في السنة ، وذلك في 5 ديسمبر من كل عام ، الذي يواكب عيد القديس نيكولاس ، حيث تتبادل فيه الناس الهدايا مصحوبة بمقطوعات شعرية مقفاة ، تصف مناسبة الهدية أو الذي تهدى إليه بأسلوب مرح وفكاهة .

وأما فيما يخص مقارنة الشعر الهولندي بالشعر الأوروبي أو الغربي عامة ، فإنه يوازيه في قيمته الدلالية والجمالية ، بل وأحيانا يضاهيه ، إلا أن عدم معرفتنا بهذا الشعر ، يرجع أولا إلى عدم انتشار ثقافة الدولة الهولندية في البلدان العربية ، ومن ثم عدم احتكاكنا بها ، وثانيا إلى تأخر هجرة المثقفين العرب والمسلمين إلى هولندا ، في المقابل انتشرت الآداب الأخرى ، كالفرنسي والإنجليزي في العالم الإسلامي والعربي ، كما أن أدمغتنا هاجرت مبكرا إلى فرنسا وإنجلترا وأمريكا... مما سيمكننا من معرفة شاملة حول آداب وثقافات تلك الأقطار.


هل لك أن تجري مقارنة بين الشعر الهولندي والشعر العربي؟

لكل من هذين الشعرين خصوصياته الذاتية التي تميزه عن الآخر، ولعل ثمة بعض التشابهات بين الشعر العربي والهولندي خاصة أو الغربي عامة ، تتجلى في تشاركهما في تناول بعض التيمات كالطبيعة والمرأة وغيرهما ، واعتمادهما على الأوزان والقافية ، حيث ثمة بعض الأشكال الشعرية المعروفة في الأدب الهولندي وهي: الليميريك  Limeriek ،, الرونديل rondeel ،, الليد   lied ,, والسونات   sonnetوقد سبق للمستشرق الهولندي المعروف ولميت وأن أثنى على الشعر العربي ، في معرض حديثه عن أبي العلاء المعري، حيث قال: "انظر ما أروع العرب !! ، وما أعظم عبقريتهم !! ".


كثير من الشعراء عند إصدار دواوينهم الشعرية ، نراهم يميلون الى المزاوجة بين الصورة الشعرية والصورة التشكيلية ، فنرى كثيرا من الدواوين الشعرية مزينة بالرسوم التي قد يتعاقد الشاعر مع الفنان التشكيلي للتعبيربها عن محتوى الأفكار ومدلولات اللفظ  التي عناها الشاعر بالصورة واللون والخط .
فما هو رأيك في المزاوجة بين هذين الوسيطين الفنيًّين ؟ وهل له دور سالب أم إيجابي في خدمة الصورة الشعرية وإيصالها بشكل مختلف للمتذوق ؟

إن المزاوجة التي تنشأ بين الشعر والفن ، سواء على مستوى تزيين أغلفة الدواوين والمجموعات الشعرية ، أو على صعيد تأثيث الصفحات الداخلية بالرسوم والتشكيلات ، من شأنها أن تغني الجانب الجمالي لتلك الأعمال ، لاسيما وإن كان ثمة تجاوب بين لوحات الدواوين ومتونها ، مما يضفي بهاءً أكثر على العمل الشعري الذي مما لا شك فيه سوف يزدان بتلك الرسوم التي ينجذب إليها القارئ بشكل جارف.

 

الرمزية التي تكاد تغلف نصوصك ؛
ترى ما الذي يقف وراء رموزك ؟ ، أهي ثقافة المكان والتأثر بالأصوات الغربية التي عايشتها بحكم تواجدك بينهم ؟ ؛ أم أن القناعة الذاتية تجذبك إليه ؟


إنني أكتب بعيدا عن أي توجيه من هذين الداعيين؛ أي التأثر أو الاقتناع..  وما الرمزية التي تتراءى  لك في نصوصي إلا مقوم نصي ، ينشأ من النص وفيه ، لعل هناك ظروفا معينة أملت علي أن أكتب بعض نصوصي برمزية غير مقصودة ، نابعة من الحالة الشعورية التي تمخضت عنها تلك النصوص ، لعله ثمة بعض القصائد والمقاطع الشعرية التي تنفتح على التأويل ، مما يجعل القارئ يستخلص أن الشاعر يكتب برمزية ، وأن لكل لفظ غريب أو غامض دلالة معينة، يوجد مفتاح فهمها عند الشاعر ، وهكذا دواليك.

إن الشاعر لا يكتب معادلة حسابية يمكن فهمها أو فكها بطريقة رياضية ، وإنما ينقل حالة إنسانية تظل مشرعة على القراءة والتأويل ، كل قارئ يدركها بحسب تجاوب وجدانه معها.

 

هل التبحر والموسوعية في الأداء الأدبي عبر الورقي والرقمي ، إضافة إلي الاختلاف النوعي بين فنون الأدب ؟؟
 كيف يؤثر على ملكة الأديب ؟ ، هل الإخلاص لشأن أدبي واحد يؤدي للتميز والتركيز ؟ ، أم أن العكس يؤدي لتغذية الملكة الأدبية بالمزيد من الإجادة والصقل والتفرد ؟

أشكر لك هذا السؤال الوجيه، الذي سوف نحاول ليس الإجابة عنه ، وإنما فهمه ، لأن الإجابة عنه تقتضي إعمال آلية البحث العلمي المعضد بالآراء والإحصائيات والتحاليل ، فالموسوعية قضية قديمة ، حيث انطبع فكر أجدادنا بالتنوع المعرفي وكثرة الاطلاع وتداخل العلوم والفنون وغير ذلك ، فمجرد تصفح أولي لكتاب تراثي معين ، يجعلك تكتشف أن صاحبه يرفرف بك بين مختلف المعارف والأخبار والتخصصات والعلوم ، وأود في هذا الصدد الإشارة إلى مقدمة ابن خلدون التي نحار في تصنيفها ؛ أهي في علم التاريخ ؟، أم في فلسفة التاريخ ؟ ، أم في الأدب ؟ ، أم في علم العمران ؟ ، أم في الفكر السياسي ؟ , أم ماذا؟!
 هذا هو شأن الكثير من علمائنا القدماء، الذين تميزوا بالطابع الموسوعي في قراءاتهم وتأليفاتهم ، والذي يقتضي مجهودا جبارا ، وبصيرة نافذة ، وعقلا ثاقبا ، وثمة من صار في العصر الحديث على نفس الدرب ؛ كالعقاد , وطه حسين , ومحمد إقبال ... وغيرهم كثير، فأفلحوا في أن يقدموا أدبا وفكرا متميزا اغتنت به الثقافة العربية والإسلامية ، وما تزال هذه الظاهرة حاضرة لدى العديد من المثقفين المعاصرين ، الذين يكتبون في مختلف الحقول الأدبية والفكرية.

وأرى شخصيا أن الموسوعية ؛ قراءة أو إسهامـًا أمرٌ لازم بالنسبة إلى الكتاب والمبدعين ، لأن بها تتنوع معارفهم ، وتنشحذ قرائحهم ، وتستقيم مناهجهم ، مما يسعفهم في أن يكتبوا كتابة إنسانية مجردة لكل زمان ومكان ، في حين إذا ظل المثقف حبيسَ نوع أدبي واحد تلقيا وأداءً فإنه سوف ينتج نصا نخبويا ، لا يفهم إلا في إطار جنسه الأدبي أو الفكري.

إن الموسوعية لا تتعارض مع الإخلاص لصنف أدبي أو فكري واحد ، بقدرما تعضده وتسنده ، بأن تؤهل الكاتب المخلص لصنف أدبي معين ، لكن المطلع على مختلف المعارف والميادين الثقافية سوف يكتب نصا غنيا ، أو بالأحرى موسوعي الدلالات والأساليب والتعابير.

 

لاحظت أن لكم أسلوبا مميزا في اختيار عناوين الإنتاج في مجال الإبداع والنقد ، فما هي فلسفة اختيار العنوان لإنجازكم الإبداعي والنقدي ؟

هذه ملاحظة أعتز بها  ... عندما كنت حديث عهد بالكتابة ، كنت أبحث أولا عن العنوان الملائم للنص الشعري أو الأدبي الذي لم يولد بعد ! وبعد ذلك أشرع في الكتابة على ضوء ذلك العنوان. لكن مع تقادم الأيام ، اكتشفت أنني كنت على نوع من الخطأ ، فالعنوان يأتي بعد الانتهاء من كتابة النص  .. وهكذا صارت طريقتي في الكتابة ، سواء الأدبية أو الفكرية.

في اعتقادي أن العنوان يكاد يكون هو النصَّ كلــَّــه ، بمعنى أن الكثرة الكثيرة من القراء في هذا الزمان موجهون من قبل عنوان النص الذي يمكن اعتباره المفتاح السحري الذي به نستطيع فتح قلب القارئ ومن ثم تملكه ، لذلك أحاول جاهدا أن أنتقي عنوانا جامعا مانعا لنصوصي ومقالاتي وكتبي ، عنوانا يكون بمثابة عبارة ملخصة لما أريد أن أعبر عنه ، عبر فقرات ومقاطع النص ، مما تقتضي مني صياغته وقتا طويلا ، بل وفي بعض الأحيان ، أترك ما كتبته يختمر في ذهني ، ولا أتمكن من إيجاد عنوان مناسب له إلا بعد يوم أو يومين!

 

نسمع كثيرا عن النص المفتوح ، وموت التصنيف الأدبي ليندمج نحو نص إبداعي له سمات منوعة ، فما رؤيتكم بتلخيص نحو قضية النوع الأدبي ؟

هذا أمر معروف سواء عند الكتاب الذين تتنوع الطرائق التي يكتبون بها ، أو تتعدد الأجناس الأدبية التي يساهمون فيه ا، مما يقودهم أحيانا إلى إبداع نصوص خارجة على التصنيف التقليدي المعتاد ، فلا هي بشعر خالص ، ولا هي بنثر معهود ، ولا هي بمقالة تأملية..! ثم إن ثمة بعض النصوص السردية التي لا نعرف كيف نصنفها ؛ هل في خانة الرواية ؟، أم السيرة الذاتية ؟، أم المذكرات ؟ , أم غير ذلك؟ فمثل هذه النصوص تظل مفتوحة على مختلف الاحتمالات والتأويلات ، لكن الأهم هو أن تتوفر فيها الملامح الجمالية التي تؤهلها لأن تندرج في خارطة الكتابة الأدبية . أما إشكالية تسميتها ، فلا تعدو أن تكون إلا مسألة شكلية وإجرائية محضة تهم النقد والبحث الأكاديمي ، الذي يتناول الأمور بأسلوب معياري يدعي الموضوعية والعلمية ، لكنك عندما تقرأ الكثير مما هو أكاديمي تفشل في العثور على تلك الموضوعية المنشودة.

 


لماذا نكتب الشعر في هذا العصر ؟؟ نحن العرب خاصة  .
فاجأتني بهذا السؤال ، ليس لأنه سؤال ذو طابع وجودي وفلسفي ، وإنما لأنه أول سؤال يطرح علي في حياتي الأدبية والشعرية، من لدن صديق لي، كان صحافيا مبتدئا بإحدى الجرائد المحلية المتواضعة، عندما كنت طالبا بمدينة وجدة، وذلك في فبراير عام 1994، وقد نشر الحوار في جريدة الميثاق الوطني في زاوية (وجوه شابة)، فكان جوابي آنذاك ؛ إنني أكتب لأجل تحقيق ثلاثة مقاصد وهي: الترويح عن النفس، الإسهام في خدمة اللغة العربية، تعرية الواقع.

وأعتقد أن ذلك الكلام القديم مايزال صالحا لأن أستشهد به في الإجابة عن سؤالك، غير أن المتغير لدي هو أنني بدأت مؤخرا أحس بأن الشاعر أصبح عاجزا عن مواكبة تيار الحياة المعاصرة ، المأخوذة بالماديات والموضاتوالقشور، فصار الشعر لا معنى له في المجتمع، اللهم إلا إذا فكر النقاد والشعراء والفنانون في أن يقننوا الشعر و(يعولموه!)، وذلك بالتأقلم الإيجابي مع متغيرات الواقع الجديد ، الذي أصبح يفرض احتياجات من شأنها أن تكون في صالح الشعر ، إذا هو حاول أن يتكيف معها ، بأن يندمج في سياسة السوق ، المحكومة بمعيار العرض والطلب، ومادام طلب الناس بدأ ينصب على أشكال ثقافية جديدة يمكن أن يحضر فيها الشعر، كالأنشودة، والفيديو كليب، والمسرحية، والبرامج الوثائقية، وأدب الطفل وغير ذلك... فإن الشاعر الحقيقي مطالب بأن يدلي بدلوه حتى يقطع الطريق على المتطفلين والمتطاولين!

 




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home